ينقسم الدعاء باعتبار متعلقاته إلى ثلاثة أقسام:
١ - أقسام الدعاء باعتبار الداعي.
٢ - أقسام الدعاء باعتبار المدعو المطلوب منه.
٣ - أقسام الدعاء باعتبار الشيء المطلوب.
وجه الحصر في هذه الأقسام الثلاثة:
وجه الحصر في هذه الأقسام هو أن متعلق الدعاء ثلاثة:
١ - الداعي الطالب للحاجة.
٢ - المدعو المطلوب منه.
٣ - المدعو به المطلوب.
وكل هذه الأقسام الثلاثة تنقسم إلى أربعة أقسام، وإليك تفصيل هذه الأقسام:
أقسام الدعاء باعتبار الداعي:
قد سبق أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء استعانة، فالداعي إما أن يتصف بهما معًا أو يتصف بأحدهما دون الآخر، أو يتركهما جميعًا، فهذه أربعة أقسام وهي القسمة الممكنة في العقل.
وقد جمع الله بين هذين الأصلين العبادة والاستعانة اللذين أحدهما غاية العبد التي خلق من أجلها والآخر وسيلة إليها في مواضع (^٢) من
_________________
(١) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٧، وانظر جلاء الأفهام: ٧٩ - ٨٠، والوابل الصيب: ١٨٦.
(٢) انظر في هذا: جامع الرسائل: ١/ ٩١، ومنهاج السنة: ٥/ ٣٩٤، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٧، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٥ - ١٦٦، والفتاوى: =
[ ١ / ١٥١ ]
كتابه، منها ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله تعالى حكاية عن العبد الصالح شعيب ﵇ قوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، وقول إبراهيم والذين معه: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقوله سبحانه إذ أمر رسوله ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]، كما أمره بهما في قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وفي قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وفي قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].
ومع كون هذين الأصلين يوجدان في البشر إلا أن الأصل الذي هو الاستعانه هو الأكثر فيهم لأن علم النفوس البشرية بحاجتها وفقرها إلى الرب قبل علمها بحاجتها وفقرها إلى الإله المعبود، كما أن قصدها لدفع حاجاتها العاجلة قبل الآجلة، ولهذا كان إقرارهم بالربوبية أسبق من الألوهية كما هو معروف من دعوة الرسل ومن الإخلاص في وقت الشدائد (^١).
وهذان الأصلان كلاهما ملازمان للإنسان، وذلك لأن الإنسان حساس متحرك بالإرادة فهو همام حارث بل كل حي له إحساس وعمل بإرادة ولا بد في العمل الإرادي الاختياري من مراد وهو المطلوب، ولا يحصل المراد إلا بأسباب ووسائل تحصله.
فلهذا فلا بد لكل إنسان من إرادة ولا بد لكل مريد من مستعان به مدعو ومسؤول يستعان به على تحصيل المراد المطلوب.
_________________
(١) = ١٤/ ٨ - ٩، والتدمرية ص: ٦٣، ومدارج السالكين: ١/ ٧٥، وإغاثة اللهفان: ١/ ٢٣ - ٢٤، وذكر أنها سبعة مواضع ونحوه في طريق الهجرتين ص: ٥٦ - ٢٥٦.
(٢) الفتاوى: ١٤/ ١٤، والعبودية: ١٠٨ - ١٠٩.
[ ١ / ١٥٢ ]
وهذا المستعان به إذا كان مستعانًا به لذاته فلا بد أن يذل له الطالب السائل ويحبه، ويعتمد عليه ويرجوه ويخافه وينقاد له، فيكون هو الغاية المطلوبة لهذا الإنسان، فيكون هو معبوده ومقصوده والمستعان به (^١).
فتبين بهذا العلاقة التي بين العبادة والاستعانة، وأنه لا بد لكل إنسان في كل وقت وحال من منتهى يطلبه وهو إلهه ولا بد له أيضًا من منتهى يطلب منه ويستعين به وذلك صمده الذي يصمد إليه في سؤاله واستعانته (^٢).
ومن هنا يظهر لنا تلازم العبادة والاستعانة للإنسان وأن أحدهما وسيلة والآخر غاية، ثم الإنسان في هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي القسمة الممكنة، إما أن يأتي بهما جميعًا وإما أن يأتي بالعبادة فقط وإما أن يأتي بالاستعانة فقط وإما أن يتركهما جميعًا (^٣).
فهذه الأحوال الأربعة هي القسمة الممكنة في الإنسان، وهي أيضًا متفاوتة:
القسم الأول:
وهو أجلّها وأفضلها وهم أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادةُ الله غايةُ مرادهم، وطلبهم أن منه يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها نهاية مقصودهم، ولهذا كان من أفضل ما يُسأل الربُّ ﵎ الإعانةُ على مرضاته، وهو الذي علمه النبي ﷺ لحبه معاذ بن جبل ﵁ فقال: "يا معاذ والله إني لأحبك فلا تنسَ أن تقول دبر كل صلاة اللهم
_________________
(١) كتاب التوحيد وإخلاص العمل ص: ١٥٨ - ١٥٩، أو الفتاوى: ١/ ٣٤، والعبودية ص: ١١٢، وإغاثة اللهفان: ١/ ٣٥، ٢٢ وطريق الهجرتين ص: ٥٥.
(٢) كتاب التوحيد ١٦٠، أو الفتاوى: ١/ ٣٦، وإغاثة اللهفان: ١/ ٣٥، ومنهاج السنة: ٥/ ٣٩٣، والعبودية: ١٠٨ - ١٠٩.
(٣) كتاب التوحيد: ١٦٥.
