ينقسم الدعاء باعتبار صيغه إلى نوعين: طلبية وخبرية:
فالمراد بالصيغة الطلبية ما يراد منها إنشاء الدعاء وهو ما يقابل الإخبار، وقد سبق لنا بحمد الله في التعريف أن الدعاء طلب خاص وهو طلب الأدنى من الأعلى بلا غضاضة، وليس هو طلبًا مطلقًا، والطلبية تتنوع إلى نوعين (^١) أيضًا:
الأول: طلب حصول الفعل وذلك في الإيجاب، وتكون الصيغة في هذا بافعَل ونحوه مثاله: ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا الأبرار [آل عمران: ١٩٣].
الثاني: طلب عدم الوقوع، وذلك في النفي وتكون صيغته لا تفعل ونحوه مثاله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩].
وقد يجتمع النوعان في مثال واحد نحو: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ
_________________
(١) انظر إتحاف السادة للزبيدي: ٥/ ٢٧.
[ ١ / ١٤٦ ]
﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨].
وبقي نوع آخر وهو أن تكون الجملة خبرية ولكنها متضمنة للإنشاء لقصد المتكلم منها الإنشاء وذلك نحو السلام عليكم، ففي هذه الحالة تكون الجملة الدعائية متضمنة للإنشاء والإخبار فجهة الخبرية فيها لا تناقض جهة الإنشائية وذلك لأن المعنى كان حاصلًا قبل الإنشاء من غير جهة المتكلم، وليس للمتكلم إلا دعاؤه بحصوله، ومحبته، ففي السلام عليكم السلامة المطلوبة لم تحصل بفعل المُسَلَّم وليس للمسلم إلا الدعاء بها ومحبتها، فإذا قال السلام عليكم تضمن الإخبار بحصول السلامة، والإنشاء للدعاء بها وإرادتها وتمنيها (^١).
ثم إن السبب في إطلاق الجملة الخبرية على الطلبية، تلازمهما لأنه إذا استعملت الخبرية في الطلب فإنها إنما استعملت في لازمها وجعل اللازم لقوة الطلب والإرادة له كأنه موجود محقق مخبر عنه فكان هذا طلبًا مؤكدًا ولهذا يكثر ذلك في الدعاء الذي يجتهد فيه الداعي (^٢).
والخبرية تتنوع إلى ثلاثة أنواع (^٣):
النوع الأول:
ما كان الدعاء بجملة خبرية أو عدة جمل خبرية تصف حال الداعي وتصف فقره، وحاجته، وتضرعه وتذلله بين يدي الله تعالى نحو قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] فقد وصف نفسه بالفقر إلى ما أنزل الله إليه من الخير، وهو متضمن
_________________
(١) بدائع الفوائد: ٢/ ١٣٩ - ١٤٠.
(٢) الفتاوى الكبرى: ٥/ ١٨٤.
(٣) انظر عن هذه الأنواع وشرحها: الفتاوى: ١٠/ ٢٤٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٦ -، ٢٧ وجلاء الأفهام ٧٩، والوابل: ١٨٢ - ١٨٦، ونحوه في شرح الإحياء للزبيدي: ٥/ ٤٢، والأزهية: ٩٥.
[ ١ / ١٤٧ ]
لسؤال الله إنزال الخير إليه وهذا تعرض للسؤال والطلب بدون تصريح بذلك وهذا من حسن الأدب في الطلب.
النوع الثاني:
ما كان الدعاء بجملة خبرية أو جمل خبرية تصف حال المسؤول وتثني عليه بكرمه وجوده وتفضله وإنعامه وغوثه وإجابته للدعاء وغير ذلك. وقد تقدم بحمد الله وتوفيقه وجه كون ثناء المسؤول ومدحه ثناء وطلبًا وقول ابن عيينة وغيره في ذلك بما فيه الكفاية.
النوع الثالث:
ما كان الدعاء بجملة خبرية أو عدة جمل خبرية تصف حال المسؤول وحال السائل، فهذا النوع يجمع بين النوعين السابقين نحو دعوة ذي النون ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
أي هذه الصيغ أكمل؟:
فهذه الأنواع لكل نوع منها خاصة (^١) لا تكون للنوع الآخر ويكون كل نوع منها أنسب للسائل من النوع الآخر، وهذا النوع الآخر، يكون أنسب لسائل آخر وهكذا.
وهذا يحتاج إلى فقه، وتمييز بين الحالات وتنزيل كل حال منزلته التي تليق به مثال ذلك دعوة ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، حيث كانت بصيغة الخبر بوصف حال المسؤول بالتفرد بالألوهية، ووصفه بالتنزيه والتعظيم، ووصف حال السائل بالاعتراف بالظلم وبأن ما أصابه كان بذنبه.
