للدعاء آداب كثيرة تتنوع إلى عدة أنواع باعتبارات شتى ونظرات مختلفة، فيمكن تقسيمها باعتبار إلى ظاهرية وباطنية، وباعتبار إلى عدمية ووجودية، أو يقال إلى سلبية وإيجابية، وباعتبار آخر إلى آداب تتعلق بالداعي وأخرى بالدعاء وأخرى بالمدعو فيه، ولاختلاف هذه الاعتبارات اختلفت عبارات العلماء في تقسيمها.
فقد قسمها القرطبي بالنظر إلى ما يطلب للداعي أو للدعاء أو المدعو به، فذكر مما يطلب للداعي:
"أن يكون عالمًا بأن لا قادر على حاجته إلا الله، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره" (^١).
فهذا الشرط داخل في الإخلاص في التقسيم الذي ذكرناه فإن هذا العلم يقتضي أن يخلص الداعي في دعائه وأن لا يدعو إلا الله تعالى على وفق سنة نبيه ﷺ.
ثم ذكر من الشروط في الداعي:
- أن يدعو بنية صادقة وحضور قلب.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣١١ - ٣١٢.
[ ١ / ١٧٠ ]
- وأن يكون مجتنبًا لأكل الحرام.
- وأن لا يمل من الدعاء.
وذكر من شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعًا بأن لا يكون فيه إثم أو قطيعة رحم.
وذكر من شروط الدعاء أن يكون سليمًا من اللحن.
وقد أشار الغزالي في الإحياء وتابعه شارحه الزبيدي إلى انقسامها إلى ظاهرية وباطنية حيث قال الغزالي عند ذكر التوبة: "وهو الأدب الباطن" (^١)، وقال الزبيدي عند قول الغزالي وهي عشرة: "تسعة منها ظاهرة والعاشر أدب باطني" (^٢).
وأما الزركشي فقد قسمها أيضًا إلى ظاهرة وباطنة ثم ذكر من الباطنة التوبة وحضور القلب والثقة بالله، والخيفة، والتضرع، وقرع النفس بالتخويف والتفويض إلى الله، وقطع النظر عمن سواه، واجتناب المحرمات، والتعفف عن الشبهات، وتجنب اليأس من الإجابة.
ثم ذكر الآداب الظاهرة فذكر الصدقة والصوم والطهارة والصلاة واستقبال القبلة والتطيب بالطيب وخفض الصوت ورفع الأيدي والتعميم وتقديم الثناء والصلاة على النبي ﷺ (^٣).
الآداب العدمية:
وهذه التقسيمات السابقة متداخلة وليس بينها تناف وتضاد وإنما هي اصطلاحات فقط، فلهذا يمكن لنا تقسيمها إلى الآداب العدمية والآداب الثبوتية، ونبدأ بذكر آداب الدعاء العدمية قبل الثبوتية وذلك لأن التخلية
_________________
(١) الإحياء: ١/ ٣٦٥.
(٢) إتحاف السادة: ٥/ ٣١.
(٣) انظر الأزهية: ١٠٨ - ١٠٩.
[ ١ / ١٧١ ]
قبل التحلية، ولأن هذه الآداب العدمية أهم من أكثر الآداب الثبوتية لأن العدمية ورد فيها ما يدل على أنها سبب لمنع قبول الدعاء وأن الدعاء يرد بها، وأما الثبوتية فالوارد في أغلبها إنما هو الحث عليها والأمر بها. وقد علم أن باب المنهيات أشد من باب المأمورات كما يدل عليه حديث: "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه" (^١).
فالآداب العدمية خمسة:
١ - عدم الاعتداء.
٢ - عدم التلبس بالحرام.
٣ - عدم الاستعجال.
٤ - عدم التعليق.
٥ - عدم الغفلة.
ثم إن هذه الآداب العدمية: الخصلة الواحدة منها لها اعتبارات عدة، فباعتبار هي سبب لمنع إجابة الدعاء حيث يعتبر وجودها سببًا لمنع إجابة الدعاء، وباعتبار آخر فهي سبب لإجابة الدعاء وذلك باعتبار عدمها.
