الصلاة معناها في اللغة: الدعاء (^١)، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقد قالت عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]. أنزل ذلك في الدعاء (^٢) فيكون معنى بصلاتك: بدعائك.
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ …﴾ إلى قوله: ﴿… وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ أي دعواته (^٣)، وقال ﷺ: "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائمًا فليصل، وإن كان مفطرًا فليطعم" (^٤) أي فليدع لهم بالبركة والخير، وكل داع فهو مصل ومنه قول الأعشى (^٥):
_________________
(١) الصحاح: ٦/ ٢٤٠٢، والمخصص: ١٣/ ٨٥، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ٤٦٦، ولسان العرب: ٤/ ٢٤٩٠، والمفردات: ٢٨٥، وتفسير الطبري: ١/ ١٠٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٢، وجلاء الأفهام: ٨١ - ٨٩، ومجموع الفتاوى: ١٠/ ٢٣٨، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٢، ٤٥٣.
(٢) البخاري مع الفتح: ٨/ ٤٠٥ برقم ٤٧٢٣.
(٣) انظر الفتح: ١١/ ١٣٧.
(٤) مسلم: ٢/ ١٠٥٤ رقم ١٤٣١.
(٥) الأعشى هو ميمون بن قيس البكري وكان أعشى العينين فلقب بالأعشى، أدرك الإسلام ولم يوفق (ت ٧ هـ).
[ ١ / ٧٨ ]
لها حارس لا يبرح الدهر بيتها … وإن ذبحت صلى عليها وزمزما (^١)
يعني بذلك دعا لها. وقال الأعشى أيضًا:
تقول بنتي وقد قَرُبْتُ مُرْتَحِلًا … يا رب جَنّب أبي الأوصَابَ والوَجَعَا
عليك مثلُ الذي صليتِ فاغْتَمِضِي … نومًا فإِنَّ لجنبِ المرءِ مضطجَعَا (^٢)
يقول: عليكِ من الدعاء مثل الذي دعيته لي.
وقال أيضًا:
وَقَابَلَهَا الرِّيحُ في دَنّها … وصلى على دَنّها وارتسم (^٣)
أي دعا لها: ألا تَحْمَضَ ولا تَفْسُد (^٤). وجاءت تسمية الصلاة الشرعية مأخوذة من هذا الأصل اللغوي، قال ابن جرير الطبري ﵀: "وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة، لأن المصلي متعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه فيها من حاجاته - تعرضَ الداعي بدعائه ربه - استنجاح حاجاته وسؤله" (^٥). وقال شيخ الإسلام ﵀:
"إن الصلاة الشرعية هي دعاء كلها فإن الدعاء هو قصد المدعو تارة لذاته وتارة لمسألته أمرًا منه وهذا كالشخص يدعو غيره ويطلبه ويقصده
_________________
(١) ديوان الأعشى ص: ١٨٦، زمزم المغني: ترنم، الرواية في الديوان ما برح.
(٢) : ديوان الأعشى: ١٠٥ - ١٠٦. وبعد البيت الأول قوله: واستشفَعَتْ من سَرَاةِ الحي ذَا شَرَفٍ … فقد عصاها أبوها والذي شفعا مهلًا بني فإن المرء يبعثه … هَمٌّ إذا خالط الهيزوم والضلعا عليك مثل الذي … إلخ.
(٣) ديوان الأعشى ص: ١٩٦، ارتسم الرجل: كبر ودعا، والارتسام: التكبير والتعوذ. اهـ. اللسان: ٣/ ١٦٤٦ مادة رسم.
(٤) تهذيب اللغة: ١٢/ ٢٣٧.
(٥) جامع البيان: ١/ ١٠٤، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٤٢.
[ ١ / ٧٩ ]
تارة لذاته، وتارة لأمر يطلبه منه، والصلاة تتضمن هذين النوعين: عبادة الله والثناء عليه والسؤال له" (^١).
وبهذا تقرر أن الصلاة الشرعية معناها الدعاء كما أن الصلاة في اللغة هي الدعاء.
وقد اختلف في الصلاة الشرعية، هل هي باقية على معناها اللغوي الذي هو الدعاء أم لا؟. ومثل الصلاة غيرها من الأسماء الشرعية كالإيمان والإسلام والزكاة.
أ - فقالت المعتزلة والخوارج وطائفة من الفقهاء:
إنها اسم شرعي منقول عن معناه اللغوي فهو اسم مخترع، لم يلاحظ فيه معناه الأصلي.
فعلى هذا القول لا علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.
ب - وقال الجمهور: إنها باقية في الشرع على ما كانت عليه في اللغة ثم اختلف هؤلاء:
١ - فمنهم من قال: إن الشارع زاد في أحكامها وضم إليها شروطًا وقيودًا ولم يزد في معنى الاسم.
فالصلاة معناها الدعاء، واشترط للاعتداد بها الركوع والسجود .. إلخ.
٢ - ومنهم من قال: إن الشارع تصرف فيها - تصرف أهل العرف -، فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة، فعلى هذا فالشارع زاد في معنى الاسم، حيث كانت الصلاة لا تطلق في اللغة إلا على الدعاء فزاد في معناها الركوع والسجود .. إلخ. فالشارع زاد في معنى الاسم والحكم. وهذا شبيه بتصرف أهل العرف في الكلمة فقد
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٣.
[ ١ / ٨٠ ]
يخصون مدلول الكلمة اللغوي ببعض الأفراد أو يجعلونه أعم، فنحو كلمة الدابة تطلق في اللغة على كل ما يَدِبُّ على الأرض فخصت في عرف الناس بالفرس، وفي عرف بعضهم بالحمار، ومثلها الرقبة: تطلق على العضو المخصوص، ثم استعملت في العرف في جميع البدن.
