١ - قوله تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [الحج: ١٢].
_________________
(١) العبادة في الإسلام للقرضاوي ص: ٣١. ويؤخذ على كلام القرضاوي هذا أنه عطف الأديان على الإسلام بعد جمعه له وهذا لا يستقيم لأنه لا يوجد دين صحيح سوى الإسلام. قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.
[ ١ / ٦٦ ]
٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا …﴾ [الأنعام: ٧١].
٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦].
فهذه المجموعة من الآيات التي استعمل فيها متصرفات الدعاء مثل المجموعة التالية التي استعمل فيها متصرفات العبادة من حيث الموضوع ومضمون الكلام فكلا المجموعتين في بيان جهالة المشركين حيث صرفوا عبادتهم لما لا ينفعهم ولا يضرهم، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان: ٥٥]. وقال عز من قائل:
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦].
وقال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦].
ومن ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥].
وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤].
وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩].
فهذه المجموعة من الآيات التي استعمل فيها مادة الدعاء مثل المجموعة التالية التي استعمل فيها مادة العبادة فالمجموعتان فيهما الأمر بإخلاص العبادة لله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢].
[ ١ / ٦٧ ]
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤].
ومن أمثلة استعمالهما في موضوعات متشابهة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧].
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣].
فهذه المجموعة التي استعمل فيها مادة العبادة تتحدث عن أن المعبودين من دون الله لا يملكون الرزق لعابديهم فكذلك الآيات الآتية التي تتحدث عن أن المدعوين من دون الله لا يملكون شيئًا كما أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا غيرهم فموضوع المجموعتين متشابه وقريب جدًا.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣].
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧].
ومن أمثلة ورودهما في جملة واحدة وسياق واحد أو جملتين مقترنتين وذلك بجعل أحدهما مكان الآخر إذ لو رفع أحدهما ووضع الآخر موضعه لاستقام المعنى مما يدل على اتحاد معناهما.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٦].
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾ [غافر: ٦٦].
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩].
[ ١ / ٦٨ ]
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، ففي هذه الآية "وضع عبادتي موضع دعائي" (^١)، فإنه لو قيل: إن الذين يستكبرون عن دعائي لاستقام المعنى.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦].
فهذه الاستعمالات بهذه الأساليب المتنوعة، والمتكررة في عدة آيات، تدل على أن معناهما واحد في هذه التراكيب، وأن مفهومهما متحد، أو أنهما متقاربان ومشتركان في المعنى. وليس معنى هذا أن كلمة الدعاء قد انمحت دلالتها على السؤال والطلب ولا تدل إلا على معنى العبادة كما يظنه بعض الذين يجيزون سؤال غير الله تعالى بل هي تدل على معنى السؤال والطلب إما تضمنًا أو استلزامًا ولا ينفك أحدهما عن الآخر بل هما متلازمان كما سيأتي (^٢).
فتحصل مما تقدم أن النسبة بين العبادة والدعاء الترادف والتوافق، هذا إذا افترقا، وأما إذا اجتمعا فقد يفرق بين معنييهما، وذلك بأن يراد من الدعاء دعاء المسألة، ويراد بالعبادة امتثال الأوامر واجتناب المناهي، وإلى هذا المعنى أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: "فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، ولكن إذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل، الذي يطلب جلب المنفعة، ودفع المضرة، بصيغ السؤال والطلب، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن في ذلك صيغ سؤال" (^٣). فاتضح بهذا أنهما ليسا في كل الأساليب متحدين في المفهوم
_________________
(١) فتح الباري: ١١/ ٩٥.
(٢) يأتي ص: ١١٥.
(٣) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٠.
[ ١ / ٦٩ ]
بل لكل واحد منهما مفهومه الخاص وذلك عند الاجتماع، وأما عند الافتراق والتجرد فيتناول مفهوم أحدهما الآخر.
ومثل الدعاء غيره من أنواع العبادات الكثيرة، مثل التوكل والتقوى والطاعة فإن هذه الألفاظ إذا اقترنت كان لها معنى خاص وإذا انفردت عمت، قال شيخ الإسلام: "ومن هذا الباب لفظ العبادة، فإذا أمر بعبادة الله مطلقًا دخل في عبادته كل ما أمر الله به، فالتوكل عليه مما أمر الله به والاستعانة به مما أمر الله به، فيدخل ذلك في مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وفي قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، ثم قد يقرن بها اسم آخر كما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقول نوح: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ (^١) [نوح: ٣]، وذكر شيخ الإسلام أيضًا أن: "العبادة إذا أفردت دخل فيها التوكل ونحوه وإذا قرنت بالتوكل صار التوكل قسيمًا لها" (^٢) ولا يخفى أن الدعاء مثل التوكل تمامًا.
ثم إن هذا المذكور من تنوع معنى العبادة بحسب الاجتماع والتفرق ليس خاصًا بها، فهذا الأسلوب كثيرًا ما يجيء في القرآن، تتنوع دلالة اللفظ في عمومه، وخصوصه بحسب الإفراد والاقتران كلفظ المعروف والمنكر ولفظ الفقراء والمساكين ولفظ البر والتقوى، ولفظ الإيمان والإسلام، ولفظ الكفر والفسوق والمعصية، ولفظ الصالح والصديق، وهذا باب واسع كثر وروده في القرآن الكريم (^٣).
_________________
(١) الإيمان: ١٤٣، ط. دار الكتب العلمية، وضمن الفتاوى: ٧/ ١٦٣.
(٢) الفتاوى: ١٠/ ٢٧٤.
(٣) يرجع في هذا إلى كتاب الإيمان لابن تيمية ففيه بحث ممتع في هذا من ص ١٤ - ٧٩، والعبودية: ٧٦ - ٨٠، والفتاوى: ١٠/ ٢٧٤.
[ ١ / ٧٠ ]