ولهذا عدها بعضهم في موانع الإجابة ولم يعدها في آداب الدعاء (^٢)، والحاصل أن هذه اعتبارات واصطلاحات ولا مشاحة في الاصطلاح.
وبعد هذا الإجمال إليك هذه الآداب مفصلة بإيجاز.
من آداب الدعاء: عدم الاعتداء:
تعريف الاعتداء:
هذه المادة تدل على "تجاوز في الشيء وتقدم لما ينبغي أن يقتصر
_________________
(١) أخرجه البخاري: ١٣/ ٢٥١ رقم ٧٢٨٨، ومسلم: ٢/ ٩٧٥ رقم ١٣٣٧.
(٢) انظر جوامع العلوم ص: ١٠٠ ذكر أن التلبس بالحرام من موانع الإجابة.
[ ١ / ١٧٢ ]
عليه والتعدي: تجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه والاعتداء مشتق من العدوان" (^١).
وقد حذر الله تعالى من الاعتداء عمومًا في كل شيء، ونهى عن الاعتداء في الدعاء خصوصًا، فقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
فالاعتداء في الآية وإن كان يشمل كل اعتداء إلا أنه لوروده بعد الأمر بالدعاء يدل بصفة خاصة على أهمية عدم الاعتداء في الدعاء، وأن الدعاء الذي يتضمن الاعتداء لا يحبه الله ولا يرضاه فهو إذن لا يستجيب له، هذا ويشمل الاعتداء في الدعاء أمورًا منها:
أ - الشرك بالله تعالى في الدعاء فإن أعظم العدوان هو الشرك، وهو وضع العبادة في غير موضعها فهذا العدوان داخل دخولًا أوليًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (^٢).
فصرف الدعاء الذي هو من أهم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى إلى التقرب به لعبد فقير لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فهذا الصرف "من أعظم الاعتداء والعدوان والذل والهوان" (^٣).
فمن اعتدى في الدعاء بدعائه لغير الله تعالى سواء دعاه مستقلًا أو دعاه ليكون واسطة فقد ارتكب إثمًا عظيمًا وأبعد نفسه عن رحمة الله تعالى بصرفه لخالص رجائه ورغباته وتوجهاته لغير الله تعالى، فالذين يدعون غير الله تعالى ويرجون قبول دعائهم فقد ضلوا الطريق الصحيح لقبول الدعاء، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥].
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة: ٤/ ٣٤٩.
(٢) الفتاوى: ١٥/ ٢٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣.
(٣) الرد على البكري ص: ٩٥.
[ ١ / ١٧٣ ]
ب - من الاعتداء الذي تشمله الآية الابتداع في الدعاء، فإن الدعاء عبادة وهي توقيفية، فمن ابتدع عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله، فقد اعتدى طوره واعتدى على حق الله الذي هو التشريع.
ثم إنه عَبَدَ الله بما لم يشرعه وتقرب إليه بما لم يأذن به وسأل الله تعالى بما لم يأذن له بسؤاله به (^١).
جـ - من الاعتداء في الدعاء: سؤال الله تعالى ما لا يجوز له سؤاله (^٢)، وهذا يتصور في أشياء:
١ - سؤاله ما لا يليق به مثل منازل الأنبياء، وقد فسر بعض السلف الآية بذلك (^٣).
ويدل على ذلك ما ورد عن عبد الله بن مغفل ﵁ أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بني سل الله الجنة وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء" (^٤).
وإنما أنكر عبد الله بن مغفل على ابنه هذا الدعاء لأن ابنه طمع فيما لا يبلغه عمله حيث سأل منازل الأنبياء، وهذا اعتداء في الدعاء لما فيه من تجاوز الأدب ويحتمل أنه إنما نهاه لأنه سأل شيئًا معينًا (^٥)، ويمكن أنه
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ٢٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣.
(٢) قال القرطبي: "ومن شرط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعًا"، الجامع: ٢/ ٣١١.
(٣) أخرجه الطبري بإسناده عن أبي مجلز لاحق بن حميد: ٨/ ٢٠٧، وذكره البغوي: ٢/ ١٦٦، وانظر بغية المرتاد ص: ٣٩٠.
(٤) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٨٧، وأبو داود: ١/ ١٦٩ رقم ٩٦، وابن ماجه: ٢/ ١٢٧١ رقم ٣٨٦٤، وقال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق إسناده: "وهو إسناد حسن لا بأس به"، التفسير: ٢/ ٢٢٢، وصححه الألباني في الإرواء: ١/ ١٧١، وصحيح ابن ماجه: ٢/ ٣٣١ رقم ٣١١٦.
(٥) عون المعبود: ٢/ ١٦٩.
[ ١ / ١٧٤ ]
نهاه لكونه من تكثير الكلام بدون فائدة (^١).
فإذا كان هذا الصحابي الجليل ينكر على من يسأل الله تعالى ويخلص له تعالى في سؤاله إلا أنه يسيء في طلب ما لا يليق به ويعد هذا اعتداء فكيف لو رأى من يدعو غير الله تعالى ويستغيث به ويجعل هجيراه ليل نهار نداء اسم الولي إن قام وإن قعد؟ فلا شك أن هذا اعتداء فوق ذلك بكثير، وأي اعتداء أكبر من صرف خالص حق الله تعالى لعبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن غيره؟
٢ - سؤال الله تعالى المعونة على الحرام (^٢).
فهذا من الاعتداء في الدعاء فالله لا يحب الحرام ولا الفحشاء فكيف يطلب معاونته على ذلك؟ وقد ورد ما يدل على أن الدعاء الذي يتضمن إثمًا أو قطيعة رحم مردود لا يقبل، قال النبي ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم ما لم يستعجل … إلخ" (^٣).
فجميع أنواع الحرام داخلة في هذا الحديث: "فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم" (^٤).
فمن دعا بإثم أو قطيعة رحم فقد اعتدى على غيره وظلمه، فهذا داخل في الاعتداء المنهي عنه في الدعاء.
ويدخل في هذا: "أن يسأل ما فيه ظلم لغيره" (^٥).
_________________
(١) انظر ما سيأتي ص: ١٨٠.
(٢) الفتاوى: ١٥/ ٢٢، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣، وانظر المنهاج للحليمي: ١/ ٥٢٥، والأزهية: ٥٨.
(٣) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٩٦ رقم ٢٧٣٦.
(٤) الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣١١.
(٥) الرد على البكري ص: ٩٤.
[ ١ / ١٧٥ ]
ومن هذا الباب الدعاء على المؤمنين باللعنة والخزي ونحو ذلك، فقد قال بعض السلف في تفسير المعتدين: "هم الذين يدعون على المؤمنين فيما لا يحل فيقولون: اللهم اخزهم .. اللهم العنهم" (^١).
وذكر ابن الصلاح ﵀ أن كون الدعاء على الشخص اعتداء مشروط بما "إذا كان قصده بالدعاء على فلان غير صحيح فإن كان صحيحًا بأن كان في قصر عمره مثلًا صلاح للمسلمين لظلمه أو نحو ذلك فليس اعتداء" (^٢).
ومن هذا الباب تحجير رحمة الله وتضييقها، وذلك بطلبها لنفسه خاصة ومنعها لغيره من المسلمين، ومن ذلك قول الأعرابي: "اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا"، فقال له النبي ﷺ: "لقد تحجرت واسعًا" (^٣) يريد رحمة الله (^٤).
ومثل الدعاء على المؤمنين الدعاء على نفسه وأهله وعلى أمواله فقد نهينا عن ذلك، قال رسول الله ﷺ: "لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم" (^٥).
فالذي يدعو على نفسه أو أهله أو ماله فقد اعتدى على حق نفسه ثم إن نفسه ملك الله تعالى فلا يجوز له أن يتعدى فيها ما شرعه الله.
_________________
(١) نقله البغوي عن عطية ولعله العوفي: ٢/ ١٦٦، ونقل ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه كما في روح المعاني: ٨/ ١٤٠.
(٢) فتاوى ابن الصلاح ضمن المجموعة المنيرية: ٤/ ٣٠.
