يقال: عاذ فلان بربه يعوذ عوذًا وعياذًا ومعاذًا، لاذ به ولجأ إليه واعتصم، عذت بفلان واستعذت به أي لجأت إليه، وهو عياذي أي
_________________
(١) مدارج السالكين: ١/ ٧٥.
(٢) الفتاوى: ٨/ ١٧٧.
[ ١ / ٨٦ ]
ملجأي، وعاذ وتعوذ، واستعاذ بمعنى واحد (^١).
وهذه المادة في تصرفاتها تدل على التحرز والتحصن، وحقيقة معناها: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه ولهذا يسمى المستعاذ به: معاذًا، كما يسمى: ملجأ وَوَزَرًا .. (^٢).
وقال الرازي ما معناه: إن الاستعاذة مشتقة من العوذ، وله معنيان:
أحدهما: الالتجاء والاستجارة، والثاني: الالتصاق، يقال: أطيب اللحم عُوَّذُه وهو ما التصق بالعظم (^٣).
وذكر ابن القيم ﵀: أن في أصله قولين:
أحدهما أنه مأخوذ من الستر، تقول العرب للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها "عُوَّذ"، وكذلك العائذ قد استتر من عدوه بمن استعاذ به منه واستجَنَّ به منه.
وثانيهما: أنه مأخوذ من لزوم المجاورة، تقول العرب للحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلص منه: عوذ، لأنه اعتصم به واستمسك به، فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به، واعتصم به، ولزمه. وقال ﵀: "والقولان حق، والاستعاذة تنتظمهما معًا، فإن المستعيذ مستتر بمعاذه، مستمسك به معتصم به، قد استمسك قلبه به ولزمه، كما يلزم الولد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفًا وقصده به فهرب منه، فعرض له أبوه في طريق هربه، فإنه يلقي نفسه عليه ويستمسك به أعظم استمساك، فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه، وفر إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، والتجأ إليه" (^٤).
_________________
(١) العين للخليل: ٢/ ٢٢٩، والصحاح: ٢/ ٥٦٦، وتهذيب اللغة: ٣/ ١٤٧، والمحكم: ٢/ ٢٤١، واللسان: ٣/ ٤٩٨.
(٢) بدائع الفوائد: ٢/ ٢٠٠.
(٣) تفسير الرازي: ١/ ٧١.
(٤) بدائع الفوائد: ٢/ ٢٠٠.
[ ١ / ٨٧ ]
وما ذكره الرازي وابن القيم رحمهما الله تعالى متقاربان لأن الالتجاء إلى الشيء فيه معنى الاستتار به والاحتماء به وهذا بالنسبة إلى المعنيين الأولين، وأما بالنسبة إلى المعنيين الأخيرين وهما: الالتصاق عند الرازي ولزوم المجاورة عند ابن القيم فهما متلازمان لأنه يلزم من الالتصاق بالشيء مجاورته.
هذا هو معنى الاستعاذة في اللغة.
وأما الاستعاذة في الشرع: فهي "الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجانبه من شر كل ذي شر" (^١)، وقد تقدم في كلام ابن القيم الإشارة إلى المناسبة بين المعنى اللغوي والشرعي.