ويشتمل على تنبيهين:
١ - التنبيه الأول: في السبب المانع من التوسع في هذا الفصل:
إن آداب الدعاء وما ينبغي أن يتصف به الداعي من الصفات والأحوال كثيرة جدًا وقد توسع العلماء في ذكر ذلك حيث ذكروا الآداب التي ينبغي للداعي أن يلتزم بها وبينوا ما في ذلك من الأسرار والحكم كما بيّنوا كل خصلة من خصال تلك الآداب، بيّنوا دليلها من الكتاب والسنة وآثار السلف، كما بيّنوا أوقات الدعاء التي ترجى فيها الإجابة والأماكن الفاضلة التي هي أرجى من غيرها، وبيّنوا الأحوال والأوصاف التي هي أرجى من غيرها، كما بيّنوا ألفاظ الأدعية الواردة المطلقة منها والمقيدة بزمان أو مكان أو حال وشرحوا معانيها وما تحمل من أسرار وحكم وابتهالات وعبر ودروس وتنزيه وتقديس الله تعالى، وكذلك بيّنوا ما يتعلق بالإجابة وما يلزم لها وموانعها.
كل ذلك بأدلة ثابتة من الكتاب والسنّة وآثار السلف وأقوال العلماء.
فمن العلماء من أفرد هذه الأمور بمؤلف مستقل، وهم كثيرون جدًا (^١).
ومنهم من ذكر هذه الأمور في ضمن كتابه المشتمل على موضوعات
_________________
(١) قد تتبعت المؤلفات في الأدعية إلى القرن السادس فبلغت نحو ٦٠ مؤلفًا مستقلًا، وأما بعد القرن السادس فهي كثيرة جدًا، يصعب استقصاؤها.
[ ١ / ١٦٣ ]
شتى كأصحاب الكتب الستة وغيرها من السنن والمعاجم والمسانيد.
فهذا هو أحد الأسباب التي منعتني من استقصاء ما في هذا الفصل من الكلام والسبب الثاني: أن المسائل المتعلقة بهذا الفصل هي من المسائل التي يتفق عليها كثير من علماء المسلمين، والاختلاف والمناقشة فيها قليلة إذا قارنا بما يأتي إن شاء الله تعالى في الباب الثاني والثالث والرابع.
ومن هنا لم أتوسع في هذا الفصل ولكن مع هذا العذر فإني أرى لزامًا عليّ أن أبيّن بعض آداب الدعاء بالإيجاز والاختصار بدون استقصاء والله المستعان وعليه التكلان.
التنبيه الثاني: في عبارات المؤلفين وتسمياتهم لهذه الآداب:
إن العلماء الذين تكلموا عن هذه الآداب قد اختلفت عباراتهم وإطلاقاتهم، فمنهم من سمى هذه الآداب شروطًا (^١)، ومنهم من سماها آدابًا (^٢)، ومنهم من سمى بعضها أركانًا (^٣)، ومنهم من سمى بعضها شروطًا
_________________
(١) فممن سماها شروطًا: ابن جماعة محمد بن إبراهيم الكناني المتوفى سنة ٧٣٣ هـ، فقد قال في ذلك شعرًا: قالوا شروط الدعاء المستجاب لنا … عشر بها بشر الداعي بإفلاح طهارة وصلاة معها ندم … وقت، خشوع، وحسن الظن يا صاح وحل قوت ولا يدعى بمعصية … اسم يناسب مقرون بإلحاح ذكره عنه السبكي في طبقات الشافعية: ٩/ ١٤٢، وسمى الحافظ ابن حجر: طيب المطعم وعدم الاستعجال وعدم الإثم والقطيعة شرطًا كما في الفتح: ١١/ ٩٦، ومنهم أيضًا القرطبي في جامع الأحكام: ٢/ ٣١١، ومنهم سهل بن عبد الله التستري فإنه قال شروط الدعاء سبعة كما في الجامع للقرطبي: ٢/ ٣١١، ومنهم الرازي في التفسير: ١٤/ ١٤١.
(٢) وممن سماها آدابًا: الغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦١ - ٣٦٥، وابن الجزري في عدة الحصن مع التحفة ص: ٤٣.
(٣) منهم ابن عطاء الله الإسكندراني فإنه قال: "للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات … فأركانه حضور القلب والرقة والاستكانة والخشوع وتعلق القلب بالله … كما في نبذة في الدعاء لليافعي ص: ٢١، وجامع الأحكام للقرطبي: ٢/ ٣١١، ومنهم الحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٢ على ما في النسخة المطبوعة.
[ ١ / ١٦٤ ]
وبعضها سننًا (^١)، ومنهم من سمى بعضها شروطًا وبعضها آدابًا (^٢).
هذا ومما ينبغي التفطن له أن هذه الآداب ليست على مرتبة واحدة بالنسبة لأهميتها للدعاء فبعضها أهم من بعض فهذا هو السبب لاختلاف عبارات المؤلفين فيها، ومما يدل على تفاوت مراتب تلك الآداب أن بعض ما ورد من الأحاديث ربما يدل بظاهره على أن بعض تلك الآداب شرط حقيقي مثل ما يأتي في التلبس بالحرام.
وقد ذكر الزبيدي هذه المسألة عندما عنون الغزالي: "آداب الدعاء" قال الزبيدي: وقد ذكر فيها ما يصلح أن يكون شرطًا له، ولم يميز المصنف بين الأدب والشرط هنا كما فعل الحليمي في المنهاج وغيره ونحن نشير إلى ذلك (^٣) ونقل عن ابن الجزري بعض الآداب ثم قال: "وبعض ذلك يعد شرطًا" (^٤)، ثم عندما ذكر المصنف التوبة ذكر حديث الرجل يطيل السفر … فأنّى يستجاب له، قال: "ويؤخذ من هذا الحديث أن هذا شرط لا أدب. قال الطرطوشي: من آدابه أكل الحلال ولعله من شروطه" (^٥).
_________________
(١) منهم الخطابي في كتابه شأن الدعاء ص: ١٣ فإنه قال فإن من شرائط صحته أن يكون ذلك من العبد بإخلاص نيته وإظهار فقر ومسكنة، فذكر أمورًا ثم قال: "ومن سنته أن يرفع إلى الله ﷿ يديه باسطًا كفيه. . .".
(٢) منهم الحليمي في كتابه المنهاج في شعب الإيمان حيث ذكر ١١ شرطًا في: ١/ ٥٢٢، ٥٢٤ - ٥٣٠، ثم عد خصالًا أخرى تبلغ ١٥ خصلة فسماها آدابًا: ١/ ٥٢٣ - ٥٢٤ و٥٣٠ - ٥٣٩. ومما ينبغي التنبيه عليه أن الذي في النسخة المطبوعة وهي سقيمة جدًا وفيها تحريف وتصحيف أن الحليمي سماها أركانًا بدل الشروط لكن الزركشي والزبيدي نقلا عن الحليمي هذه الشروط وذكرا أنه سماها شروطًا وهذا يؤيد احتمال التحريف، انظر الأزهية ٥٧، وإتحاف السادة: ٥/ ٣٤، ٤٤، وممن سلك هذا المسلك الطرطوشي في كتابه الدعاء ص ٤٤، ٥٧.
(٣) إتحاف السادة: ٥/ ٣١.
(٤) المرجع نفسه: ٥/ ٤٤.
(٥) المرجع نفسه: ٥/ ٤١، وانظر كلام الطرطوشي في كتابه الدعاء المأثور وآدابه ص: ٥٧.
[ ١ / ١٦٥ ]
وأما الحليمي فقد ذكر بعض هذه الآداب وسماها أركانًا، والركن ما لا يتم الشيء إلا به وهو أهم من الشرط لأن الشرط خارج الماهية، وأما الركن فداخل في الماهية لكن الذي في شرح الإحياء للزبيدي وفي الأزهية للزركشي (^١) يفيد أن الحليمي عبر بالشروط لا بالأركان وهو الأقرب.
وقد عد الحليمي أحد عشر شرطًا (^٢) فالبعض من هذه الشروط التي ذكرها يمكن أن يعد من قبيل الشرط الحقيقي والبعض الآخر من قبيل الآداب، فالذي يعد من الشروط هو ألا يكون المسؤول بالدعاء ممتنعًا عقلًا ولا عادة كإحياء الموتى ورؤية الله في الدنيا وهذا يمكن عده شرطًا كما سيأتي في مبحث الاعتداء وأما غير ذلك مما سماه شرطًا أو ركنًا فكله من الآداب.
والذي يظهر بعد تأمل ما ذكروه من الشروط أو الآداب أن الأولى تسميتها آدابًا، وأما تسميتها شروطًا فمن باب المسامحة في التعبير أو من باب التغليب لأن بعضها يمكن أن يعد شرطًا بالمعنى الاصطلاحي كبعض الأمثلة التي تذكر في الاعتداء، والذي يرجح تسميتها آدابًا عدة أمور:
الأول: إن حد الشرط المصطلح عليه لا ينطبق عليها إذ معنى الشرط هو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود (^٣) كالوضوء للصلاة.
ومن المعروف أن هذه الآداب لا يلزم من عدم بعضها عدم إجابة الدعاء ويوضح هذا الأمرُ التالي:
_________________
(١) الأزهية ص: ٥٧، وإتحاف السادة: ٥/ ٤٤.
(٢) المنهاج في شعب الإيمان: ١/ ٥٢٢ - ٥٢٣، وعنه في إتحاف السادة: ٥/ ٤٤.