(٣) أخرجه أبو داود: ١/ ٢٦٤ رقم ٣٨٠، والترمذي: ١/ ٢٧٥ رقم ١٤٧، وابن ماجه: ١/ ١٧٦ رقم ٥٢٩، وأصل الحديث مخرج في الصحيحين في قصة بول الأعرابي: البخاري: ١/ ٣٢٢ رقم ٢١٩، ومسلم: ١/ ٢٣٦ رقم ٢٨٤.
(٤) الرد على البكري ص: ٩٤، وانظر عدة الحصن ص: ٤٤، والتحفة ص: ٤٩.
(٥) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٣٠٤ رقم ٣٠٠٩.
[ ١ / ١٧٦ ]
ويدخل في هذا أيضًا الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا فإن العبد عليه أن يطمع في رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء وفي عفوه ومغفرته وجوده وفضله فيسأل العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ولهذا كان النبي ﷺ يكثر من قول: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (^١).
وقد وصف الله عباده المؤمنين بأنهم يقولون ذلك عندما يفرغون من أعمال الحج وأن لهم نصيبًا في الدنيا والآخرة بسبب هذا القول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠١ - ٢٠٢].
ولهذا لما عاد النبي ﷺ مريضًا صار كالفرخ من الضعف فسأله: "هل كنت تدعو بشيء؟ " قال: نعم كنت أقول: "اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا" قال رسول الله ﷺ: "سبحان الله، لا تطيقه!! أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟ " (^٢).
ويدخل في هذا الدعاء على النفس بالموت لضر نزل به فمن هنا نهي عن الدعاء بالموت وتمنيه فيما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا" (^٣).
ففي الدعاء على النفس بالموت اعتداء على النفس وهي ليست من حق الإنسان بل هي ملك الله تعالى كما أنه اعتداء على الدعاء المشروع الذي هو طلب العافية في الدنيا والآخرة إلى الدعاء غير المشروع.
_________________
(١) أخرجه البخاري: ١١/ ١٩١ رقم ٦٣٨٩، ومسلم: ٤/ ٢٠٧٠ رقم ٢٦٩٠.
(٢) أخرجه مسلم: ٤/ ١٠٦٨، وأحمد في المسند: ٣/ ١٠٧، ٢٢٨، وأخرجه هناد بن السري في الزهد من مرسل الحسن البصري: ١/ ٢٥٤ رقم ٤٤١.
(٣) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٦٥ رقم ٢٦٨٢.
[ ١ / ١٧٧ ]
٣ - سؤاله تعالى ما يناقض حكمته، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به (^١).
ويتصور هذا في عدة أمور قد أكثر بعضهم (^٢) ضرب الأمثلة لهذه الأمور، ونوجزها فيما يلي:
١ - الدعاء بالمحال كالدعاء بدخول إبليس وأبي جهل وأضرابهما الجنة، والدعاء بمثل هذا يصل حكمه عند بعضهم إلى الكفر لما في ذلك من طلب إكذاب الله تعالى لنفسه (^٣).
٢ - الدعاء بما لا مطمع فيه كمن يدعو بالخلود في الدنيا، وقد علم أن الله استأثر بالبقاء وكتب الفناء على خلقه (^٤).
ومن هذا الباب الدعاء برفع لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب أو يسأله أن يهب له ولدًا من غير زوجة (^٥).
٣ - الدعاء بما يناقض ما علمه الله تعالى نحو السؤال بأن لا يقيم الساعة (^٦).
_________________
(١) بدائع الفوائد: ٣/ ١٣، والفروق: ٤/ ٢٦٠، وما بعدها، والأزهية: ١٤٤، وحاشية ابن عابدين: ١/ ٥٢٢ - ٥٢٣.
(٢) وهو القرافي المالكي أحمد بن إدريس، (ت ٦٨٤ هـ)، فقد ذكر في كتابه الفروق: ٤/ ٢٥٩ - ٢٩٧ أمثلة كثيرة وذكر أن أربعة أقسام منها تصل إلى الكفر وأن ١٢ قسمًا محرم ولا يصل إلى الكفر، وفي بعض ما ذكر مآخذ ستأتي الإشارة إلى ذلك في ص: ٤٠٦.
