قد تنوعت عبارات العلماء في تعريف الدعاء، وتعددت كلماتهم، وكلها تهدف إلى الكشف عن حقيقة معناه الشرعي، وإليك بعض تلك العبارات:
قال أبو سليمان الخطابي (ت ٣٨٨ هـ): "ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه ﷿ العناية، واستمدادُه إياه المعونةَ، وحقيقته إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة" (^٣).
وقال أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحَلِيميُّ (ت ٤٠٣ هـ): "الدعاء: قول القائل: يا الله يا رحمن يا رحيم وما أشبه ذلك" (^٤).
وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): "حقيقة الدعاء مناداة الله تعالى لما يريد من جلب منفعة أو دفع مضرة من المضار والبلاء بالدعاء، فهو سبب لذلك، واستجلاب لرحمة المولى" (^٥).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث: ٢/ ١٢٠، وقال في اللسان وتداعى القوم دعا بعضهم بعضًا حتى يجتمعوا: ٣/ ١٣٨٦.
(٢) تقدم في ص: ٢٦.
(٣) شأن الدعاء للخطابي ص: ٤.
(٤) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي: ١/ ٥٢٢.
(٥) مراقي الزلفى لابن العربي بواسطة نبذة في الدعاء وآدابه وأسبابه لليافعي ص: ٢٢ ولم أطلع على كتاب ابن العربي وانظر نسبة الكتاب إلى ابن العربي في كتاب آراء أبي بكر بن العربي لعمار طالبي: ١/ ٧٦ - ٧٧، ومقدمة قانون التأويل للسليماني ص: ١٥٣.
[ ١ / ٤٦ ]
وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): "إن دعاء المسألة: هو طلبُ ما ينفع الداعي، وطلبُ كشفِ ما يضره، ودَفْعِهِ" (^١).
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦ هـ): "وهو الطلب بياء النداء لأنه ينادى به القريب والبعيد، وقد يستعمل في الاستغاثة أو بأحد أخواتها" (^٢).
وعرفه الشيخ حسين بن مهدي النعمي اليمني (ت ١١٨٧ هـ) بقوله: فالمعنى الذي هو راجع وضعًا لا قصدًا إلى القوي القادر، بحيث لا يصلح إلا له، ولا يتحصل إلا به أو عنه، اسمُ طلبه والتماسِه، واللفظُ الذي يكون له هو الدعاء وضعًا وشرعًا والدعاء في لسان أنبياء الله ورسله وكتابه - اسمٌ لطلب ذلك المعنى -" (^٣) وقال أيضًا: "إن الدعاء عند المتشرعة والإسلاميين طَبْعٌ وهيئةٌ لازمةٌ طلبَ العاجزِ للقادر وسؤاله منه" (^٤) وعرفه أيضًا بتعريف آخر أطول هذا يرجع إلى هذا المعنى (^٥).
وعرفه الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت ١٢٨٥ هـ) بقوله: "هو السؤال والطلب رغبة أو رهبة أو مجموعهما" (^٦). وهناك تعريفات
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ١٠، ومثله في بدائع الفوائد: ٣/ ٢.
(٢) الرسائل الشخصية من مؤلفات الشيخ ص: ٤.
(٣) معارج الألباب في مناهج الحق والصواب ص: ١٩٦.
(٤) معارج الألباب ص: ٢١٨.
(٥) فقد ذكر في ص ١٩٣ تعريفًا طويلًا أدخل فيه شروط صحة الدعاء وهي: أ - كون المدعو قادرًا بالذات. ب - كونه متمكنًا من المطلوب منه. جـ - كون حصول المطلوب يتوقف على إرادته فقط. د - عجز المخلوق عن تحصيله. هـ - صلاحية المحل للقيام بالسؤال والعلم بما فيه الخير …
(٦) القول الفصل النفيس ص: ٤٧.
[ ١ / ٤٧ ]
أخرى (^١) تدور حول التعريفات السابقة. وكل هذه التعريفات خاصة بأحد نوعي الدعاء، وهو دعاء المسألة ولا تشمل دعاء العبادة، ولكن يمكن أن تشمله بطريق التلازم، وذلك بأن يقال: إن المراد من دعاء العبادة هو طلب الثواب والخوف من العقاب فهو طلب جلب منفعة أو دفع مضرة كما يأتي بيان ذلك عند ذكر تلازم نوعي الدعاء.
