وذلك أن الأدب في خطاب العظماء أنه يقدم ثناؤهم وذكر جودهم وفضلهم على خطابهم بالحاجة وقد قال الشاعر:
_________________
(١) أخرجه البخاري: ٨/ ٤١ رقم ٤٢٢٣.
(٢) أخرجه مسلم: ١/ ٢٨٢ رقم ٣٧٣.
(٣) ذكره الخطابي في شأن الدعاء ص: ١٣، والحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٣، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٥، وعنه النووي في الأذكار ص: ٣٥٤، وابن القيم في الوابل: ١٨٢، والجواب: ١٠، وابن عبد السلام في قواعده: ٢/ ١٦٨، والزركشي في الأزهية: ٨٠ - ٨٣، وابن الجزري في العدة: ٤٣.
[ ١ / ٢٠٨ ]
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … ثناؤك إن شيمتك الوفاء
ولله المثل الأعلى فالذي يريد دعاءه عليه أن يقدم بين يدي حاجته الثناء وهذا من التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.
وإذا تأملنا الأدعية الواردة في القرآن والسنة نجد كثيرًا منها تبتدئ بالثناء على الله تعالى بجميل أوصافه، فمن ذلك الدعاء الذي حكاه الله عن عباده أولي الألباب في آخر سورة آل عمران فقد بدئ بالثناء على الله بالتنزيه وعدم العبث: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ …﴾ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٤]، ومن ذلك دعاء الفاتحة الذي هو أفضل دعاء فقد بدئ بالثناء على الله، ومن ذلك دعاء يوسف الذي حكاه الله في آخر سورة يوسف آية ١٠١: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ …﴾ ودعاء الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا …﴾ [غافر: ٧].
ومن ذلك الدعاء الذي كان النبي ﷺ يقوله في قيام الليل: "اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض" … إلى أن قال بعد ثناء طويل: "فاغفر لي ما قدمت … " (^١).
قال الحافظ في شرحه لهذا الحديث: وفيه استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب اقتداء بالنبي ﷺ (^٢).
وأما الصلاة على النبي ﷺ فهي نوع من أنواع الدعاء إذ الدعاء نوعان:
أحدهما: سؤال العبد حوائجه ومهماته، وهذا إيثار لمحبوب العبد ومطلوبه.
والثاني: سؤال العبد ربه أن يصلي على خليله وحبيبه ولا ريب أن الله تعالى يحب ذلك ورسوله يحب ذلك، فالمصلي عليه قد صرف
_________________
(١) البخاري مع الفتح: ٣/ ٣ رقم ١١٢٠.
(٢) الفتح: ٣/ ٥.
[ ١ / ٢٠٩ ]
سؤاله ورغبته إلى محاب الله ورسوله وآثر ما يحبه الله ورسوله على محاب نفسه. فهذا جزاؤه من جنس عمله.
ومثال هذا ما يوجد عند الناس بما يفعلونه عند ملوكهم إذا أرادوا التقرب إليهم أثنوا على من يحبونه وسألوا منه أن ينعموا عليه وبذلك يتوسلون إلى القرب عندهم والحظو لديهم (^١).
ثم إن الصلاة على النبي ﷺ هي دعاء له فكلما صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه عشرًا: "وهو لو دعا لآحاد المؤمنين لقالت الملائكة: آمين ولك بمثله فدعاؤه للنبي ﷺ أولى بذلك" (^٢).
فتبيّن بهذا أن الصلاة على النبي ﷺ فيها معنى الدعاء فكيف إذا تقدمت أمام الدعاء فصارت له كالمفتاح كما أن مفتاح الصلاة الطهور؟ (^٣).
وقد اتفق العلماء على استحبابها في الدعاء حتى حكى الزمخشري أن بعض العلماء أوجبها في كل دعاء (^٤).
وقد ورد الحث على تقديم الثناء والصلاة والسلام على النبي ﷺ في أحاديث متعددة، منها: حديث فضالة بن عبيد ﵁ قال: "سمع النبي ﷺ رجلًا يدعو في صلاته فلم يصل على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: "عجل هذا"، ثم دعاه فقال له ولغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بعد بما شاء" (^٥).
_________________
(١) جلاء الأفهام: ٢٧٠، وبدائع الفوائد: ٢/ ١٩٠.
(٢) قاعدة جليلة في التوسل ص: ٧١ رقم ٢١٤.
(٣) قاعدة جليلة في التوسل ص: ٢٢٧.
(٤) الفتح: ١١/ ١٥٣.
(٥) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٢ رقم ١٤٨١، والنسائي: ٣/ ٣٨ باب ٤٨، والترمذي: ٢/ ٤٨٨ رقم ٥٩٣ و٥/ ٥١٦ رقم ٣٤٧٧ وابن خزيمة: ١/ ٣٥١ رقم ٧٠٩، وابن حبان [موارد] رقم ٥١٠، والحاكم: ١/ ٢٦٨، وصححه ووافقه الذهبي وقد صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان كما في الفتح ١١/ ١٦٥، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ١/ ٢٣٧ رقم ٦٦١.
[ ١ / ٢١٠ ]
وروي عنه ﷺ أنه قال: "كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي ﷺ " (^١).