_________________
(١) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٧.
[ ١ / ١٤٨ ]
ولم تكن بصيغة الطلب الصريح لاستشعاره أنه مسيء ظالم وهو الذي أدخل الضر على نفسه، فناسب حاله أن يذكر ما يرفع سببه من الاعتراف بظلمه (^١) بدون أن يصرح بطلبه. فهذه الأنواع كل منها أبلغ من الآخر من جهة، ففي حال الخبر بوصف الحاجة والافتقار، يكون من السؤال بالحال، وهو أبلغ من جهة العلم والبيان، ومن جهة حسن الأدب في السؤال، فقول القائل لمن يعظمه ويرغب إليه أنا جائع، أنا مريض فيه حسن أدب في السؤال، وفيه إظهار حاله وإخباره على وجه الذل والافتقار المتضمن لسؤال الحال.
وأما قوله أطعمني وداوني ونحو ذلك مما هو بصيغة الطلب، طلب جازم من المسؤول، ففيه الرغبة التامة والسؤال المحض، بصيغة الطلب، وهذا أظهر من جهة القصد، والإرادة فلهذا كان غالب الأدعية من هذا النوع الذي هو الطلب الصريح، لأن السائل يتصور مقصوده ومراده فيطلبه، ويسأله، فهو سؤال بالمطابقة والقصد الأول، وتصريح به باللفظ، وإن لم يكن فيه وصف لحال السائل والمسؤول (^٢).
والأكمل المطلق ما كان جامعًا بين الأنواع كلها من وصف حال السائل ووصف حال المسؤول، ثم الطلب الصريح، فإنه يتضمن الخبر والعلم المقتضي للسؤال والإجابة، ويتضمن القصد والطلب الذي هو نفس السؤال، فيتضمن السؤال والمقتضي له والإجابة (^٣).
قال ابن القيم: "إن الدعاء الذي يتقدمه الذكر والثناء أفضل وأقرب إلى الإجابة من الدعاء المجرد، فإن انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته وافتقاره واعترافه، كان أبلغ في الإجابة وأفضل، فإنه يكون قد
_________________
(١) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٨.
(٢) يراجع الفتاوى: ١٠/ ٢٤٦.
(٣) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٦، وجلاء الأفهام: ٧٩، والوابل الصيب: ١٨٣، وإتحاف السادة المتقين: ٥/ ٤٢، والأزهية ص: ٩٥.
[ ١ / ١٤٩ ]
توسل إلى المدعو بصفات كماله وإحسانه، وفضله، وعَرَّض بل صرح بشدة حاجته وضرورته، وفقره ومسكنته، فهذا المقتضى منه، وأوصاف المسؤول مقتضى من الله، فاجتمع المقتضى من السائل، والمقتضى من المسؤول في الدعاء، وكان أبلغ وألطف موقعًا، وأتم معرفة وعبودية، وأنت ترى في الشاهد -والله المثل الأعلى- أن الرجل إذا توسل إلى من يريد معروفه بكرمه وجوده، وبره، وذكر حاجته هو، وفقره، ومسكنته، كان أعطف لقلب المسؤول، وأقرب لقضاء حاجته، فإذا قال له: أنت جودك قد سارت به الركبان، وفضلك كالشمس لا تنكر ونحو ذلك، وقد بلغت بي الحاجة والضرورة مبلغًا لا صبر معه ونحو ذلك كان أبلغ في قضاء حاجته من أن يقول ابتداء: أعطني كذا وكذا" (^١).
وهكذا كانت عامة أدعية النبي ﷺ فهي في الغالب تجمع هذه الأنواع كلها فلهذا ينبغي للعاقل أن لا يعدل عنها إلى غيرها، وذلك لأنه ﷺ أعطي جوامع الكلم فلا يمكن لغيره أن يأتي بمثل أدعيته ﷺ.
مثال ذلك: قوله ﷺ لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما قال له: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (^٢) فقد جمع ﷺ في هذا الدعاء هذه الصيغ كلها من وصف حال السائل بالظلم، ووصف الله بالتفرد بالمغفرة ثم الطلب للمغفرة والرحمة.
قال شيخ الإسلام ﵀: فهذا فيه وصف العبد لحال نفسه المقتضي حاجته إلى المغفرة، وفيه وصف ربه الذي يوجب أنه لا يقدر على هذا المطلوب غيره، وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه، وفيه بيان
_________________
(١) الوابل الصيب: ١٨٥.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٢/ ٣١٧ رقم ٨٣٤، ومسلم: ٤/ ٢٠٧٨ رقم ٢٧٠٥.
[ ١ / ١٥٠ ]
المقتضي للإجابة، وهو وصف الرب بالمغفرة والرحمة، فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب" (^١).