كما يقع كثيرًا في الأدعية المأثورة فإنها إما تبتدئ بالتوسل باسم مناسب من أسماء الله الحسنى أو تختم به نحو ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. ونحو: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾ [آل عمران: ٣٨]. ونحو: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾ [الأعراف: ١٥١]. ونحو: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ونحو: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨].
وقد أمرنا الله تعالى بالتوسل إليه في الدعاء بأسمائه الحسنى فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
والدعاء بالأسماء الحسنى له مرتبتان:
"إحداهما دعاء ثناء وعبادة، والثاني دعاء طلب ومسألة فلا يثني عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يسأل إلا بها، فلا يقال: يا
_________________
(١) الفتاوى البزازية: ٤/ ٤٢، والفتاوى الهندية: ٥/ ٣١٨.
(٢) ذكره في المنهاج من الشروط: ١/ ٥٢٢، ٥٣٠، وابن القيم في الجواب ص: ١٠ والزركشي في الأزهية: ٦٩، ٩٣، والزبيدي في إتحاف السادة: ٥/ ٤٢.
[ ١ / ٢٠٢ ]
موجود أو يا شيء أو يا ذات اغفر لي وارحمني، بل يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيًا لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلًا إليه بذلك الاسم، ومن تأمل أدعية الرسل ولا سيما خاتمهم وإمامهم وجدها مطابقة لهذا" (^١).
وقد فسر قوله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة" (^٢) فسر بالدعاء بها، وهو واحد من مراتب الإحصاء الثلاثة وهي:
الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها، والثانية: فهم معانيها ومدلولها، والثالثة: الدعاء بها. وقد رجح الخطابي هذا المعنى الأخير الذي هو عدُّها للدعاء بها (^٣).
وأما التوسل بدعاء الغير فليس من آداب الدعاء وذلك أن السؤال من الغير فيه نوع افتقار إلى غير الله تعالى ولهذا لم ينقل عن كبار الصحابة أنهم سألوا النبي ﷺ الدعاء لأنفسهم وإنما سأله عمر الدعاء للمسلمين عندما أراد النبي ﷺ ذبح رواحل المسلمين عندما نفدت أزوادهم في غزوة تبوك (^٤).
وأما التوسل بالغائب أو الميت فجدير بالمنع وأحرى. ومن هنا نعرف خطأ من عده من آداب الدعاء كابن الجزري في الحصن (^٥) وسيأتي بيان ما في ذلك بتوسع بحول الله وقوته.
_________________
(١) بدائع الفوائد: ١/ ١٦٤، ٢/ ١٤٣، ومدارج السالكين: ١/ ٤٤٨.
(٢) أخرجه البخاري: ٥/ ٣٥٤ رقم ٢٧٣٦، ومسلم: ٤/ ٢٠٦٢ رقم ٢٦٧٧.
(٣) بدائع الفوائد: ٢/ ١٤٣ وانظر شأن الدعاء للخطابي: ٢٦ وقد ذكر معنيين آخرين، والفتح: ١٣/ ٣٧٨.
(٤) أخرجه مسلم: ١/ ٥٥ رقم ٢٧.
(٥) عدة الحصن مع التحفة ص: ٤٤، وقد تبعه الشوكاني كما في التحفة ص: ٤٧، وقبله الزبيدي في الإتحاف: ٥/ ٤٤، وبعده صديق حسن خان في نزل الأبرار ص: ٣٧.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وأما التوسل بالأعمال الصالحة، فقد ورد بكثرة في القرآن الكريم التوسل بالإيمان والأعمال الصالحة، وهذا يدل على استحبابه وذلك نحو: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣].
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٦].
ومن هذا الباب الحرص على الأدعية التي أخبر النبي ﷺ أنها مظنة للإجابة أو هي متضمنة للاسم الأعظم (^١) ومن ذلك ما رواه بريدة بن الحصيب ﵁ أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: "اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد" فقال: "لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب" (^٢).
ومن ذلك ما رواه سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: "دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين إنه لم يدع بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له" (^٣).
ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يصلي ويقول: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلَّا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم" فقال
_________________
(١) الجواب الكافي ص: ١٠.
(٢) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٦ رقم ١٤٩٣، والترمذي: ٥/ ٥١٥ رقم ٣٤٧٥، والنسائي: ٣/ ٤٥ باب ٥٨، وأحمد: ٥/ ٣٦٠، وابن ماجه: ٢/ ١٢٦٧ رقم ٣٨٥٧، وابن أبي شيبة: ١٠/ ٢٧١ رقم ٩٤٠٩، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٣٢ رقم ١١٤، وابن حبان [موارد] ص: ٥٩٢ رقم ٢٣٨٣، والحاكم: ١/ ٥٠٤، وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) تقدم ص: ٧٤.
[ ١ / ٢٠٤ ]
النبي ﷺ: "لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى" (^١).
ومن ذلك ما رواه ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم" (^٢).