(٣) وقد جعل القرافي الدعاء بنفي ما دل السمع على ثبوته كفرًا لأنه تكذيب لله تعالى، واعترض عليه ابن الشاط بأن هذا تكفير بالمآل وهو أمر مختلف فيه، انظر حواشي الفروق: ٤/ ٢٦٠، وانظر روح المعاني: ٨/ ١٤٠، ١١/ ١٤٨، وابن عابدين: ١/ ٥٢٣، والإعلام بقواطع الإسلام: ٢/ ١٧٧ - ١٨٠.
(٤) شأن الدعاء ص: ١٥.
(٥) الفتاوى: ١٥/ ٢٢، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣.
(٦) الرد على البكري ص: ٩٤، والفتاوى: ١٠/ ٧١٣ و١٤/ ٣٦٥ - ٣٦٧.
[ ١ / ١٧٨ ]
فالحاصل أن الدعاء المشتمل على سؤال ما هو من خصائص الألوهية كطلب علم الغيب والبقاء في الدنيا أو طلب ما هو من خصائص النبوة كالوحي أو طلب ما يناقض علم الله وشرعه أو خبره يعد مثل هذا من الاعتداء ومن هذا ما يصل إلى الكفر والعياذ بالله، وتعد هذه الأمور من سؤال الرب ﵎ ما لم يكن يفعله (^١).
د - ومن جملة الاعتداء في الدعاء: سوء الأدب في خطاب الله ومناجاته، وذلك بأن يخاطب الداعي "ربه جل ثناؤه بما لو خاطب به كفؤه وقرينه ينسبه إلى قلة الحياء، وسوء الأدب أو ركاكة العقل" (^٢).
وهذا الأمر يتصور في أشياء منها:
١ - رفع الصوت بالدعاء رفعًا يخل بالأدب، قال عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، (ت ١٥٠ هـ): "من الاعتداء رفع الصوت، والنداء في الدعاء والصياح" (^٣).
وأما الرفع غير المخل بالأدب -إذا كان لقصد التعليم- فجائز كما نقل عن النبي ﷺ أنه جهر في أدعية وذلك لتعليم أصحابه فيكون له أجران أجر الدعاء وأجر التعليم (^٤).
٢ - دعاء الله تعالى بدون تضرع في دعائه تعالى وخطابه، فإن دعاء غير المتضرع يشبه المستغني المدل على ربه، وهذا من أعظم الاعتداء، لمنافاته لدعاء الذليل فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد (^٥).
_________________
(١) الفتاوى: ١/ ١٣٠.
(٢) المنهاج للحليمي: ١/ ٥٢٢.
(٣) تفسير الطبري: ٨/ ٢٠٧، والبغوي: ٢/ ١٦٦، وهذا اللفظ من البغوي وفي لفظ الطبري ركاكة.
(٤) قواعد الأحكام: ٢/ ١٧٨ - ١٧٩.
(٥) الفتاوى: ١٥/ ٢٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣.
[ ١ / ١٧٩ ]
ويدل على كون هذا من الاعتداء في الدعاء أن الله تعالى قال أولًا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ ثم عقبه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فدل هذا على أن عدم التضرع اعتداء في الدعاء كما أن عدم الخفية يعد اعتداء.
٣ - تكثير الكلام الذي لا حاجة إليه، فقد جعله بعض الصحابة من الاعتداء في الدعاء، روى أبو داود وغيره عن ابن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعني أبي وأنا أقول: "اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها، وبهجتها، وكذا وكذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، فقال: يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون قوم يعتدون في الدعاء"، فإياك أن تكون منهم، إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر" (^١) (^٢).
وقد علل بعض العلماء نهي سعد لابنه عن هذا بكونه طلبًا لما لا يليق به من منازل الأنبياء ويمكن أن يكون النهي لعدة علل لأن العلل لا تتزاحم فالشيء الواحد قد تكون له عدة علل.
وقد تقدم نقل ما يفيد ذلك في نهي عبد الله بن مغفل لابنه عن نحو ذلك.
٤ - تكلف (^٣) السجع في الدعاء، وتكلف صنعة الكلام له، وفي البخاري عن ابن عباس في وصيته لمولاه عكرمة: "فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب" (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦١ رقم ١٤٨٠، وأحمد: ١/ ١٧١، ١٨٣، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٣/ ٢١٨ رقم ٣٥٦٥.
