١- فأما القدرية النفاة:
فهم الذين يطلق عليهم أكثر العلماء اسم "القدرية".
وهم الذين ورد فيهم الحديث، الذي في "السنن": " أنهم مجوس هذه الأمة "١.
وأكثر أهل "المعتزلة" على هذا المذهب الباطل.
وحقيقة مذهبهم أنهم يقولون: إن أفعال العباد، وطاعاتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره.
فأثبتوا قدرة الله على أعيان المخلوقات وأوصافها، ونفوا قدرته على أفعال المكلفين، وقالوا: إن الله لم يردها ولم يشأها منهم، بل هم الذين أرادوها وشاءوها، وفعلوها استقلالا بدون مشيئة الله.
ويزعمون: أنهم بهذا القول ينزهون الله عن الظلم، لأنه لو قدر المعاصي عليهم، ثم عذبهم عليها، لكان ظالما لهم، وللزم من إثبات قدرة الله على أفعالهم الجبر، الذي هو باطل بالشرع والعقل، كما تقدمت الإشارة إليه.
_________________
(١) ١ حديث حسن: رواه أبو داود (٤٦٩١) والحاكم (١/٨٥) من طريق أبي حازم سلمة بن دينار عن ابن عمر، وهو منقطع لأن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر، ولكن الحديث له شواهد ترقيه لمرتبة الحسن؛ ولذا حسنه الألباني في تخريج شرح الطحاوية لابن أبي العز (٢٨٤) وفي تخريج كتاب السنة لابن أبي عاصم (٢٣٨، ٣٢٩) وراجع مختصر سنن أبي داود للمنذري (٧/٦١) .
[ ١٧ ]
ولكنهم بهذا القول الباطل ردوا نصوصا كثيرة من الكتاب والسنة تثبت وتصرح أن جميع أعمال العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية بقضاء الله وقدره.
كما أجمع المسلمون: أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
وسموا "مجوس هذه الأمة"، لأنهم أشبهوا "المجوس" الذين أثبتوا خالقا للخير، وخالقا للشر، وهو إبليس على زعم "المجوس" ١.
وهؤلاء "القدرية" أثبتوا: أن الله خالق للعباد لأعيانهم وأوصافهم، ولم يثبتوا أنه خالق لأفعالهم.
فأخرجوا أفعال العباد عن قدر الله، ولم يهتدوا إلى ما اهتدى إليه أهل السنة، من أن الله كما أنه الذي خلقهم، خلق ما به يفعلون من قدرتهم وإرادتهم، ثم فعلوا الأفعال المتنوعة من طاعة، ومعصية بقدرتهم وإرادتهم اللتين خلقهما الله باتفاق المسلمين.
حتى هؤلاء "القدرية" يثبتون: أن قدرة العباد وإرادتهم مخلوقة له.
وحيث وقعت أفعال العباد بقدرتهم وإرادتهم اللتين خلقهما الله في العبد ليتمكن بهما من كل ما يريده من أقوال وأفعاله.
وخالق السبب التام خالق السبب.
_________________
(١) ١ راجع معالم السنن للخطابي (٧/٥٦-٥٨) وجامع الأصول لابن الأثير (١٠/١٢٨) .
[ ١٨ ]
فالعبد المؤمن: هو الذي يصلي، ويصوم، ويتصدق، ويحج، ويعمل أعمال البر، بما مكنه الله، وأعطاه من قدرة وإرادة يتمكن بهما من أفعال الخير.
والعبد الكافر أو الفاجر،: هو الذي يشرك، ويقتل، ويزني، ويسرق ويعمل أجناس المعاصي، بما مكنه الله به وأعطاه من قدرة وإرادة يفعل بهما تلك الأفعال.
والقدرة والإرادة اللتان أعطاهما الله للعبد خير ونعمة، وفضل من الله، لكن العبد العاصي هو الذي وجه قواه وأفعاله إلى أعمال الشر.
فلم يكن له على الله حجة، بل لله عليه الحجة البالغة، نهج الله له طريق الخير فأباه، وسلك بنفسه طريق الشر وارتضاه، فلا يلومن من بعد ذلك إلا نفسه. فمن احتج مع ذلك على ربه وقال: إنه قدر علي المعاصي فلا لوم علي؟! ١
_________________
(١) ١ ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نفيس في مسألة الاحتجاج بالقدر فليراجع مجموع الفتاوى (٨/٣٠٣-٣٧١) .
[ ١٩ ]