(٣) انظر عن هذا في كتب الأصول: روضة الناظر: ١/ ١٦٢، والأحكام للآمدي: ١/ ١٢١، والأحكام لابن حزم: ١/ ٤٤.
[ ١ / ١٦٦ ]
الثاني: إن إجابة الدعاء من مقتضى ربوبية الله تعالى لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم فهو يربيهم بالنعم، ومنها إجابة دعائهم وقضاء حوائجهم.
وهذا يقتضي أن الله ﷾ يجيب دعاء الفاسق والعاصي والكافر فليس شرطًا أن يكون الداعي من المخلصين.
فمن هنا نقول: إن الإخلاص لله تعالى في الدعاء من الآداب المهمة لرجاء قبول الدعاء ومع هذا فقد يجيب الله تعالى في النادر لمن دعا غيره أو دعا دعاء بدعيًا كمن يدعو عند الأضرحة بخشوع واضطرار، وذلك إما استدراجًا وابتلاء وإما لاضطراره أو خشوعه وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالي (^١).
ومن ذلك التوبة فهي من أهم الآداب التي تطلب للداعي ومع ذلك فقد يقبل الله دعاء العاصي والفاسق والكافر بل إبليس لما دعا الله تعالى أجابه الله، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨].
ومن آكد الآداب عدم التلبس بالحرام، لأن التلبس بالحرام من موانع الإجابة ولكن قد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه كما قاله ابن رجب ﵀ (^٢)، ونحوه قول الشوكاني: "إن ملابسة المعصية مقتضية لعدم الإجابة إلا إذا تفضل الله على عبده، وهو ذو الفضل العظيم" (^٣).
الثالث: إن بعض العلماء أشاروا إلى عدم لزوم بعضها لإجابة الدعاء، وأن الدعاء جائز بدونها، وأنها آداب مكملة، وأنها أرجى للإجابة وهؤلاء إنما ذكروا ذلك في بعضها، وما لم يذكروا فيه فهو مثل الذي ذكروا، لأنها من باب واحد إلّا أن بعض ما ذكر فيما يتعلق بالشرط الذي
_________________
(١) سيأتي ص ٨١٤.
(٢) جامع العلوم والحكم ص: ١٠٠.
(٣) تحفة الذاكرين ص: ٤٤.
[ ١ / ١٦٧ ]
هو عدم الاعتداء قد يعد من الشرط الحقيقي وسيأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى.
ومن هؤلاء العلماء البخاري فيما يتعلق باستقبال القبلة، فإنه عقد أولًا باب الدعاء غير مستقبل القبلة فأورد ما يدل على ذلك وهو حديث أنس بن مالك في استسقاء النبي ﷺ في خطبة الجمعة، ثم عقد ثانيًا باب الدعاء مستقبل القبلة فذكر حديثًا يدل على ذلك (^١).
ومنهم أبو عبد الله الحليمي فإنه ذكر الآداب التي للدعاء والأحوال والمواطن ثم قال: "إنها أسباب تقوي الرجاء بالله جل ثناؤه وفي إجابة الدعاء، لا أن الدعاء لا يقبل إلَّا عندها فمن عرضت له حاجة في غيرها فلا ينبغي له أن يمتنع من الدعاء خيفة الرد، بل يدعو قوى الرجاء، حسن الظن بالله تعالى فإنه يستجيب دعاءه بجوده وكرمه" (^٢).
ومنهم القرطبي فإنه ذكر الاختلاف في رفع اليدين في الدعاء ثم قال: "قلت: والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى الله ﷿، والتذلل له والخضوع، فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا، فقد فعل ذلك النبي ﷺ حسبما ورد في الأحاديث، وقد قال تعالى: ا ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، ولم يزد صفة من رفع يدين وغيرها وقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، فمدحهم ولم يشترط حالة غير ما ذكر، وقد دعا النبي ﷺ في خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل القبلة" (^٣).
ونحو كلام القرطبي هذا ما ذكره المناوي من أن عدم رد الله تعالى
_________________
(١) انظر البخاري مع الفتح: ١١/ ١٤٣ - ١٤٤ باب رقم ٢٤ ورقم ٢٥.
(٢) المنهاج في شعب الإيمان: ١/ ٥٤٠.
(٣) الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٢٢٥.
[ ١ / ١٦٨ ]
للدعاء لا يتوقف على الرفع إذا توافرت الشروط (^١) ويريد بهذا أن الرجل لو لم يرفع يديه ولكنه خشع وأخلص .. إلخ، قد تجاب دعوته وأن الإجابة ليست متوقفة على الرفع وكأن المناوي يرى أن بعضها شرط حقيقي والله أعلم.
_________________
(١) فيض القدير: ٢/ ٢٢٩.
[ ١ / ١٦٩ ]