وهذا هو روح الدعاء ولبه ومقصوده (^٢) فالله ﷾ يحب عبده الذي إذا ابتلاه تضرع إليه وتملق له وتذلل وقرع بابه وأدام ذلك ولا يحب من لا يتضرع ولا يتذلل ويعتدي في الدعاء بعدم التضرع أو رفع الصوت أو غير ذلك.
قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
_________________
(١) وقد ذكره غير واحد في آداب الدعاء كالخطابي في شأن الدعاء ص: ١٣، وابن القيم في الجواب ص: ١٠، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٤، وعنه النووي في الأذكار ص ٣٦٤، وابن الجزري في عدة الحصن ص: ٤٤، وابن الجوزي كما في غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٦.
(٢) الفتاوى: ١٥/ ١٦.
[ ١ / ١٩٣ ]
فأمر الله تعالى بدعائه بتضرع وخفية وحذر من الاعتداء، قال شيخ الإسلام ﵀: "ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع، بل دعاء هذا كالمستغني المدل على ربه، وهذا من أعظم الاعتداء لمنافاته لدعاء الذليل، فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد" (^١).
وقد وصف الله زكريا ﵇ وأهله بأنهم يدعون الله تعالى رغبة ورهبة فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]، هذا والتضرع هو حقيقة الدعاء ولا يخفى على العاقل ما فيه من أثر واضح في إجابة الدعاء ولهذا كان كل من يصدق في رغبته في الدعاء لا بد أن يتضرع حتى ولو كان مشركًا في غير وقت الرغبة الصادقة الملحة، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأنعام: ٦٣].