(٢) الرد على البكري ص: ٩٤ - ٩٥.
(٣) قد عقد البخاري بابًا فقال: باب ما يكره من السجع من الدعاء: "البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣٨".
(٤) البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣٨ رقم ٦٣٣٧.
[ ١ / ١٨٠ ]
والسجع المذموم في الدعاء هو المتكلف فإنه يذهب بالخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما حصل بلا تكلف ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك أو كان محفوظًا فلا بأس به بل هو حسن (^١).
ويدل لذلك ما ورد من الأدعية مسجعًا نحو قوله ﷺ: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع" (^٢).
ومن ذلك قوله ﷺ: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب" (^٣).
وهذا الذي وقع في الأحاديث الصحيحة من السجع كان يصدر من غير قصد إليه. ولأجل هذا يجيء في غاية الانسجام (^٤).
وقد أنكر العلماء الأدعية المسجعة إنكارًا شديدًا وبيّنوا كونها من موانع إجابة الدعاء، قال القرطبي بعد أن ذكر أنواع الاعتداء في الدعاء: "ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظًا مفقرة وكلمات مسجعة، قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسول الله ﷺ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء" (^٥).
والقرطبي رحمه الله تعالى يشير بهذا إلى ما يصطنعه بعض الناس من الأدعية المبتدعة وتكون في الغالب أحزابًا مجزأة على عدد الأيام والشهور
_________________
(١) شرح النووي: ١٧/ ٤١، وغذاء الألباب للسفاريني: ١/ ٤٠٩، وشرح الإحياء: ٥/ ٣٨.
(٢) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٨٨ رقم ٢٧٢٢.
(٣) أخرجه البخاري: ٦/ ١٢٠ رقم ٢٩٦٦، ومسلم: ٣/ ١٣٦٣ رقم ١٧٤٢.
(٤) فتح الباري: ١١/ ١٣٩.
(٥) الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٢٢٦.
[ ١ / ١٨١ ]
أو على الحوادث والملمات كما أنها تكون بالسجع المتكلف، ويزداد الأمر سوءًا وخطرًا إذا كانت مشتملة على الاعتداء في المعنى بالاستغاثة بغير الله تعالى ونحو ذلك.
ثم إن الذين يدعون بتلك الأدعية يغنون ويطربون بها وربما تشبه أصواتهم أصوات المغنين، وقد أنكر العلماء هذه الفعلة في الأدعية أيضًا.
قال الكمال ابن الهمام الحنفي (ت ٨٦١ هـ):
ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتهار لتحريرات النغم إظهارًا للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد وهذا معلوم إن كان قصده إعجاب الناس فكأنه قال: اعجبوا من حسن صوتي وتحريري، ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال وما ذاك إلا نوع لعب فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيع كالتغني نسب البتة إلى قصد السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني فاستبان أن ذاك من مقتضيات الخيبة والحرمان (^١).
وممن أنكر ذلك أيضًا المفسر الألوسي فإنه ذكر كراهة رفع الصوت بالدعاء ثم قال: "وترى كثيرًا من أهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء، خصوصًا في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد، وتستك المسامع وتستد، ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين رفع الصوت في الدعاء، وكون ذلك في المسجد" (^٢).
_________________
(١) فتح القدير لابن الهمام: ١/ ٢٦١ - ١٦٣، وفيض القدير للمناوي: ١/ ٢٢٩ نقلًا عنه.
(٢) روح المعاني: ٨/ ١٣٩.
[ ١ / ١٨٢ ]
وممن أنكر ذلك قبل هؤلاء أبو بكر الطرطوشي فإنه ذكر أن ذلك ليس من كلام الماضين وأنَّه ينافي مقام الدعاء من التذلل والخشوع إذ السجع تكلف وتصنع واشتغال الخواطر بإقامة الأوزان (^١).
هذا وبعد أن استعرضنا ما ذكره العلماء من معاني الاعتداء ينبغي أن يعلم أنه ليس معنى الاعتداء الإكثار من الدعاء خلافًا لما يتبادر من لفظ الاعتداء لأننا أمرنا بالإكثار من الدعاء (^٢).