ولعل التعريف الشامل أن يقال: "الرغبة إلى الله تعالى والتوجه إليه، في تحقيق المطلوب، أو دفع المكروه، والابتهال إليه في ذلك إمَّا بالسؤال، أو بالخضوع والتذلل، والرجاء والخوف والطمع".
فقولنا بالسؤال يراد به دعاء المسألة وقولنا: أو بالخضوع .. إلخ يراد به دعاء العبادة فشمل التعريف نوعي الدعاء، فصار جامعًا مانعًا. وسيأتي مزيد بيان لهذين النوعين من الدعاء في مبحث أنواع الدعاء إن شاء الله تعالى.
وأما المناسبة بين المعنى اللغوي والشرعي فواضحة إذ الدعاء في اللغة كما تقدم يطلق على الطلب والعبادة والرغبة فهذه المعاني موجودة
_________________
(١) من ذلك تعريف مرتضى الزبيدي حيث قال: "وأما حقيقته اصطلاحًا فمعنى قائم بالنفس وهو نوع من أنواع الكلام النفسي، وله صيغ تخصه في الإيجاب افعل، وفي النفي لا تفعل، إتحاف السادة: ٥/ ٢٧، فهذا التعريف ينحى منحى الأشاعرة في الكلام النفسي والمآخذ عليه مذكورة في بحث كلام الله تعالى. انظر مختصر الصواعق: ٢/ ٢٩١ - ٢٩٨. ومن ذلك تعريف الدكتور محمد سيد طنطاوي المصري في كتابه الدعاء ص: ١٣ بقوله: "الابتهال إلى الله تعالى بالسؤال، والرغبة فيما عنده من الخير، والتضرع إليه في تحقيق المطلوب، وإدراك المأمول"، وهو مأخوذ مما تقدم في المعنى اللغوي الثالث وهو تعريف ناقص لعدم تضمنه ما كان لدفع المرهوب. ومن ذلك أيضًا تعريف الدكتور محمد صالح علي مصطفى في كتابه أصول التوحيد في القرآن الكريم ص: ٥٠ حيث قال: "والمراد منه السؤال من الله خفية وعلانية، والطلب منه بتضرع وخضوع مع رجاء الإجابة" وهو خاص أيضًا بدعاء المسألة.
[ ١ / ٤٨ ]
في المعنى الشرعي إذ الداعي - سواء كان دعاء مسألة أو عبادة - طالب للأجر والثواب أو طالب لحاجته من نيل مرغوب أو دفع مرهوب، كما أنه راغب إلى الله تعالى في تحقيق ذلك، ومستعينٌ بالله تعالى، ومستغيثٌ به في ذلك، ومنادٍ له بقوله: يا رب أو اللهم إلخ … فأغلب المعاني اللغوية التي للدعاء لها مناسبة جلية للمعنى الشرعي.
ثم بعد هذه التعريفات المتعددة لمعنى الدعاء الشرعي بقي أن نعلم أن معنى الدعاء القائم بقلب المؤمن، ووجدانه، وشعوره، وراء هذه العبارات اللفظية، وإنما هذه العبارات تمثيل وإشارة، وتفهيم، وتقريب. وإلا فما يقوم بالقلب حينئذ من الرغبة والابتهال، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه، والتذلل بين يديه والالتجاء إليه والاعتصام به، والتزلف إليه: أمرٌ لا تحيط به العبارة. ونظير هذا التعبير عن معنى بقية الأعمال الصالحة القلبية، كمحبة الله وخشيته، وإجلاله، ومهابته ورجائه والتوكل عليه، فإن العبارة تقصر عن وصف ذلك، مهما تنوعت العبارات، ولا تدرك حقيقة تلك الأعمال إلّا بالاتصاف بذلك، لا بمجرد الوصف والخبر (^١).
_________________
(١) انظر بدائع الفوائد: ٢/ ٢٠٠ - ٢٠١، والفتاوى: ١٠/ ٣٣٣.
[ ١ / ٤٩ ]