إن من شأن العبد الصالح أن يلازم الدعاء في حالتي الرخاء والشدة، وأما غير الصالح فإنه لا يلتجيء إلى الله تعالى إلا في وقت الشدة ثم ينساه، وهذا شأن أكثر الناس إلا من عصمه الله، فقد ذكر الله تعالى هذه الطبيعة البشرية في عدة آيات من كتابه العزيز، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ
_________________
(١) مسلم: ٤/ ١٧١٩ رقم ٢١٨٩، ونحوه في البخاري: ١١/ ١٩٣ رقم ٦٣٩١ ورقم ٥٧٦٣.
(٢) أخرجه مسلم: ١/ ٥٣٦ رقم ٧٧١ من حديث علي.
(٣) جلاء الأفهام: ١٧٥ - ١٧٦.
(٤) ذكره الحليمي من الآداب في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣١، وابن الجوزي كما في: غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٦.
[ ١ / ١٩٥ ]
الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].
وقال عز من قائل: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر: ٨].
وقال ﷻ ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ [الزمر: ٤٩].
وقال ﵎: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ [فصلت: ٥١].
فقد بيّن الله في هذه الآيات وأمثالها طبيعة ابن آدم في الالتجاء إلى الله في الشدائد ونسيانه في الرخاء.
كما بيّن في آيات أخر مثالًا واقعيًا من تلك الطبيعة البشرية فذكر حالة الذين تضطرب بهم السفن وتتلاطم بهم الأمواج وأنهم يخلصون في هذه الحالة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء: ٦٧].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ [لقمان: ٣٢].
والذي ينبغي أن يكون عليه المسلم أن يلازم الدعاء في الرخاء والشدة وذلك أسرع في إجابة دعائه، كما ورد في حديث ابن عباس المشهور: "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد: ١/ ٣٠٧، ٣٠٣، ٣٩٣، والترمذي: ٤/ ٦٦٧ رقم ٢٥١٦، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص: ٢٠٢ رقم ٤٢٥، والحاكم: ٣/ ٥٤١، =
[ ١ / ١٩٦ ]
والمراد بالمعرفة المطلوبة من العبد في الحديث هي: "المعرفة الخاصة التي تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية والانقطاع إليه والأنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه والهيبة له" (^١)، ومن المعرفة أيضًا إخلاص الدعاء له في حالة الرخاء، وكذلك المراد بمعرفة الله لعبده هو المعرفة الخاصة التي تقتضي محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابته لدعائه وإنجاءه من الشدائد وهي المشار إليها بقوله ﷺ فيما يحكي عن ربه: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه وفي رواية ولئن دعاني لأجيبنه" (^٢).
وفي الجملة فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته (^٣).
ومن الأحاديث الدالة على سرعة إجابة دعاء من يلازم الدعاء في الرخاء ما رواه أبو هريرة ﵁ مرفوعًا: "من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكُرَب فليكثر الدعاء في الرخاء" (^٤).
_________________
(١) = والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٣ رقم ٤١، ٤٢، والآجري ص: ١٩٨، وابن أبي عاصم في السنة: ١/ ١٣٨ رقم ٣١٦ - ٣١٨ ويراجع في الكلام على الحديث جامع العلوم: ٧٧٤، ١٧٨، وقد صحح الحديث الشيخ الألباني في صحيح الجامع: ٢/ ٤٤ رقم ٢٩٥٨، وفي ظلال الجنة: ١/ ١٣٨ رقم ٣١٦. وانظر بقية الكلام على هذا الحديث وطرقه في ص: ٥٣٣.
(٢) جامع العلوم: ١٧٨.
(٣) أخرجه البخاري: ١١/ ٣٤١ رقم ٦٥٠٢.
(٤) جامع العلوم: ١٧٩.
(٥) رواه الترمذي: ٥/ ٤٦٢، والحاكم: ١/ ٥٤٤، وابن عدي: ٥/ ١٩٩٠، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٥، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي وحسنه الألباني في صحيح الجامع: ٥/ ٣٠٠ رقم ٦١٦٦.
[ ١ / ١٩٧ ]