وأما الطائفة الثانية فهم الجبرية:
الذين يقال لهم: "القدرية المجبرة".
وهم "غلاة الجهمية" الذين إمامهم في هذا وغيره "جهم بن صفوان" المتفق على بدعته، بل بدعه الخبيثة المتنوعة.
*فزعموا: أن عموم مشيئة الله، وعموم إرادته تقتضي:
- أن العبد مجبور على أفعاله، مقسور مقهور على أقواله وأفعاله.
- لا قدرة له على شيء من الطاعات، ولا على ترك المعاصي.
- ومع أنه لا قدرة له على ذلك عندهم، فهو مثاب معاقب على ما لا قدرة له عليه.
وهذا القول من أشنع البدع وأنكرها.
وهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأئمة المهتدين، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
ومخالف للعقول والفطر، ومخالف للمحسوس.
وكل قول يمكن صاحبه أن يطرده إلا هذا القول الشنيع، فإنه لا يمكن أن يعمل به ويطرده، كما تقدم: أنه لا يعذر من ظلمه وتعدى عليه، مع اعتذار المعتدي بالقدر.
فإن الجبري لا يعذره، بل يرى اعتذاره بالقدر زيادة ظلم، وتهكما به.
[ ٢٤ ]
فكيف يسلك هذا المسلك مع ربه، وهو لا يرتضيه لنفسه من غيره؟!.
والمقصود: أن هذه الطائفة خالفت المنقول والمعقول.
ونصوص الكتاب والسنة تبطل قولهم، فإن الله نسب أعمال العباد إليهم من الطاعات المتنوعة والمعاصي الكثيرة كلها يضيفها إلى الفاعلين ويخبر أنهم هم الفاعلون لها، ويستحقون جزاءها من خير وشر.
فلو كان مجبورين عليها لم ينسبها لهم، ولم يضفها لهم، بل ينسب الأفعال إلى نفسه. حاشاه وتعالى عن ذلك.
فلا يقال: الله هو الذي فعل الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية.
بل يقول كل أحد: العبد هو الذي فعلها، والله هو الذي قدرها من غير أن يجبره عليها.
ويلزم على قول "الجبرية" أيضا: إسقاط الأمر والنهي؛ لأنه كيف يؤمر وينهى من لا قدرة له على امتثال الأمر، واجتناب النهي؟!
ويلزم أيضا على قولهم: إسقاط الحدود عن جميع أهل الجرائم؛ إذ كيف يعاقبون وتقام عليهم الحدود، وهم غير قادرين، بل مجبورون؟! فهذا القول الباطل مخالف لجميع أصول الدين وفروعه.
ويلزم أيضا على قول الجبرية: تعطيل الأسباب الدينية والدنيوية.
وذلك: أن الله تعالى جعل الأسباب موصلة إلى مسبباتها؛ وأمر العباد بسلوك كل سبب نافع لهم في دينهم ودنياهم.
[ ٢٥ ]
فكيف يؤمرون وهم مجبورون غير قادرين؟!
فالقول بالجبر فيه فساد الدين والدنيا.
والذي حملهم على هذا القول مع ظهور فساده ظنهم: وأنه لا يمكنهم إثبات عموم مشيئة الله وقدره، حتى يسلبوا العبد قدرته.
وقد غلطوا بهذا الظن، فإنه كما تقدم يتمكن العبد من إثبات عموم القدر، ومن إثبات أن الأعمال هي أعمال العباد حقيقة، لأن الله خلقهم وخلق كل ما فيهم من القوى الظاهرة والباطنة.
وبقدرتهم وإرادتهم اللتين خلقهما الله ومكن العبد بها من كل ما يريده من خير وشر فعلوا الأمرين باختيارهم من غير إجبار.
[ ٢٦ ]
وقد تصل الحال بهذه الطائفة وتغلوا في القدر حتى يعتقدوا أن معاصيهم طاعات، لأنها بمشيئة الله، فيشاركون: