وهي الآيات التي تتحدث عن نداء الأنبياء لربهم وسؤالهم له: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ [آل عمران: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠].
_________________
(١) المرجع السابق: ١٠١.
[ ١ / ١٢٠ ]
وقوله جل شأنه: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].
وقوله عز من قائل: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ ..﴾ إلى قوله: ﴿.. قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩].
وقوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ..﴾ إلى قوله: ﴿.. وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣ - ٤].
فهذا في دعاء المسألة أظهر، والمعنى إنك عودتني إجابتك وإسعافك ولم تشقني بالرد والحرمان فهو توسل إليه تعالى بما سلف من إجابته وإحسانه (^١).
أمثلة المجموعة الرابعة:
وهي الآيات التي تتحدث عن عدم سماع المدعوين من دون الله دعاء من دعاهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، فسياق الآيات يدل على أن المراد بالدعاء دعاء المسألة فهو صريح في دعاء المسألة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤]، فهذا أظهر في دعاء المسألة يبكتهم الله ﷿ ويخزيهم يوم القيامة بأمرهم بطلب من شركائهم فلا يستجيبون لدعوتهم، وليس المراد اعبدوهم وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [الكهف: ٥٢] (^٣).
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ١٤، وبدائع الفوائد: ٣/ ٤.
(٢) النبذة الشريفة ضمن مجموعة الرسائل: ٤/ ٦٠٠.
(٣) الفتاوى: ١٥/ ١٥، وبدائع الفوائد: ٣/ ٦.
[ ١ / ١٢١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾ [الأعراف: ١٩٨].
أمثلة للآيات التي يراد بها دعاء العبادة وهي فيه أظهر:
فقد ورد في القرآن الكريم استعمال الدعاء بمعنى العبادة وكثر ذلك (^١) حتى ادعى بعضهم أن ذلك هو المراد في كل ما ورد في القرآن كما سيأتي (^٢) فلهذا نورد بعض الأمثلة لهذا الاستعمال، ونشير إلى ما يمكن اعتباره ضابطًا لهذا الاستعمال، ثم نشير إلى السبب في العدول من العبادة إلى الدعاء مع أنه لو عبر بالعبادة بدل الدعاء لكان أوضح في المراد. فمن الآيات التي تكون في دعاء العبادة أظهر، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦، وغافر ٦٦] فالدعاء هنا أظهر في العبادة بدليل اقترانه بقوله: "أَن أَعبد".
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ..﴾ إلى قوله: ﴿.. إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٦، ١١٧].
وقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] تقدم (^٣) تفسير الأزهري للآية بأن معناها أتعبدون ربًا سوى الله.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢].
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [يونس: ٦٦].
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩].
_________________
(١) فتح القدير للشوكاني: ٤/ ٤٩٨.
(٢) يأتي في ص: ٨٧٧.
(٣) ص: ٣٠.
[ ١ / ١٢٢ ]
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢].
وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤].
فهذا في دعاء العبادة: "والمعنى اعبدوه وحده وأخلصوا عبادته لا تعبدوا معه غيره" (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]. "فهذا دعاء العبادة المتضمن للسؤال رغبة ورهبة والمعنى إنا كنا من قبل نخلص له العبادة، وبهذا استحقوا أن وقاهم عذاب السموم لا بمجرد السؤال المشترك بين الناجي وغيره، فإن الله سبحانه يسأله من في السموات ومن في الأرض، والفوز والنجاة إنما هي بإخلاص العبادة لا بمجرد السؤال والطلب" (^٢).
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما يمكن اعتباره ضابطًا للآيات التي يكون فيها حمل الدعاء على العبادة أظهر فقال: "وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن (^٣) دعاء المسألة، فهو في دعاء العبادة أظهر، لوجوه ثلاثة:
أحدها: أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم.
الثاني:: أن الله تعالى فسر هذا الدعاء في موضع آخر كقوله تعالى:
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ١٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ٤.
(٢) الفتاوى: ١٥/ ١٤، وبدائع الفوائد: ٣/ ٥ - ٦.
(٣) قوله: "المتضمن يريد به المستلزم، وكأنه ما أراد التقيد باصطلاح المناطقة وإنما أولنا هذا لأن الشيخ نفسه ﵀ يقرر أن هذا من باب التلازم وليس من باب التضمن كما تقدمت الإشارة إلى كلامه ص: ٨٧.
[ ١ / ١٢٣ ]
﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢، ٩٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
وقوله تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢]، وهو كثير في القرآن فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم لها.
الثالث: أنهم كانوا يعبدونها في الرخاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله وحده وتركوها، ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة" (^١).
ويأتي هنا سؤال مهم جدًا وهو أنه إذا كان المراد بالدعاء في الآيات التي ذكر فيها دعاء المشركين لأوثانهم، العبادة المستلزمة للسؤال والطلب فما هو السر وما هي الحكمة في العدول في كلام الله تعالى الحكيم من العبادة إلى الدعاء فهل هناك أسرار وحكم ونكات؟؟ فالجواب: إن المسلم لا بد له أن يعتقد أن من كلام الله تعالى له أسرار وفوائد وحكم وهذا العدول لا بد أن يكون فيه سر وإن كنا لا نستطيع الجزم بعين السر، وهذا هو معتقد المسلم الإجمالي، وأما تفصيلًا فقد يكون العالم يظهر له مَّا فيذكره بدون ادعاء أنه عين ما أراده الله من ذلك، فالجزم سوء أدب، فعلى هذا فنذكر بعض ما قاله العلماء في سر العدول عن التعبير بالعبادة إلى التعبير بالدعاء.
١ - قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله بعد أن ذكر أن الدعاء عماد الدين قال: "وأنت ترى كل العبادات الباطنة والظاهرة، دالة على الطلب والمسألة على اختلاف المطلوب والمسؤول، وكأن هذا هو الوجه في التعبير بالدعاء دون العبادة، في أكثر موارد القرآن والسنة"، ثم ذكر أنه يشهد لهذا حديث أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وجواب ابن عيينة عن ذلك (^٢).
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ١٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ٤.
(٢) تحفة الطالب والجليس: ٩٨ - ٩٩، أو دلائل الرسوخ: ٧٣.
[ ١ / ١٢٤ ]
٢ - وقال الشيخ حسين بن مهدي النعمي ﵀ بعد أن أورد سؤالًا هل سجل الله تعالى على الوثنية بالسجود لغيره كما سجل بدعائهم غيره؟؟ قال: "وكأنه -والله أعلم- لما كان الدعاء هو العبادة أو مخها، والسجود إنما هو كأنه عبارة عن بعض معاني الدعاء، وهو المعنى الأشمل الأكمل في هذا الباب كان قبلة القصد، وعمدة المنتحى، وقاعدة المرمى، ومع التأمل أيضًا كأن الدعاء بعض معاني السجود، وكأنهما أيضًا لتلاقي حاصلهما فرسا رهان" (^١).
٣ - ويمكن أن يقال في سر العدول أيضًا: إن أغلب عبادة المشركين لأوثانهم إنما هو بالدعاء والطلب كما هو مشاهد اليوم بين من يعبد القبور، فإن أغلب أعمالهم نحوها الاستغاثة والاستمداد والاستشفاع، فهذه الأعمال التي هي من أنواع الدعاء، أكثر وقوعًا وانتشارًا من الأعمال الأخرى كالنذر والذبح.
فلكون دعاء غير الله تعالى أكثر وقوعًا من غيره من أنواع الشرك الموجود عندهم، صار أهم من غيره، وانصب توجيه الإنكار عليه دون غيره من أنواع العبادات.
ومن هنا نستطيع أن نعرف أيضًا السبب في أن القرآن الكريم لم يكثر من النهي عن السجود لغيره تعالى والنذر، والذبح، وأنواع العبادات، مثل ما أكثر من النهي عن دعاء غيره تعالى فإننا إذا تتبعنا الآيات التي نهت صراحة عن السجود لغيره تعالى لا نجد إلا آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. بينما نجد الآيات الكثيرة المتنوعة الأساليب التي نهت عن دعاء غير الله تعالى كثيرة جدًا. فالسبب في هذا والله أعلم هو أن دعاء غير الله تعالى الأكثر وقوعًا وانتشارًا من السجود كما أن الدعاء هو المعنى الأشمل
_________________
(١) معارج الألباب: ١٨٧ - ١٨٨.
[ ١ / ١٢٥ ]
الأكمل وهو لب العبادة ومخها فصار هو الأهم.
أمثلة للآيات التي يراد بالدعاء فيها مجموع الأمرين: دعاء العبادة ودعاء المسألة:
وهذه الآيات تختلف فيها وجهات النظر فمن هنا نجد من المفسرين من يفسرها بالمسألة ومن يفسرها بالعبادة وهذا الخلاف منهم يدل على أن الآية تحتمل الأمرين فلو لم تحتمل لما اختلفوا والذي يحل هذا الاختلاف هو حمل الآية على الحقيقة المتضمنة للأمرين جميعًا وبهذا يرتفع الخلاف، وتكون الآية صالحة للأمرين.
فمن تلك الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦].
فهذه الآية فسرت بنوعي الدعاء (^١)، قيل في قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ أعطيه إذا سألني، وقيل: "أجيبه بالثواب على طاعته إياي إذا أطاعني، فيكون معنى الدعاء مسألة العبد ربه ما وعد أولياءه على طاعتهم بعملهم بطاعته، ومعنى الإجابة من الله التي ضمنها له الوفاء له بما وعد العاملين له بما أمرهم به" (^٢) فعلى القول الثاني يكون معنى الدعاء ههنا الطاعة، ومعنى الإجابة، الثواب (^٣).
فهذه الآية تحتمل المعنيين فلهذا فسرت بهما، فيكون الراجح فيها أنها في مجموع المعنيين فالمراد بالدعاء فيها المعنى الشامل العام المشترك الذي يصدق على النوعين.
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ١١، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣ وجلاء الأفهام ص: ٨١، وزاد المعاد: ١/ ٢٣٥.
(٢) ابن جرير الطبري: ٢/ ١٦٠.
(٣) انظر تفسير البغوي: ١/ ١٥٦، ونحوه في القرطبي: ٢/ ٣٠٨.
[ ١ / ١٢٦ ]
ومن تلك الآيات أيضًا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
فقد فسرت هذه الآية بالمعنيين (^١) فقد ورد في تفسيرها بالعبادة حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: "الدعاء هو العبادة" وقرأ رسول الله ﷺ: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم … " وهذا هو من البيان الذي أمر النبي ﷺ بتبيينه للناس، ويؤيد هذا أيضًا قوله في آخر الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ كما يؤيده قول الحسن البصري فقد روي عنه أنه قال في هذه الآية: "ادعوني أستجب لكم قال: اعملوا وأبشروا، فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله (^٢).
وفسرت أيضا بدعاء المسألة وفسر قوله: "عن عبادتي أي عن دعائي، وإلى هذا ذهب السدي (^٣)، وقال السبكي: الأولى حمل الدعاء على ظاهره وأما قوله عن عبادتي فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة فمن استكبر عنها استكبر عن الدعاء، وعلى هذا فالوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء استكبارًا ومن فعل ذلك فقد كفر" (^٤). ومن تلك الآيات:
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ فالأرجح أنه إضافة المصدر إلى فاعله أي لولا دعاؤكم إياه فعلى هذا فالمراد به نوعا الدعاء أي ما يعبأ بكم ربي لولا أنكم تعبدونه أو لولا أنكم تدعونه دعاء
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ١٢، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣، وجلاء الأفهام ص: ٨١، وتفسير البغوي: ٤/ ١٠٣.
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد رواية نعيم بن حماد ص: ١٨ رقم ٧٦، ومن طريقه ابن جرير: ٢/ ١٦١، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٩ رقم ٩.
(٣) ابن جرير ٢٤/ ٧٩، وزاد المسير: ٧/ ٢٣٤.
(٤) فتح الباري: ١١/ ٩٥، والزرقاني: ٢/ ٣٢.
[ ١ / ١٢٧ ]
مسألة، وقد ورد (^١) تفسير الدعاء في الآية بالإيمان والعبادة والمسألة، وهذا يدل على أن الآية تحتمل المعنيين وأنها مشتركة ولكن شيخ الإسلام (^٢) يرى أنها في العبادة أظهر مع دلالتها على المسألة فتكون من الوجه الثاني المتقدم.
ومن تلك الآيات:
قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤]، فقد فسر قوله تعالى له دعوة الحق بتوحيد الله وشهادة أن لا إله إلا الله، روي ذلك عن علي وابن عباس وقتادة أي لله من خلقه الدعوة التي هي الحق فهذه الدعوة خاصة به فليست تنبغي لغيره (^٣).
فعلى هذا فمعنى الدعوة العبادة وأهم العبادات التوحيد أي فالله الحق هو الذي يوحد ويفرد بالعبادة.
وفسر أيضًا بالدعاء والسؤال والتضرع، أي الله مختص به الدعاء الحق والتضرع الثابت الواقع في محله المجاب عند وقوعه … فإجابة الدعاء له تعالى دون غيره، ويؤيد هذا الوجه تمام الآية (^٤) ولهذا يرى بعضهم أن هذه الآية نص في دعاء المسألة (^٥) لكن مفسرو السلف علي وابن عباس وغيرهما فسروا بما يفيد دلالتها على العبادة.
_________________
(١) تفسير البغوي: ٣/ ٣٧٩، وابن جرير: ١٩/ ٥٥، وانظر ما تقدم في ص ٤٢ - ٤٣.
(٢) الفتاوى: ١٥/ ١٢، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣.
(٣) تفسير ابن جرير أخرجه عن علي وابن عباس وقتادة وابن زيد ١٣/ ١٢٨، وزاد المسير: ٤/ ٣١٧، وابن كثير: ٢/ ٥٠٧.
(٤) روح المعاني: ١٣/ ١٢٣.
(٥) انظر القول الفصل النفيس: ٧٨، ٨٩.
[ ١ / ١٢٨ ]
ومن تلك الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. فالدعاء بالأسماء الحسنى يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة (^١)، ففي السؤال والطلب يدعى الله تعالى بأسمائه وصفاته التي تتناسب مع المطلوب نحو يا غفار اغفر لي، وفي العبادة يعبد الله تعالى ويمدح ويثني عليه ويذكر بأسمائه الحسنى وصفاته العليا كما أنه يعبد أيضًا "باستحضار معاني الأسماء الحسنى وتحصيلها في القلوب حتى تتأثر القلوب بآثارها ومقتضياتها وتمتلئ بأجل المعارف فمثلًا أسماء العظمة والكبرياء والمجد والجلال والهيبة تملأ القلوب تعظيمًا الله وإجلالًا له وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة الله وشوقًا له وحمدًا له وشكرًا … فهذه المعارف التي تحصل للقلوب بسبب معرفة العبد بأسمائه وصفاته وتعبده بها الله لا يحصل العبد في الدنيا أجل ولا أفضل ولا أكمل منها وهي أفضل العطايا من الله لعبده وهي روح التوحيد وروحه، ومن انفتح له هذا الباب انفتح له باب التوحيد الخاص والإيمان الكامل الذي لا يحصل إلا للكمل من الموحدين، وإثبات الأسماء والصفات هو الأصل لهذا المطلب الأعلى" (^٢).
ويشبه هذه الآية الحديث الوارد في إحصاء الأسماء الحسنى فقد فسر بالمسألة بها وبالتعبد بها.
فقد فسر إحصاء الأسماء الحسنى الوارد في حديث: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة" (^٣) بالتعبد بها بحسن المراعاة لها والمحافظة على حدودها في معاملة الرب سبحانه بها وذلك مثل أن يقول: يا رحمن يا رحيم فيخطر بقلبه الرحمة ويعتقدها صفة الله ﷿
_________________
(١) مدارج السالكين: ١/ ٤١٨.
(٢) القول السديد في مقاصد التوحيد للسعدي: ١٣٣ - ١٣٤.
(٣) سيأتي تخريجه ص: ٢٠٣.
[ ١ / ١٢٩ ]
فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته … وإذا قال: السميع البصير علم أنه لا يخفى على الله خافية وأنه بمرأى منه ومسمع فيخافه في سره وعلنه ويراقبه في كافة أحواله" (^١).
إطلاق الدعاء على النوعين:
إذا أطلق الدعاء وأريد منه ما يشمل النوعين فهل هو من باب استعمال المشترك (^٢) في معنييه كليهما أو حقيقة (^٣) هو في أحدهما مجاز في الآخر أو هو حقيقة في القدر المشترك بينهما فيكون من باب الأسماء المتواطئة (^٤).
فهذه الاحتمالات ثلاث فالاحتمالان الأولان فيهما خلاف طويل بين الأصوليين في جوازهما. فبالنسبة إلى استعمال المشترك في معنييه كليهما
_________________
(١) شأن الدعاء: ٢٧ - ٢٨، وانظر طريق الهجرتين: ٤٣ - ٤٥، والفتح: ١١/ ٢٢٥ - ٢٢٧ و١٣/ ٣٧٨.
(٢) المشترك: ما وضع لمعنى كثير بوضع كثير كالعين لاشتراكه بين المعاني: الباصرة والجارية والشمس … ومعنى الكثرة ما يقابل الوحدة لا ما يقابل القلة، فيدخل فيه المشترك بين المعنيين فقط كالقرء والشفق. اهـ. التعريفات: ٢١٥.
(٣) الحقيقة كلمة استعملت فيما وضعت له، والمجاز كلمة استعملت في غير ما وضعت له لقرينة وسيأتي تعريف المجاز بتوسع في مبحث شبهة المجاز العقلي إن شاء الله تعالى ص: ٩١٢.
(٤) المتواطئ: هو الكلي الذي يكون حصول معناه وصدقه على أفراده الذهنية والخارجية على السوية كالإنسان والشمس، فإن الإنسان له أفراد في الخارج وصدقه عليها بالسوية والشمس لها أفراد في الذهن وصدقها عليها أيضًا بالسوية. اهـ. التعريفات ص: ١٩٩، وقال الآمدي ما ملخصه: إن الكلي ما يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون سواء وقعت الشركة بالفعل كاسم الكوكب أو لم تقع كالشمس والقمر وإن هذه الأسماء الكلية إذا كان لا اختلاف في مدلولها بشدة ولا ضعف ولا تقدم ولا تأخر فهي متواطئة كالإنسان والفرس وإلا فمشككة كالوجود والأبيض. اهـ. الإحكام: ١/ ١٨ - ١٩، وانظر تعريفه أيضًا في مناقشة شيخ الإسلام في العقود الدرية: ٧١ - ٧٥، والفتاوى: ١١/ ١٤٢ - ١٤٥.
[ ١ / ١٣٠ ]
ذهبت طائفة من العلماء إلى جوازه وذهب آخرون إلى امتناعه مطلقًا، وذهبت طائفة أخرى إلى امتناعه في الإثبات دون النفي (^١).
واختلفوا أيضًا في الجمع بين الحقيقة والمجاز، ذهب الجمهور إلى المنع من ذلك، وأجاز ذلك بعض الشافعية وبعض المعتزلة، وقال آخرون: يجوز ذلك عقلًا لا لغة (^٢).
وعلى كل من الاحتمالين اعتراضات ومناقشات طويلة من المجيزين والمانعين في كتب أصول الفقه (^٣).
القول الراجح:
الراجح أن استعمال الدعاء في معنييه من باب الأسماء المتواطئة، فيكون قد استعمل في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعًا (^٤). فإن الراجح في الألفاظ الدالة على معنيين فصاعدًا أنها من باب الأسماء المتواطئة وليست من باب استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه ولا من باب استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وذلك لأن كونها من المتواطئة أسلم من الاعتراض كما أنه أدق نظرًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "واللفظ إذا استعمل في معنيين فصاعدًا فإما أن يجعل حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، أو
_________________
(١) الإحكام للآمدي: ١/ ٢٠ - ٢٣، وفواتح الرحموت: ١/ ١٩٨ - ٢٠١، وإرشاد الفحول ص: ٢٠ - ٢١، وجمع الجوامع: ١/ ٢٩٤.
(٢) إرشاد الفحول ٢٨، وفواتح الرحموت ١/ ٢١٦، المسودة: ١٦٦ - ١٦٩، وجمع الجوامع: ١/ ٢٩٨.
(٣) المصادر السابقة تحت الرقمين السابقين، وانظر أيضًا أصول السرخسي: ١/ ١٧٣ وما بعدها، والفتاوى: ٢٠/ ٤٣٨ وما بعدها، وزاد المعاد ٥/ ٦٠٦ - ٦٠٧ فقد ذكر في إبطال المسألة الأولى خمسة وجوه، وجلاء الأفهام: ٨٤ - ٨٥ ذكر فيه وجهين من المحاذير في المسألة الأولى.
(٤) الفتاوى: ١٥/ ١١، وجلاء الأفهام: ٨١، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣.
[ ١ / ١٣١ ]
حقيقة فيما يختص به كل منهما فيكون مشتركًا اشتراكًا لفظيًا، أو حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهي الأسماء المتواطئة، وهي الأسماء العامة كلها، وعلى الأول يلزم المجاز، وعلى الثاني يلزم الاشتراك، وكلاهما خلاف الأصل، فوجب أن يجعل من المتواطئة، وبهذا يعرف عموم الأسماء كلها" (^١).
ومثل كلمة الدعاء الكلمات الواقعة في القرآن الدالة على معنيين فأكثر فهي من هذا القبيل فمن تلك الكلمات كلمة "دلوك" في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فسر الدلوك بالزوال، وفسر بالغروب، وليس بقولين بل اللفظ يتناولها معًا فإن الدلوك هو الميل، ودلوك الشمس، ميلها ولهذا الميل مبتدأ ومنتهى، فمبتدأه الزوال، ومنتهاه الغروب، واللفظ متناول لهما بهذا الاعتبار (^٢). إذا أطلق الدعاء على النوعين فإنه يطلق عليهما لتضمنه القدر المشترك الذي يتحقق في النوعين، وهذا القدر المشترك الذي يصدق على النوعين ما هو؟.
وفي الحقيقة يصعب التحديد بالدقة القدر المشترك الصادق على النوعين وذلك لأنه أمر كلي لا يوجد كليًا عامًا إلا في الذهن، والتعبير عن ذلك الكلي صعب ويمكن أن نقول: إن القدر المشترك بين نوعي الدعاء هو: "الرغبة إلى الله تعالى للنفع والضر، والابتهال إليه، والتقرب إليه بكل ما يحبه ويرضاه" فهذا القدر المشترك يصدق على النوعين.
كما أنه يمكن أن نقول: إن هذا هو تعريف الدعاء العام الشامل للنوعين وقد تقدم، وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى هذا القدر المشترك في تعريف الصلاة بمعنى الدعاء فذكر أن المعنى العام هو: "دعاء الله أي قصده والتوجه إليه المتضمن ذكره على وجه الخشوع والخضوع" (^٣).
_________________
(١) الإيمان: ٩٧ - ٩٨.
(٢) الفتاوى: ١٥/ ١١، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣.
(٣) الفتاوى لابن تيمية ١٤/ ٢١٥.
[ ١ / ١٣٢ ]
وسبب الصعوبة في تحديد القدر المشترك يعود إلى أنه أمر ذهني لم يحتج أهل اللغة إلى التعبير عنه، قال شيخ الإسلام: "والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المتواطئة أمر كلي عام، لا يوجد كليًا عامًا إلا في الذهن، وهو مورد التقسيم بين الأنواع، لكن ذلك المعنى العام الكلي كان أهل اللغة لا يحتاجون إلى التعبير عنه، لأنهم إنما يحتاجون إلى ما يوجد في الخارج، وإلى ما يوجد في القلوب في العادة، وما لا يكون في الخارج إلاَّ مضافًا إلى غيره لا يوجد في الذهن مجردًا" (^١).
وأما إذا أطلق وأريد منه أحد النوعين، فإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظية مثل لام العهد نحو الدعاء مرادًا به دعاء المسألة أو الإضافة نحو دعاء العبادة أو دعاء المسألة.
فهذا أيضًا لا يخرجه عن أن يكون متواطئًا، كما إذا قال الرجل: جاء القاضي، وعنى به قاضي بلده، لكون اللام فيه للعهد، وأما أن يكون لغلبة الاستعمال عليه فيصير مشتركًا بين اللفظ العام والمعنى الخاص فعلى كونه مخصصًا بقرينة لفظية فهو من الأسماء المتواطئة وأما على كونه مخصصًا بغلبة الاستعمال فهو لفظ مشترك (^٢).
ويمكن أن يقال في الدعاء عند الإطلاق أنه يراد به دعاء المسألة لغلبة الاستعمال فيه كما أشار إليه صاحب فتح المجيد بقوله: "إنّ الدعاء أكثر ما يستعمل في الكتاب والسنة واللغة ولسان الصحابة ومن بعدهم من العلماء في السؤال والطلب كما قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم" (^٣).
أي نوعي الدعاء أفضل:
إذا تقرر أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة يأتي سؤال
_________________
(١) الإيمان: ٩٨.
(٢) العقود الدرية ص: ٧٤.
(٣) فتح المجيد ص: ١٨٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
مهم لمن يعتني بالعبادة ويتخيرها أي النوعين أفضل؟ وهذا سؤال لأن مهم المؤمن يحتاج إلى فقه ومعرفة بمراتب الأعمال وتفاوتها ومقاصدها حتى لا يشتغل بمفضولها عن فاضلها فيفوت إبليس الفضل الذي بينهما، أو ينظر إلى فاضلها فيشتغل به عن مفضولها وإن كان ذلك وقته فتفوته مصلحته بالكلية لظنه أن اشتغاله بالفاضل أكثر ثوابًا وأعظم أجرًا (^١).
فالعلماء قد اختلفوا في الجواب على ثلاثة أقوال:
١ - أن دعاء العبادة أفضل.
٢ - أن دعاء المسألة أفضل.
٣ - التفصيل والقول بأن ذلك يختلف بحسب الأشخاص والأحوال.
أدلة الفريق الأول (^٢):
أ - قوله ﷺ: "أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" (^٣).
ب - وقوله ﷺ عندما سئل أي الكلام أفضل؟، قال: ما اصطفى الله لملائكته (^٤).
جـ - إن دعاء العبادة حق الرب ووصفه، ودعاء المسألة حظ العبد ومصلحته، فالشيء يشرف بحسب متعلقه.
إن دعاء العبادة لا يكون إلا من مخلص وأما دعاء المسألة فيكون من
_________________
(١) الوابل الصيب: ١٨٩.
(٢) انظر هذه الأدلة في مدارج السالكين: ١/ ٧٥ - ٧٧، وبدائع الفوائد: ٢/ ١٩٠، والوابل الصيب، ١٨٢ والفتاوي: ٢٢/ ٣٧٩ - ٣٨٩ وانظر في الاختلاف في قيام الدعاء مقام الفاتحة، روضة الطالبين: ١/ ٢٤٦، وذكر في الأزهية ص: ٥٠ أنه مذهب ابن عيينة واختاره ابن الصباغ الشافعي، ونحوه في الدعاء المأثور ص: ١٤٣.
(٣) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٢٠، ومسلم: ٣/ ١٦٨٥ رقم ٢١٣٧.
(٤) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٩٣ رقم ٢٧٣١.
[ ١ / ١٣٤ ]
مخلص ومن غير مخلص لأن الله تعالى يسأله من في السموات والأرض والكفار يسألون الله فيجيبهم.
هـ - ولأن العبادة شكر لنعمة الله تعالى والله يحب أن يشكر، وأما الدعاء فهو طلب لفعله وتوفيقه، ويحصل بالشكر لله وعبوديته التوفيق والإعانة، فكان الأولى الالتزام بالشكر حتى يحصل له الأمران ويشير إلى هذا قوله ﷺ في الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (^١).
ولهذا كان المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله تعالى والثناء عليه بين يدي حاجته ثم يسأل حاجته.
و- ثم إن العبادة هي الغاية المطلوبة لذاتها وهي التي خلقنا من أجلها، والسؤال وسيلة إليها والمقاصد والغايات أشرف من الوسائل.
ز - إن العلماء يختلفون في العاجز عن الفاتجة هل يقوم الدعاء المحض وهودعاء المسألة مقام الذكر·
إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة الدالة على فضل دعاء الثناء والعبادة.
أدلة الفريق الثاني:
أ - قوله ﷺ: "الدعاء هو العبادة" وسيأتي توجيه وجه الاستدلال ومناقشته.
ب - وصفه ﷺ الدعاء بأنه مخ العبادة وأن ذلك لكونه يستدعي مزيد حضور قلبي دون سائر العبادات التي يغلب على المتعبد بها الغفلة والسهو.
جـ - إن الدعاء فيه غاية التذلل والخضوع وإظهار الفاقة وذل العبودية وعز الربوبية.
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص: ٣٨٥.
[ ١ / ١٣٥ ]
د - إن كل داع عابد ولا ينعكس.
هذه هي أهم العلل التي فضلوا من أجلها الدعاء على غيره من أنواع العبادات كما ذكرها الزبيدي مؤيدًا بها هذا القول (^١).
ويمكن أن يستدل لهم بالأحاديث التالية زيادة على الحديثين الماضيين:
١ - قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" (^٢).
٢ - حديث ابن عباس مرفوعًا: "أفضل العبادة الدعاء" وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية (^٣).
٣ - حديث عائشة ﵂ قالت: سئل النبي ﷺ: "أي العبادة
_________________
(١) إتحاف السادة: ٥/ ٤.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم ٧١٢،٧١٣، والترمذي: ٥/ ٤٥٥ رقم ٣٣٧٠، وابن ماجه: ٢/ ١٢٥٨ رقم ٣٨٢٩، وأحمد في المسند: ٢/ ٣٦٢، والحاكم: ١/ ٤٩٠، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٩٨ رقم ٢٨، وفي الأوسط: ٣/ ٢٥٢ رقم ٢٥٤٤، وابن حبان "موارد رقم ٢٣٩٧" والبيهقي في الدعوات رقم ٣، وعبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء رقم "١"، وابن عدي في الكامل: ٥/ ١٧٤٢ كلهم من طريق عمران بن دوار القطان عن قتادة بن أبي الحسن عن أبي هريرة به، قال الحافظ في عمران صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج، وقد حسن الترمذي هذا الحديث، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، ثم ذكر الحاكم بعد تصحيحه بأن أحاديث الدعوات يتساهل فيها لأنها من فضائل الأعمال وروى ذلك بإسناده عن ابن مهدي، وقال ابن القطان: رواته كلهم ثقات وما موضع في إسناده ينظر فيه إلا عمران، إتحاف السادة: ٥/ ٢٩، وفيض القدير: ٥/ ٣٦٦ وقد حسن الحديث أيضًا الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجة: ٢/ ٣٢٤ رقم ٣٠٨٧.
(٣) أخرجه الحاكم: ١/ ٤٩١، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في الصحيحة: ٤/ ١٠٦ رقم ١٥٧٩، وصححه في صحيح الجامع: ١/ ٣٦٧ رقم ١١٣٣، وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه ابن عدي في الكامل: ٥/ ١٧٤٣ وضعفه.
[ ١ / ١٣٦ ]
أفضل؟ قال: دعاء المرء لنفسه (^١).
٤ - وحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج" (^٢).
مناقشة أدلة الفريق الثاني:
ذكر وجه الحصر في قوله ﷺ: "الدعاء هو العبادة":
هذا الحديث إفادة الحصر من عدة وجوه.
١ - تعريف طرفي المبتدأ والخبر.
٢ - ضمير الفصل.
٣ - الجملة الإسمية التي تدل على الاستمرار والدوام.
وقد ذكر العلماء في توجيه هذا الحصر عدة أوجه:
الوجه الأول:
وهو ما ذكره الخطابي، وقد تبع الخطابي كثير ممن جاء بعده، قال الخطابي ﵀: "إنه معظم العبادة، أو أفضل العبادة كقولهم: الناس بنو تميم، والمال الإبل، يريدون أنهم أفضل الناس أو أكثرهم عددًا أو ما
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ٢/ ١٧٩ رقم ٧١٥، والحاكم: ١/ ٥٤٣، وأبو نعيم في أخبار أصبهان: ١/ ٢١١، وقد صححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: مبارك واه، ومبارك هذا هو مبارك بن حسان السلمي قال فيه الحافظ: لين الحديث. اهـ. التقريب: ٦٤٦٠.
(٢) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥٦٥ رقم ٣٥٧١، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٩٥ رقم ٢٢، وعبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء رقم ١١، والحديث في إسناده حماد ابن واقد العيشي، قال فيه الحافظ: ضعيف، التقريب رقم ١٥٠٨، وقد حَسَّن مع ذلك إسناده فيما حكاه عنه السخاوي في المقاصد الحسنة ص: ٩٩ رقم: ١٩٥، وقد ضعف الحديث الألباني، انظر الضعيفة: ١/ ٤٩٩ رقم ٤٩٢. والشطر الأخير من الحديث رواه البزار كما في كشف الأستار: ٤/ ٣٢، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ١٠/ ١٤٧، وفيه من لم أعرفه، وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب: ٢/ ٢٤٥ رقم ١٢٨٣.
[ ١ / ١٣٧ ]
أشبه ذلك، وأن الإبل أفضل أنواع الأموال وأنبلها، وكقول النبي ﷺ: "الحج عرفة" يريد أن معظم الحج الوقوف بعرفة، وذلك لأنه إذا أدرك عرفة فقد أمن فوات الحج ومثل هذا في الكلام كثير" (^١).
ويؤيد هذا الوجه ما ورد في معنى هذا الحديث من حديث أنس مرفوعًا: "الدعاء مخ العبادة" (^٢) فمُخ الشيء خالصه ولبه ووجه تخصيص الدعاء بذلك: "أنه لما كان المُخ من أعضاء الحيوان هو المغذي لها والمقوم لاستدامة بقائها شبه الدعاء به لأنه يعمل هذا العمل، وذلك لأنه يشتمل على حضور قلبي لا يوجد في غيره فهو يستدعي مزيد حضور في قلب الداعي" (^٣).
فالحصر على هذا الوجه حصر إضافي وليس حقيقيًا فكأن العبادات الأخرى ليست عبادة فهو لكماله المطلق، وكونه غاية في التذلل والخضوع، صار كأنه الوحيد في استحقاق هذا الاسم وأن غيره لا يطلق عليه هذا الاسم، فهو الفرد الكامل من أنواع العبادات ومن هنا استدل بهذا الحديث القائلون بأفضلية الدعاء المطلقة على سائر أنواع العبادات.
الوجه الثاني:
أن الغرض من العبادة طلب الثواب عليها، وهذا هو المطلوب (^٤).
_________________
(١) شأن الدعاء للخطابي ص: ٥ - ٦، وانظر فتح الباري: ١١/ ٩٤، ونسبه إلى الجمهور، وتفسير الرازي: ٥/ ١٠٦، وإتحاف السادة نقلًا عن الخطابي: ٥/ ٢٩، والرسائل الشخصية: ١٠٥، وتحفة الطالب ص: ٩٨، ومصباح الظلام ص: ١٩٩، وعون المعبود: ٤/ ٣٥٢، وفيض القدير: ٣/ ٥٤٠، والأزهية ص: ٣٠ نقلًا عن الخطابي.
(٢) تقدم تخريجه ص: ٥٩.
(٣) إتحاف السادة: ٥/ ٤.
(٤) النهاية لابن الأثير: ٤/ ٣٠٥ مادة مخ والرسائل الشخصية من مؤلفات الشيخ ص: ١٠٥.
[ ١ / ١٣٨ ]
بالدعاء أيضًا فكل من العبادة والدعاء طلب، فالداعي دعاء المسألة يطلب جلب منفعة أو دفع مضرة، والعابد كذلك يطلب جلب الثواب ودفع العقاب فالغرض منهما شيء واحد، وقد تقدم بيان تضمن كل منهما للطلب.
فعلى هذا فالحصر حقيقي فجميع أنواع العبادات هي دعاء الله تعالى وسؤال له لمرضاته وجناته وللنجاة من غضبه وعقابه.
الوجه الثالث:
أن العبادة في الحديث على معناها اللغوي الذي هو التذلل والخضوع فمعنى "الدعاء هو العبادة"، أن الدعاء الذي هو طلب قضاء حوائج من الله تعالى هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله تعالى والاستكانة له وما شرعت العبادات إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه (^١).
الوجه الرابع:
أن الدعاء هو العبادة سواء استجيب أو لم يستجب، لأنه إظهار العبد العجز والاحتياج من نفسه والاعتراف بأن الله تعالى قادر على إجابته كريم لا بخل له ولا فقر ولا احتياج له إلى شيء حتى يدخره لنفسه ويمنعه من عباده، وهذه الأشياء هي العبادة بل مخها (^٢).
الوجه الخامس:
إن الدعاء امتثال أمر الله تعالى حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهو مأمور به والمأمور به عبادة (^٣). ويؤيد هذا الوجه قراءة النبي ﷺ للآية.
والذي يظهر والله أعلم أنه لا حاجة إلى تأويل معنى الحديث
_________________
(١) فتح الباري: ١١/ ٩٥، نقلًا عن الطيبي ونحوه في فيض القدير: ٣/ ٥٤٠.
(٢) تحفة الأحوذي: ٩/ ٣١٢.
(٣) انظر النهاية لابن الأثير: ٤/ ٣٠٥، وعون المعبود: ٤/ ٣٥٣، وفيض القدير: ٣/ ٥٤٠.
[ ١ / ١٣٩ ]
واستشكاله وذلك لما تقدم في مبحث التعريف أن الدعاء يطلق على العبادة لغة وشرعًا وأن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، والعبادة مستلزمة للسؤال والطلب.
والشارع الحكيم قد بيّن البيان الشافي ولا حاجة بعد بيان الشارع إلى بيان آخر وقد ذكرنا إطلاق القرآن الدعاء على العبادة، والعبادة على الدعاء.
والرسول ﷺ بين أن الدعاء هو العبادة، فهذا من البيان الذي أمر بتبيينه للناس. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.
وقد ذكر ابن القيم (^١) ﵀ بيان الرسول ﷺ للقرآن وذكر أنه على أوجه، ثم ذكر أن من تلك الأوجه: "بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك" وضرب أمثلة لذلك وذكر من تلك الأمثلة هذا الذي نحن فيه فقال: "وكما فسر الدعاء في قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ بأنه العبادة".
والحاصل أن الحديث لا يدل صراحة للقائلين بأفضلية دعاء المسألة لاحتماله للأوجه المذكورة ولا يمكن الاستدلال به إلا على الوجه الأول فقط، وأما على الأوجه الأخرى الباقية فلا يصح الاستدلال به.
ومن المعلوم أن الدليل إذا دخله الاحتمال سقط به الاستدلال ومن هنا تتلخص مناقشة أدلتهم في الآتي:
١ - أن الاستدلال بحديث "الدعاء هو العبادة" لا يتم لاحتماله للأوجه الأخرى المذكورة ففي بعض الأوجه أن الدعاء والعبادة سيان في المفهوم فلا يتم الاستدلال به.
٢ - ثم هو معارض بالأحاديث المصرحة بفضل الأذكار على غيره
_________________
(١) أعلام الموقعين: ٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
[ ١ / ١٤٠ ]
نحو أفضل الكلام بعد القرآن أربع: سبحان الله والحمد لله .. ونحو قوله ﷺ عندما سئل أي الكلام أفضل قال: "ما اصطفى الله لملائكته"، مما اسْتَدَلَّ به مَنْ فَضَّلَ دعاء العبادة.
وأما ما ادعى من المزايا الأخرى من مزيد الحضور القلبي والتذلل والخضوع فنقول: إن المزايا والفضائل والخصائص لا تقتضي الأفضلية المطلقة كما قال العلماء (^١) وبيّنوا ذلك في الأحاديث التي تتعلق بمناقب الصحابة وفضائلهم في نحو قوله ﷺ: "أمين هذه الأمة أبو عبيدة" (^٢) فتخصيصه بالأمانة لا يقتضي أفضليته على الخلفاء الأربعة، فكذلك ما نحن فيه.
٣ - وأما ما ادّعى من عدم انعكاس إطلاق الدعاء على العبادة فغير مسلم لما علم من تلازمهما وأن كل عابد داع وقد تقدم ذلك مفصلًا.
٤ - وأما قوله ﷺ: "ليس شيء أكرم على الله"، فعلى فرض صحة الحديث فهو أيضًا من باب الخصائص والمزايا فكونه أكرم لا يدل على الأفضلية المطلقة.
وقد أجاب بعضهم (^٣) بأن المراد أكرم على ما سواه من العبادات القولية لأن سوق كل شيء يعتبر في بابه فلا يرد أن الصلاة أفضل من العبادات البدنية.
ويعترض عليه بأن الإشكال باق بنحو: "أفضل الأذكار قول لا إله إلا الله" وأحب الأذكار "سبحان الله".
_________________
(١) انظر منهاج السنة: ٤/ ٦٠٧، وقال الحافظ ابن حجر: "لا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق كحديث أقرؤكم أبي وأقرضكم زيد ونحو ذلك"، فتح الباري: ٧/ ١٠٨.
(٢) أخرجه البخاري: ٧/ ٩٢ - ٩٣ رقم ٣٧٤٤، ومسلم: ٤/ ١٨٨١ رقم ٢٤١٩.
(٣) انظر حاشية السندي على ابن ماجه: ٢/ ٤٢٩.
[ ١ / ١٤١ ]
وأجاب بعضهم بأن معنى أكرم أسرع قبولًا وأنفع تأثيرًا فيكون من باب الخصائص والمزايا وبأنه يمكن أن يكون معنى الدعاء هنا الدعوة إلى الله تعالى وهو معنى صحيح قد ورد للدعاء، كما تقدم في التعريف.
وبهذا نقول: إن الاستدلال بالحديث على الأفضلية لا يتم لهذه الاحتمالات المذكورة، وهذا وقد بقي الجواب عن الأحاديث الثلاثة الأخيرة فهي نص في محل النزاع، ويمكن أن يقال في الجواب عنها أن المراد بالدعاء فيها هو العبادة بالمعنى الشامل كما هو لفظ الحديث الثالث فليست نصًا في محل النزاع.
أو يقال: إن هذه الأفضلية المذكورة في هذه الأحاديث مقيدة ببعض الأحوال وليست أفضلية مطلقة في جميع الأحوال والأشخاص كما يتضح هذا مما سيأتي في القول الثالث والله أعلم.
القول الثالث:
وهو القول الراجح: إن الأفضل يتنوع باعتبارات ومع ذلك إذا نظر بدون اعتبار فدعاء العبادة أفضل، فجنس الدعاء الذي هو ثناء وعبادة أفضل من جنس الدعاء الذي هو سؤال وطلب وإن كان المفضول قد يفضل على الفاضل في موضعه الخاص بسبب وبأشياء أخرى، فالمفضول له أمكنة وأزمنة وأحوال يكون فيها أفضل من الفاضل (^١).
قال ابن القيم ﵀: جنس الذكر أفضل من جنس الدعاء من حيث النظر إلى كل منهما مجردًا، وقراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء، هذا من حيث النظر إلى الكل مجردًا، وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل بل يعينه فلا يجوز أن يعدل عنه إلى
_________________
(١) الفتاوى: ١٠، وجواب أهل العلم والإيمان: ١٣١.
[ ١ / ١٤٢ ]
الفاضل وهذا كالتسبيح في الركوع والسجود فإنه أفضل من قراءة القرآن فيهما بل القراءة فيهما منهي عنها نهي تحريم أو كراهة، وكذلك التسبيح والتحميد والتشهد والذكر عقيب السلام من الصلاة، أفضل من القراءة.
وهكذا الأذكار المقيدة بمحال مخصوصة أفضل من القراءة المطلقة، والقراءة المطلقة أفضل من الأذكار المطلقة، اللهم إلا أن يعرض للعبد ما يجعل الذكر أو الدعاء أنفع له من قراءة القرآن مثاله أن يتفكر في ذنوبه فيحدث ذلك له توبة واستغفارًا أو يعرض له ما يخاف أذاه من شياطين الإنس والجن فيعدل إلى الأذكار، والدعوات التي تحصنه وتحوطه.
وكذلك أيضًا قد يعرض للعبد حاجة ضرورية إذا اشتغل عن سؤالها بقراءة أو ذكر لم يحضر قلبه فيهما، وإذا أقبل على سؤالها والدعاء لها اجتمع قلبه كله على الله تعالى، وأحدث له تضرعًا وخشوعًا وابتهالًا، فهذا قد يكون اشتغاله بالدعاء -والحالة هذه- أنفع، وإن كان كل من القراءة والذكر أفضل وأعظم أجرًا (^١).
والحاصل أن "الأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه" (^٢).
وقد ذكر شيخ الإسلام ضابطًا لتفاضل العبادات وتنوع ذلك ثم ذكر الأفضل المطلق فقال ﵀: "إن الأفضل يتنوع:
١ - تارة بحسب أجناس العبادات كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس القراءة وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر، وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء.
_________________
(١) الوابل الصيب: ١٨٢ - ١٨٨، ومدارج السالكين ١/ ٨٨ - ٩٠، وزاد المعاد: ١/ ٢٠٦، وقريب من كلام ابن القيم كلام العز بن عبد السلام في قواعده: ٢/ ١٦٨ - ١٦٩ و١٩٠ - ١٩١، والزرقاني على الموطأ ٢/ ٣٢، والزركشي في الأزهية ص: ٥١.
(٢) مدارج السالكين: ١/ ٨٩.
[ ١ / ١٤٣ ]
٢ - وتارة يختلف باختلاف الأوقات كما أن القراءة والذكر والدعاء بعد الفجر والعصر هو المشروع دون الصلاة.
٣ - وتارة باختلاف عمل الإنسان الظاهر، كما أن الذكر والدعاء في الركوع والسجود هو المشروع دون القراءة، وكذلك الذكر والدعاء في الطواف مشروع، وأما القراءة في الطواف ففيها نزاع معروف.
٤ - وتارة باختلاف الأمكنة: كما أن المشروع بعرفة ومزدلفة وعند الجمار وعند الصفا والمروة هو الذكر والدعاء دون الصلاة ونحوها، والطواف بالبيت للوارد أفضل من الصلاة، والصلاة للمقيمين بمكة أفضل.
٥ - وتارة باختلاف مرتبة جنس العبادة، فالجهاد للرجال أفضل من الحج وأما النساء فجهادهن الحج، والمرأة المتزوجة طاعتها لزوجها أفضل من طاعتها لأبويها، بخلاف الأيمة فإنها مأمورة بطاعة أبويها.
٦ - وتارة يختلف باختلاف حال قدرة العبد وعجزه، فما يقدر عليه من العبادات أفضل في حقه مما يعجز عنه، وإن كان جنس المعجوز عنه أفضل، وهذا باب واسع يغلو فيه كثير من الناس ويتبعون أهواءهم فإن من الناس من يرى أن العمل إذا كان أفضل في حقه لمناسبة له ولكونه أنفع لقلبه وأطوع لربه، يريد أن يجعله أفضل لجميع الناس ويأمرهم بمثل ذلك، والله بعث محمدًا بالكتاب والحكمة وجعله رحمة للعباد وهديًا لهم يأمر كل إنسان بما هو أصلح له فعلى المسلم أن يكون ناصحًا للمسلمين يقصد لكل إنسان ما هو أصلح له.
وبهذا تبين لك أن من الناس من يكون تطوعه بالعلم أفضل له ومنهم من يكون تطوعه بالجهاد أفضل، ومنهم من يكون تطوعه بالعبادات البدنية -كالصلاة والصيام- أفضل له.
والأفضل المطلق ما كان أشبه بحال النبي ﷺ باطنًا وظاهرًا فإن خير الكلام كلام، الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ (^١).
_________________
(١) الفتاوى: ١٠/ ٤٢٧ - ٤٢٩، و٢٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩، والرد على الإخنائي ص: ١١٥ وعنه في الصارم المنكي: ١٣٤، ونحوه في قاعدة التوسل: ٣٦.
[ ١ / ١٤٤ ]
والحاصل أن الأفضلية تتنوع وأن الشخص الواحد يكون هذا له تارة أفضل وتارة هذا أفضل، ومعرفة أن هذا أفضل له ومعرفة حال كل الأشخاص وبيان الأفضل لكل أحد لا يمكن استقصاؤه ولا ضبطه بل لا بد في ذلك من هداية يهدي الله بها عبده إلى ما هو أصلح له وما صدق الله عبده إلا صنع له (^١).
ثم إذا عرفنا هذا فلا بد من الإشارة إلى أن الأعمال المتحدة في
الجنس تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة والتعظيم والإجلال، وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه، وتتفاضل أيضًا بتجريد المتابعة فتتفاضل الأعمال بحسب تجريد الإخلاص والمتابعة تفاضلًا لا يحصيه إلا الله (^٢).
_________________
(١) الفتاوى: ٢٢/ ٣٠٩، وجواب أهل العلم والإيمان: ١٣٨.
(٢) المنار المنيف في الصحيح والضعيف ص: ٣٣، ونحوه في سير أعلام النبلاء: ١١/ ٤٢٠.
[ ١ / ١٤٥ ]