قد حث رسول الله ﷺ ورغب في ذلك، قالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك" (^٤).
والسبب في ذلك ما ذكره الخطابي من أن الدعاء مناجاة العبد لسيد السادات الذي ليس له مثل ولا نظير ولو تقدم بعض خدم ملوك أهل الدنيا إلى صاحبه ورئيسه في حاجة يرفعها إليه لتخير له محاسن الكلام ولتخلص إليه بأجود ما يقدر عليه من البيان ولئن لم يستعمل هذا المذهب في مخاطبته ولم يسلك هذه الطريقة، أوشك أن ينبو سمعه عن كلامه وألا يحظى بطائل من حاجته من عنده هذا ولله المثل الأعلى، فما ظنك برب
_________________
(١) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٧ رقم ١٤٩٥، والنسائي: ٣/ ٤٤ رقم الباب ٥٨، والترمذي: ٥/ ٥٥٠ رقم ٣٥٤٤، وأحمد: ١٢٠٣، وابن ماجه: ٢/ ١٢٦٨ رقم ٣٨٥٨، وابن حبان: [موارد]: ٥٩٢ رقم ٢٣٨٢، والحاكم: ١/ ٥٠٣ - ٥٠٤ وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) تقدم تخريجه ص: ٧٤.
(٣) ذكر هذا الخطابي في شأن الدعاء ص: ١٤، والحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٢.
(٤) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٢ رقم ١٤٨٢، وابن أبي شيبة: ١٠/ ١٩٩ رقم ٩٢١٤، والحاكم: ١/ ٥٣٩، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٧ رقم ٥٠، وأحمد: ٦/ ١٨٩، وابن حبان موارد: رقم ٢٤١٢ ص ٥٩٨، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني كما في صحيح الجامع: ٤/ ٢٦٤ رقم ٤٨٢٥.
[ ١ / ٢٠٥ ]
العزة سبحانه وبمقام عبده الذليل بين يديه ومن عسى أن يبلغ بجهد بيانه كنه الثناء عليه، وهذا رسوله وصفيه ﷺ قد أظهر العجز والانقطاع دونه فقال في مناجاته: "وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (^١).
ويدخل في هذا مراعاة الإعراب في الأدعية لأنَّه بالإعراب يستقيم المعنى وبعدمه يختل ويفسد وربما انقلب المعنى باللحن حتى يصير كالكفر إن اعتقد صاحبه، وقد أخرج الخطابي بإسناده عن الأصمعي أنه مر برجل يقول في دعائه يا ذو الجلال والإكرام فقال: ما اسمك؟ قال ليث، فأنشأ يقول:
ينادي ربه باللحن ليث … لذاك إذا دعاه لا يجيب (^٢)
والحاصل أنه ينبغي التحفظ من الخطأ في في الدعاء لأن تعظيم الله تعالى واجب على العبد بكل حال وهو في حال مسألته والرغبة أوجب وألزم (^٣).
ولكن هذا في القادر الذي يستطيع الإعراب والإفصاح وأما العاجز فلا بأس بأن يدعو بما يستطيع. قال ابن الصلاح ﵀: "ثم إن الدعاء الملحون ممن لا يستطيع غير الملحون لا يقدح في الدعاء ويعذر فيه" (^٤).