إن للدعاء درجة سامية، ومنزلة رفيعة وأهمية كبرى، إذ الدعاء هو العبادة فقد صح الخبر عن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه بأن الدعاء هو العبادة بصيغة الحصر ولا يخفى مكانة العبادة فقد خلقنا الله تعالى من العدم لعبادته، وقد افتتح الله القرآن بالدعاء واختتمه به، فسورة الفاتحة مشتملة على دعاء الثناء كما مشتملة على دعاء المسألة إذ فيها الدعاء بأجل المطالب وأفضل الرغائب، وهو طلب الإعانة على مرضاة الله تعالى وسؤال الهداية، وقد فرض الله علينا أن نناجيه وندعوه بذلك في كل صلاة، وسورة الإخلاص في دعاء الثناء والمعوذتان في طلب العياذة الذي هو أحد أنواع دعاء المسألة.
[ ١ / ٦ ]
وقد سمى الله الدعاء دينًا في غير ما آية، والدين هو الإسلام كله، كما سماه عبادة في غير ما آية، والعبادة هي العلة الغائية للوجود.
وقد أمرنا الله بالدعاء ووعدنا بالإجابة تفضلًا وتكرمًا وإحسانًا، وتوعد من استكبر عن دعائه فقال عز من قائل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. فالدعاء سمة العبودية وعنوان التذلل والخضوع والاستكانة، وتلبية للاحتياج والافتقار الذاتي، ودليل الصدق في اللجأ والرجاء والرغبة والطمع والخوف والرهبة. فهو لب العبادة ومخها وروحها، فصرفُه لله تعالى عبادة وتوحيد، وصرفه لغيره تعالى شرك وتنديد.
فالشرك في نوعي الدعاء أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ المشركين وهو أغلب شركهم، وهو أصل شرك العالم، ولهذا لم يرد في القرآن - التحذير من سائر أنواع الشرك - مثل ما ورد في التحذير من الشرك في الدعاء.
فقد كرر الله تعالى وأعاد التحذير من ذلك في آيات كثيرة جدًا، كما بيّن لنا كيف ندعوه ونناجيه وذكر لنا أدعية الأنبياء والصالحين وابتهالاتهم ومناجاتهم. وقد بيّن لنا الرسول ﷺ كيفية عبادة الله ومناجاته وآداب خطاب الله تعالى وسؤاله.
فوجب علينا أن نتقيد بما بيّن لنا وأن ندعو كما شرع لنا وأن لا ندعو بالبدع والمحدثات فضلًا أن ندعو بالشركيات والكفريات لأن ذلك من تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ.
فمن دعا غير الله تعالى واستغاث به لم يحقق شهادته واعترافه بتفرد الله تعالى بالألوهية والعبادة، كما أن من دعا بأدعية مشتملة على البدع لم يحقق شهادته بتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ، وما ذلك إلَّا لأن الدعاء عبادة، والعبادة مبناها على التوقيف، فالدعاء من أهم العبادات وأجلها التي يجب إخلاصها لله تعالى، وتجريد المتابعة فيها لرسول الله ﷺ.
[ ١ / ٧ ]
ومع وضوح هذا الأمر سوّل الشيطان للبعض أن يصرف هذه العبادة العظيمة لغير الله تعالى وسماها لهم بأسماء غير حقيقية: سماها لهم باسم التوسل تارة وباسم الشفاعة تارة وباسم محبة الصالحين تارة أخرى وباسم التبرك تارة أخرى.
فانتشر الشرك في الدعاء بهذه الأسماء الموهمة حتى صار معروفًا شب عليه الصغير وشاب عليه الكبير، وصار من ينكره يتهم بالخروج عن إجماع المسلمين تارة، وبكراهية وبغض الأولياء وتنقصهم تارة أخرى، وبتفريق وحدة المسلمين تارة أخرى، وبالتطرف والتشدد وضيق الأفق والجمود الفكري وتتبع الشواذ وإثارة الخلاف في المسائل الفرعية تارة أخرى.
وبنصب هذه التهم وقف بعض الناس في وجه الدعاة إلى الإخلاص وتجريد الدعاء لله وحده، كما وقفوا في وجههم بتلفيق الشبهات، وإيراد الحكايات والمنامات محاولين بذلك تسويغ الدعاء غير المشروع بل استحبابه فسوّغوا الاستغاثة والاستمداد من غير الله تعالى وزعموا للمدعوين من دون الله التصرف في الكون وسماعهم لنداء المستغيثين وصراخ المكروبين وعلمهم بحوائج الداعين ونياتهم وأنواع طلباتهم ففتحوا بذلك بابًا عظيمًا من الشرك لا يزال يقتحم فيه كثير من المسلمين إلى اليوم، فوجب على من يعرف ذلك منهم نصحهم وبيان الحق في ذلك كل حسب استطاعته وقدرته، فمن هنا رأيت أن يكون موضوع رسالتي في مرحلة الماجستير بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في هذا الموضوع مع قلة بضاعتي وكساد معلوماتي لعلّي أستفيد وينفع الله بهذا العمل من يشاء من عباده، وهو المسؤول وحده أن يجعله خالصًا لوجهه نافعًا مفيدًا وهو ولي التوفيق وهو المستعان وعليه التكلان.
[ ١ / ٨ ]