إن كلمتي الدعاء والعبادة قد تكرر ورودهما في القرآن الكريم على مورد واحد، وتعاقبهما على موضوع واحد أو على موضوعات متشابهة، كما أنه ورد في القرآن جمعهما في آية واحدة وسياق واحد باستعمال إحداهما في صدر الكلام والأخرى في نهايته، أو عطف جملة فيها إحدى الكلمتين على جملة فيها الأخرى، بحيث لو أن إحدى الكلمتين رفعت من مكانها ووضعت الأخرى مكانها لاستقام المعنى ولم يحصل خلل في نظم الكلام فهذه الأساليب تدل على اشتراك الكلمتين في المفهوم أو ترادفهما.
ويكفي في الدلالة على اشتراكهما ما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه النعمان بن بشير ﵄ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يخطب ويقول: "إن الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ " (^١).
_________________
(١) تخريجه: قد روي هذا الحديث عن النعمان: يُسَيْعُ بن مَعْدَان الحضرمي، ورواه عن يسيع ذَرّ بن عبد الله المرهبي، وروى عن ذر راويان إمامان ثقتان اشتهر الحديث عنهما وهما:
(٢) منصور بن المعتمر.
(٣) والأعمش سليمان بن مهران. أما منصور: فقد روى عنه حسب اطلاعي خمسة وهم: سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، والسدي الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن، وشيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية، وجرير بن عبد الحميد الرازي. طريق سفيان الثوري: أخرجه ابن المبارك في الزهد ص: ٤٥٩ رقم ١٢٩٩، وأحمد في المسند: ٤/ ٢٦٧ عن عبد الرزاق وهو ابن همام، وأخرجه أحمد أيضًا في: ٤/ ٢٧٦، والترمذي: ٥/ ٣٧٤ رقم ٣٢٤٧، وابن جرير في التفسير: ٢٤/ ٧٨، كلاهما عن محمد بن بشار وهو بندار. =
[ ١ / ٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والحاكم: ١/ ٤٩٠ من طريق إبراهيم بن هارون الأصبهاني. ثلاثتهم - أعني أحمد وابن بشار والأصبهاني - عن عبد الرحمن بن مهدي والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٦ رقم ١ من طريق محمد بن يوسف الفريابي وأبي حذيفة وهو موسى بن مسعود، والبغوي في التفسير: ٤/ ١٠٣، وفي شرح السنة: ٥/ ١٨٤ رقم ١٣٨٤ من طريق الفريابي، وابن منده في التوحيد: ٢/ ١٨٠ رقم ٣٢٥ من طريق قبيصة وهو ابن عقبة وعبد الرزاق. ستتهم - أعني ابن المبارك وعبد الرزاق، وابن مهدي والفريابي وأبا حذيفة وقبيصة - عن سفيان الثوري عن منصور به. طريق شعبة: أخرجه ابن المبارك في الزهد ص: ٤٥٩ رقم ١٢٩٨، ومن طريقه النسائي في الكبرى التفسير: ٢/ ٢٥٣ ح ٤٨٤ وكما في تحفة الأشراف: ٩/ ٣٠ عن سويد بن نصر عن ابن المبارك به، وأبو داود الطيالسي في المسند ص: ١٠٨ رقم ٨٠١، ومن طريقه القضاعي في مسند الشهاب: ١/ ٥١ رقم ٢٩، وأحمد في المسند: ٤/ ٢٧٧ عن محمد بن جعفر وهو غندر، وأبو داود في السنن: ٢/ ١٦١ رقم ١٤٧٩ عن حفص بن عمر وهو الحوضي، وابن جرير في التفسير: ٢٤/ ٧٨، من طريق غندر وابن مهدي والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٧ رقم ٢ من طريق الحوضي وأبي الوليد الطيالسي، ومن طريقه المزي في التهذيب: ٣٢/ ٣٠٦ في ترجمة يسيع، والحاكم: ١/ ٩١ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، وسقط من النسخة "عن شعبة"، والبخاري في الأدب المفرد رقم ٧١٤ عن أبي الوليد. ستتهم - أعني ابن المبارك والطيالسي وغندر والحوضي وابن مهدي وأبا الوليد - عن شعبة عن منصور به. طريق السدي إسماعيل بن عبد الرحمن: أخرجه ابن جرير في التفسير: ٢٤/ ٧٩ من طريق أسباط بن نصر الهمداني عن السدي عن منصور به. طريق شيبان بن عبد الرحمن النحوي: أخرجه الطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٧ رقم ٣ من طريق سعد بن حفص عن شيبان أبي معاوية، وهو ابن عبد الرحمن النحوي عن منصور به. وقد وهم محقق كتاب الدعاء للطبراني فظن أن شيبان أبا معاوية هو أبو معاوية الضرير محمد بن خازم الذي يروي عن الأعمش كما سيأتي، فجعل الرواية هذه والراوية الآتية طريقًا واحدًا وليس الأمر كذلك بل هما شخصان مختلفان اتفقا في الكنية. طريق جرير بن عبد الحميد: =
[ ١ / ٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أخرجه أبو يعلى عن أبي خيثمة وهو زهير بن حرب، ومن طريق أبي يعلى أخرجه ابن حبان (موارد) ص: ٥٩٥ رقم ٢٣٩٦، والحاكم: ١/ ٤٩١ من طريق يحيى بن يحيى، والقضاعي في مسند الشهاب: ١/ ٥٢ رقم ٢٩ من طريق محمد بن قدامة. ثلاثتهم - أعني أبا خيثمة ويحيى وابن قدامة - عن جرير بن عبد الحميد عن منصور به. وأما الأعمش فقد روى عنه أربعة عشر راويًا وهم: الثوري، وشعبة، ووكيع، وأبو معاوية محمد بن خازم وعبد الله بن نمير، وأبو عوانة الوضاح، وعبد الله بن إدريس، وعبد الله بن داود، وزهير بن معاوية، ومروان بن معاوية، والقاسم بن معن، وحفص بن غياث، وجرير بن عبد الحميد، وفضيل بن عياض. طريق الثوري: أخرجه أحمد: ٤/ ٢٧٦، والترمذي: ٥/ ٣٧٤ رقم ٣٢٤٧، وابن جرير في التفسير: ٢٤/ ٧٨ كلاهما عن محمد بن بشار، والحاكم: ١/ ٤٩٠ من طريق إبراهيم بن هارون الأصبهاني. ثلاثتهم - أعني أحمد وابن بشار والأصبهاني - عن عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري عن الأعمش به. طريق شعبة: أخرجه أحمد: ٤/ ٢٧٧ عن محمد بن جعفر وهو غندر، والبخاري في الأدب المفرد: ٢/ ١٧٨ رقم ١٨٥ عن أبي الوليد الطيالسي، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٧ رقم ٢ من طريق حفص بن عمر الحوضي وأبي الوليد الطيالسي. ثلاثتهم - أعني غندر والطيالسي والحوضي - عن شعبة عن الأعمش به. طريق وكيع: أخرجه أحمد: ٤/ ٢٧٦، وابن ماجه: ٢/ ١٢٥٨ رقم ٣٨٢٨ عن علي بن محمد وهو الطنافسي، كلاهما عن وكيع عن الأعمش به. طريق أبي معاوية محمد بن خازم الضرير: أخرجه أحمد: ٤/ ٢٧١، وابن أبي شيبة: ١٠/ ٢٠٠ رقم ٩٢١٦، والترمذي: ٥/ ٢١١ رقم ٢٩٦٩ عن هناد وهو ابن السري، ومن طريقه أخرجه القضاعي في مسند الشهاب: ١/ ٥٢ رقم ٢٩، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى التفسير: ٢/ ٢٥٣ ح ٤٨٤، وكما في تحفة الأشراف: ٩/ ٣٠ عن هناد بن السري أيضًا. ثلاثتهم - أعني أحمد وابن أبي شيبة وابن السري - عن أبي معاوية عن الأعمش به. طريق عبد الله بن نمير: أخرجه أحمد: ٤/ ٢٧١ عنه عن الأعمش به. =
[ ١ / ٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = طريق أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري: أخرجه الطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٨ رقم ٥. طريق عبد الله بن إدريس وهو الأودي: أخرجه القضاعي في مسند الشهاب: ١/ ٥٢ رقم ٢٩. طريق عبد الله بن داود الخريبي: أخرجه الطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٨ رقم ٤، ٦ من طريق ابن عيينة ومسدد، ومن طريق مسدد أخرجه القضاعي في مسند الشهاب: ١/ ٥٢ رقم ٣٠، كلاهما - أعني ابن عيينة ومسددًا - عن عبد الله بن داود الخريبي عن الأعمش به. طريق زهير بن معاوية: أخرجه الطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٨ رقم ٧ من طريق عمرو بن خالد الحراني عن زهير عن الأعمش به. طريق مروان بن معاوية: أخرجه الترمذي: ٥/ ٤٥٦ رقم ٣٣٧٢ عن أحمد بن منيع عن مروان بن معاوية عن الأعمش به. طريق القاسم بن معن: أخرجه الطبراني في الصغير: ٢/ ٩٧، وفيه بعد سوق الآية: "قال: يعني عن دعائي". طريق حفص بن غياث: أخرجه البيهقي في الدعوات: ورقة ٢ ل ب رقم ٤، وعبد الغني المقدسي في الحث على الدعاء رقم ٨ ورقة ١٤٧. طريق جرير بن عبد الحميد: أخرجه ابن جرير في التفسير: ٢/ ١٦٠، عن ابن حميد - وهو محمد بن حميد الرازي - عن جرير عن الأعمش به. وفي النسخة المطبوعة من تفسير ابن جرير تصحف اسم جرير إلى جويبر والصواب - والله أعلم - جرير، وهو ابن عبد الحميد الرازي، وابن حميد معروف بالرواية عنه. طريق فضيل بن عياض: أخرجه أبو نعيم في الحلية: ٨/ ١٢٠ من طريق سويد بن سعيد عن فضيل بن عياض عن الأعمش به. وحاصل هذه الطرق: أن الحديث قد رواه عن ذر راويان: منصور والأعمش وكلاهما حافظان ثقتان، ثم اشتهر الحديث عنهما، فقد روى عن منصور خمسة من الرواة وعن الأعمش أربعة عشر راويًا حسب اطلاعي. =
[ ١ / ٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأما ذر فهو ابن عبد الله المرهبي، فهو ثقة عابد لكنه رمي بالإرجاء، قاله الحافظ في التقريب رقم ١٨٤٠. وقال الترمذي: ولا نعرفه إلا من حديث ذر: ٥/ ٤٥٦. لكن وجدت له متابعًا فقد أخرج ابن جرير في التفسير: ٢٤/ ٧٩ من طريق الحسن بن أبي جعفر عن محمد بن جحادة عن يسيع الحضرمي به، والحسن بن أبي جعفر هو الجُفْرِي، قال فيه الحافظ ضعيف الحديث مع عبادته وفضله "التقريب رقم ١٢٢٢" ومثل هذا لا بأس به في المتابعة. وأما يُسَيْع فهو ابن معدان الحضرمي الكوفي ويقال فيه: أُسَيْع، فهو ثقة روى عن علي والنعمان، قال ابن المديني: معروف، وقال النسائي: ثقة أخرجوا له حديثه عن النعمان: "الدعاء هو العبادة" وذكره ابن حبان في الثقات "التهذيب: ١١/ ٣٨٠"، وقد عرف هذا الحديث عنه كما تدل عليه عبارة النسائي السابقة، وهو ثقة. الحكم على الحديث: الحديث رجال إسناده كلهم ثقات .. وقد صحح هذا الحديث جماعة من المحدثين منهم الترمذي والحاكم والذهبي والنووي وابن حجر والسخاوي والألباني. قال الترمذي: حسن صحيح "الترمذي: ٥/ ٤٥٦". وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي "المستدرك: ١/ ٤٩١". وقال النووي: روينا بالأسانيد الصحيحة ثم ذكره "الأذكار ص: ٣٤٥". وقال الحافظ ابن حجر إسناده جيد "الفتح: ١/ ٤٩". وحسنه السخاوي كما في الفتوحات الربانية "٧/ ١٩١". وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٣/ ١٥٠ رقم ٣٤٠١. وفي صحيح ابن ماجه: ٢/ ٣٢٤ رقم ٣٠٨٦. هذا وللحديث شواهد من حديث البراء بن عازب وأنس بن مالك وعبد الله بن عباس وأبي هريرة ﵃:
(٢) حديث البراء: أخرجه أبو يعلى في معجمه ص: ٢٦٢ رقم ٣٢٨، والخطيب في التاريخ: ١٢/ ٢٧٩ من طريق عياش بن محمد الجوهري، كلاهما - أعني أبا يعلى والجوهري - عن يحيى بن أيوب عن حميد بن عبد الرحمن عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الدعاء هو العبادة وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ". =
[ ١ / ٥٨ ]
فهذا الحديث يدل على اتحاد معناهما ومن هنا فلا بد لي من دراسة معنى العبادة وذكر المناسبة بينها وبين الدعاء وبيان تعاقبهما في استعمال القرآن الكريم حتى يتضح معناهما ومدى اشتراكهما في المفهوم.