٣ - ومنهم من قال: إن الشارع لم ينقلها، ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة (^١).
فالصلاة لم تنقل عن معناها اللغوي الذي هو الدعاء، ولكنها استعملت في دعاء مخصوص، كما أن أهل اللغة يستعملون الكلمة مطلقة في معناها العام، ثم يستعملونها خاصة ومقيدة بالإضافة أو لام التعريف. فتعتبر الكلمة في مثل هذا من اسم الجنس لا يدل على شخص معين إلا بالقيد (^٢)، فالشارع استعمل لفظ الصلاة على وجه يختص بمراده ولم يستعمله مطلقًا وهو إنما قال: "أقيموا الصلاة" بعد أن عرفهم الصلاة المأمور بها فكان التعريف منصرفًا إلى الصلاة التي يعرفونها، لم ينزل لفظ الصلاة، وهم لا يعرفون معناه (^٣). وهذا المسلك الذي سلكه الشارع موجود في أساليب العرب يأتي أحدهم إلى الكلمة فيقيدها أو يخصها بشيء، فالشارع أتى إلى بعض الكلمات فاستعملها مقيدة، ومختصة، إما بالإضافة أو اللام.
وهذه الأقوال المتقدمة أرجحها القول الأخير وذلك للأمور التالية:
_________________
(١) انظر في حكاية هذا الاختلاف والاستدلال لهذه الأقوال ومناقشة أدلتها الكتب التالية: المعتمد في الأصول: ١/ ١٨ - ٢١، والتمهيد في أصول الفقه: ١/ ٨٨ - ٩٧، والمستصفى: ١/ ٣٢٦ - ٣٣٢، والمسودة: ٥٦١ - ٥٦٢، وجمع الجوامع: ١/ ٣٠١ - ٣٠٤ مع حاشية البناني، والوصول: ١/ ١٠٢ - ١٠٥، والإحكام للآمدي: ١/ ٣٥ - ٤٣، وإرشاد الفحول: ٢١ - ٢٢، وفواتح الرحموت: ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣، والإيمان لشيخ الإسلام: ٢٥٥، ١٠٦، وفلسفة المجاز: ٣٣ - ٣٥.
(٢) الإيمان: ١١٥.
(٣) الإيمان ص: ٢٥٧.
[ ١ / ٨١ ]
١ - أن الأقوال الأخرى لم تسلم من الاعتراض والاستشكال.
٢ - ولأن الأصل بقاء الكلمة على معناها، وعدم الزيادة، ولم يأت من ادعى عكس ذلك ببرهان قاطع.
٣ - ولأن مثلَ هذا الاستعمال من تقييد المراد بالكلمة، أو تخصيصها معروفٌ في أساليب اللغة.
وقد رجح هذا المذهب الأخير شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، قال ابن تيمية: "والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة" (^١) هذا ما ذكره في اسم الإيمان.
ومما ذكره ابن تيمية فيما يختص بموضوع الصلاة الذي نحن بصدده ما معناه:
إن الصلاة بالمعنى العام تتضمن كل ما كان ذكرًا لله أو دعاء له، وهذا المعنى - وهو دعاء الله - أي قصده والتوجه إليه المتضمن ذكره على وجه الخشوع والخضوع، هو حقيقة الصلاة الموجودة في جميع موارد اسم الصلاة كصلاة القائم والقاعد والقارئ والناطق والأخرس وإن تنوعت حركاتها وألفاظها فإن إطلاق لفظ الصلاة على مواردها هو بالتواطئ المنافي للاشتراك، والمجاز، وذلك لأن اسم الجنس العام المتواطئ المطلق إذا دل على نوع أو عين يكون قد دل على شيئين: على المعنى المشترك الموجود في جميع الموارد، وعلى ما يختص به هذا النوع أو العين، فاللفظ المشترك الموجود في جميع التصاريف يدل على القدر المشترك، وما قرن باللفظ من لام التعريف مثلًا يدل على الخصوص والتعيين، فاسم الصلاة مثلًا فيه عموم وإطلاق، ولا يستعمل إلا مقرونًا بقيد يخصه ببعض موارده كصلواتنا، وصلاة الملائكة، والصلاة من الله سبحانه (^٢).
_________________
(١) الإيمان ص: ٢٥٥.
(٢) الفتاوى: ١٤/ ٢١٥ - ٢١٦.
[ ١ / ٨٢ ]
وقال ابن القيم بعد أن ذكر أن الدعاء يعم النوعين وأنه لفظ متواطئ:
"وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى، ودعوى الخلاف في مسمى الدعاء، وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول عن موضعه في اللغة فيكون حقيقة شرعية أو مجازًا شرعيًا، فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة، وهو الدعاء، والدعاء دعاء عبادة ودعاء مسألة، والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة فهو في صلاة حقيقة لا مجازًا ولا منقولة.
لكن خص اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها، كالدابة والرأس ونحوهما.
فهذا غاية تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه، ولهذا لا يوجب نقلًا ولا خروجًا عن موضوعه الأصلي والله أعلم" (^١). وإنما هو مجرد تصرف في استعمالات اللفظ ولا مانع من ذلك إطلاقا لا في اللغة ولا في اصطلاح الشرع إذ من المعلوم "أن الشارع يتصرف في اللغة تصرف أهل العرف، يستعمل اللفظ تارة فيما هو أعم من معناه في اللغة، وتارة فيما هو أخص" (^٢).