المطلب الثاني: في معنى الدعاء اللغوي.
المطلب الثالث: في المعنى الشرعي للدعاء، والمناسبة بينه وبين المعنى اللغوي.
المطلب الأول: في أصل كلمة الدعاء:
أصل كلمة الدعاء مصدر لِفِعْل "دَعَا".
قال الإمام أبو سليمان حَمْد بن محمد الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) رحمه الله تعالى: أصل هذه الكلمة مصدر من قولك دعوت الشيء أدعوه دعاء" (^١)، وآخره ممدود (^٢)، وهو مصدر قياسي، لأن الأفعال التي تدل على الأصوات تأتي مصادرها القياسية، إما على فُعَال أو فَعِيل، قال ابن مالك ﵀:
_________________
(١) شأن الدعاء للخطابي ص: ٣ وعنه في إتحاف السادة المتقين للزبيدي: ٥/ ٢٧، والأزهية في أحكام الأدعية للزركشي ص: ٢٧.
(٢) جمهرة اللغة لابن دريد: ٣/ ٢٤٢، وتاج العروس للزبيدي: ١٠/ ١٣٦.
[ ١ / ٢١ ]
للدَّا فَعَالٌ أو لصوت وَشَمَلْ … سيرًا وصوتًا الفعيلُ كصَهَلْ (^١)
هذا ولم يأت في الأصوات إلا فعال بالضم وأما الفتح فلم يأت إلا في كلمة واحدة وهو غواث، يقال: أجاب الله دُعَاءه وغُوَاثَه، وغَوَاثَه، وقد أتى مكسورًا نحو النداء والصياح (^٢) فتحصل من هذا أن الفعال بالضم هو الأكثر (^٣) ويليه الكسر، وأما الفتح فلم يأت إلا في كلمة واحدة. والدعاء هو المصدر المشهور لدعا (^٤).
وهناك صيغ أخرى نص بعض علماء اللغة على مصدريتها لفِعْلِ "دَعَا"، كما ورد استعمالها في اللغة الفصحى، ومن تلك المصادر:
١ - دَعْوٌ، قال ابن دريد (^٥): "الدَّعْوُ مصدرُ دعا يدعو دَعوًا ودُعَاءً" (^٦). فقد قدمه ابن دريد في الذكر على الدعاء - المصدر المشهور. . . ويقال في المرة الواحدة منه: دَعْوةٌ (^٧).
ومن ذلك قوله ﷺ في حضور النساء للعيد: "لِتُلْبِسْهَا صاحبَتُها من
_________________
(١) ألفية ابن مالك مع شرح ابن عقيل: ٢/ ١٢٤.
(٢) إصلاح المنطق لابن السكيت: ١٠٧. نقله عن الفراء ومثله في الصحاح للجوهري: ١/ ٢٨٩، والبارع في اللغة ص: ٤٣١.
(٣) معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ٣/ ٢٠٤.
(٤) مشارق الأنوار للقاضي عياض: ١/ ٢٦٠.
(٥) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي البصري أديب نحوي لغوي نسابة، قال الذهبي: كان آية من الآيات في قوة الحفظ، وقال الدارقطني: تكلموا فيه، توفي ٣٢١ هـ، تاريخ بغداد: ٢/ ١٩٥ - ١٩٧، وسير أعلام النبلاء: ١٥/ ٩٦ - ٩٧، وبغية الوعاة: ١/ ٧٦، ومعجم المؤلفين: ٩/ ١٨٩.
(٦) جمهرة اللغة: ٢/ ٢٨٣ ونحوه في المحكم: ٢/ ٢٣٤، ولسان العرب: ٣/ ١٣٨٦.
(٧) الصحاح للجوهري: ٦/ ٢٣٣٧، واللسان لابن منظور: ٣/ ١٣٨٦، وفي التهذيب قال الليث: دعا يدعو دعوة ودعاء. . .: ٣/ ١٢٠ فقدمه في الذكر مما يشعر بأنه مصدر مشهور.
[ ١ / ٢٢ ]
جِلْبَابها، وَلْتَشْهدِ الخيرَ ودَعوةَ المسلمين" (^١) أي دعاء المسلمين.
وقوله ﷺ: "إن عفريتًا من الجن تَفَلَّتَ البارحة ليقطع علي صلاتي" وفيه: "فذكرت دعوة أخي سليمان "رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي" (^٢) - أي دعاء أخي سليمان.
٢ - وهناك مصدر ثان وهو دَعْوَى.
فقد حكاها سيبويه ﵀ في المصادر التي في آخرها ألف التأنيث، وأنشد:
وَلَّتْ ودَعواها شديدٌ صَخَبُهُ (^٣)
ذَكَّر على معنى الدعاء، قال سيبويه: ومن كلامهم: اللهم أشركنا في دعوى المسلمين" (^٤).
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠] أي دعاؤهم فيها … وآخر دعاءهم …
٣ - وهناك مصدر ثالث دِعَاوَةٌ (^٥).
٤ - وهناك أيضًا مصدر رابع وهو دِعَاية.
يقال: دعا دعاية، كما يقال: رمى رماية وشكى شكاية فمن ذلك دعاية الإسلام أي دعوته (^٦).
_________________
(١) البخاري مع الفتح: ١/ ٤٢٣ برقم ٣٢٤.
(٢) البخاري مع الفتح: ٦/ ٤٥٧ برقم ٣٤٢٣.
(٣) البيت لبَشِيْر بن النِّكْث نسبه إليه سيبويه في الكتاب: ٢/ ٢٢٨، وأقرته المعاجم اللغوية التي نقلت كلام سيبويه وستأتي في الرقم التالي.
(٤) الكتاب: ٢/ ٢٢٨، وعنه في معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٣١٨، وتهذيب اللغة للأزهري: ٣/ ١٢٠، والمحكم لابن سيده: ٢/ ٢٣٤، والمخصص له أيضًا: ١٣/ ٨٨، واللسان: ٣/ ١٣٨٥.
(٥) ذكره القاضي عياض في مشارق الأنوار: ١/ ٢٦٠ نقلًا عن البارع في اللغة ولم أجده فيه ولعله من القسم المفقود.
(٦) مشارق الأنوار: ١/ ٢٦٠، واللسان: ٣/ ١٣٨٦، وتاج العروس: ١٠/ ١٢٨.
[ ١ / ٢٣ ]
٥ - وهناك مصدر خامس، وهو دَاعِية كعَاقِبة وعافية (^١).
ويظهر من تتبع موارد استعمال مادة كلمة دعا - أن المصدرين الآخرين ربما يكونان خاصين بالاستعمال في الدعاء بمعنى الحث على الشيء لا الدعاء بمعنى السؤال والطلب.
وأما المصدر الثاني الذي هو الدعوى فإنه يستعمل في الكثير بمعنى الادعاء كما يستعمل في معنى الدعاء، قال ابن جرير الطبري ﵀: "وللدعوى في كلام العرب وجهان أحدهما الدعاء، والآخر الادعاء للحق، ومن الدعوى التي معناها الدعاء قول الله ﵎: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥] ومنه قول الشاعر:
إذا مَذِلَتْ رِجْلي دَعَوْتُكِ أَشْتَفِي … بِدَعْوَاكِ مِنْ مَذْلٍ بها فَيَهُوْنُ (^٢) " (^٣)
وقد سبقه إلى نحو (^٤) هذا أبو عبيدة معمر بن المثنى (^٥).