أما مذهب "الجبرية" فإنهم زعموا: أن فعل الرب وإبداعه لجميع المبتدعات لغير حكمة: بل أوجدها عندهم بمشيئة مجردة.
وقالوا: إنه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء:٢٣)
ولا حجة لهم بالآية الكريمة، بل هي حجة عليهم، فإنه لا يسأل عما يفعل، لكمال حكمته، فلا يمكن مخلوقا أن يعترض على الله اعتراضا صحيحا في شيء من مخلوقاته.
بل: لو اجتمعت عقول الخلق من أولهم وآخرهم ليقترحوا أحسن من خلقه وإبداعه وتكوينه، لعجزت عقولهم وقواهم.
[ ٣٠ ]
وإنما حسب العقول الكاملة أن تدرك حكمة الله، وأن تفهمها، وما يخفى عليهم من الحكم أعظم وأكثر.
* قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (النمل: ٨٨) .
* وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (السجدة: من الآية٧) .
* وقال تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ (الملك: من الآية٣) .
أي: نقص وخلو من الحكمة.
* ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (الملك:٤)
ومن تأمل في المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع المصنوعات، ورأى ما فيها من الحسن والانتظام والإتقان، وشاهد ما فيها من المنافع التي لا تحصى، شهد لله بكمال الحكمة، وعموم الرحمة.
فتبا لمن زعم أن أفعال الباري صادرة عن محض المشيئة الخالية من الحكمة والرحمة.
لقد ضلت أفهامهم حيث أنكروا أظهر الأشياء وأوضحها.
[ ٣١ ]