[ ١ / ١٥٣ ]
أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (^١)
فأنفع الدعاء: طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب: إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده وعلى تكميله وتيسير أسبابه (^٢).
القسم الثاني: وهو شر الأقسام:
وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة، ولا استعانة، فلا هو مع الشريعة الأمرية، ولا مع القدر الكوني (^٣).
وهؤلاء "فريقان: أهل دنيا، وأهل دين، فأهل الدين منهم هم أهل الدين الفاسد الذين يعبدون غير الله، ويستعينون غير الله بظنهم وهواهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣].
وأهل الدنيا منهم الذين يطلبون ما يشتهونه من العاجلة بما يعتقدونه من الأسباب" (^٤).
فهؤلاء أهل الدنيا يظنون أن الأسباب هي القادرة وحدها على تحصيل مسبباتها فلهذا فلا يطلبون العون من خالق الأسباب لهذا الظن الفاسد.
_________________
(١) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٨٠ رقم ١٥٢٢، والنسائي: ٣/ ٤٥، وأحمد في المسند: ٥/ ٢٤٥، ٢٤٧، وابن خزيمة في صحيحه: ١/ ٣٦٩ رقم ٧٥١، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٦/ ٣٠٤ رقم ٠٧٨٤٦
(٢) مدارج السالكين: ١/ ٧٨، وتجريد التوحيد المفيد للمقريزي ص: ٣٧ وهو منقول من ابن القيم بدون الإشارة إليه، وانظر ما يتعلق بالأدعية الواردة في طلب الإعانة على مرضاة الله في الاحتجاج بالقدر لابن تيمية: ٤٥ - ٤٨.
(٣) مدارج السالكين: ١/ ٧٨، وتجريد التوحيد المفيد: ٣٨ والفتاوى: ١٠/ ٦٧٢، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٩، والتدمرية: ٦٤.
(٤) كتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٩ - ١٧٠.
[ ١ / ١٥٤ ]
القسم الثالث:
له من نوع عبادة بلا استعانة، وهؤلاء نوعان: (^١)
أحدهما: القدرية القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل، فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطريق وإرسال الرسل وتمكينه من الفعل فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إياها، فهؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة ولكنهم لا يطلبون من الله الإعانة عليها، ولا يطلبون منه صلاح قلوبهم ولا هدايتها، فلهذا هم موكولون إلى أنفسهم، مسدود عليهم طريق الاستعانة.
النوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، فلم تنفذ قوى بصائرهم من السبب إلى المسبب، فضعفت عزائمهم، وقصرت هممهم، فقل نصيبهم من الاستعانة.
ومشكلة أهل هذا القسم أنهم ينظرون إلى جانب الأمر والنهي والعبادة شاهدين لإلهية الرب سبحانه الذي أمروا أن يعبدوه، ولا ينظرون إلى جانب القضاء والقدر، والتوكل والاستعانة. وهو حال كثير من المتفقهة والمتعبدة، فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله ولشعائره، يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان، لأن الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه والدعاء له هي التي تقوي العبد وتيسر عليه الأمور ولهذا قال بعض السلف: "من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله (^٢) " (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين: ١/ ٨١، وتجريد التوحيد المفيد: ٤٠، والفتاوى: ١٣/ ٣٢٣، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٧ - ١٦٨.
(٢) هذا الأثر قد روي مرفوعًا من طريق ضعيف رواه كذلك ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل ص: ٦٠ رقم ٩، والحاكم: ٤/ ٢٧٠، وضعفه الذهبي في تلخيصه، وانظر بقية الكلام على طرقه في تخريج الدوسري لكتاب التوكل لابن أبي الدنيا ص: ٦٠.
(٣) الفتاوي: ١٠/ ٣٢ - ٣٣، والتدمرية: ٦٤.
[ ١ / ١٥٥ ]
القسم الرابع:
من
لا يعبد الله تعالى، ولكنه يستعين به على أهوائه وحظوظ نفسه وشهواته، وأغراضه، ويطلبها منه، وينزلها، به فتقضى له، ويسعف بها، سواء كانت أموالًا أو رياسة أو جاهًا عند الخلق أو أحوالًا من كشف، وقوة، وتمكين، ولكن لا عاقبة له (^١)
وهؤلاء يشهدون ربوبية الله للخلق وافتقارهم إليه ويستعينون به غير ناظرين إلى الأمر والنهي ومرضاة الله ومحبته وغضبه، وهذا حال كثير من المتفقرة والمتصوفة.
وليس الكلام في الكفار والظلمة المعرضين عن الله فإن هؤلاء دخلوا في القسم الثاني الذين لا عبادة لهم ولا استعانة، ولكن الكلام في قوم عندهم توجه إلى الله وتأله ونوع من الخشية والذكر والزهد، ولكن يغلب عليهم التوجه بإرادة أحدهم وذوقه ووجده، لا بالأمر الشرعي وهم أصناف:
منهم المعرض عن التزام العبادات مع ما يحصل له من الشياطين من كشف له أو تأثير، وهؤلاء كثيرًا ما يسلبون أحوالهم، وقد يعودون إلى نوع من المعاصي والفسوق، بل كثير منهم يرتد عن الإسلام لأن العاقبة للتقوى، وهم لا تقوى لهم (^٢).
ومنهم من يقوم بالعبادات الشرعية الظاهرة كالصلاة والصيام والحج، وترك المحرمات، لكن في أعمال القلوب لا يلتزم الأمر الشرعي، بل يسعى لما يحبه ويريده والله تعالى قال: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠].
_________________
(١) مدارج السالكين: ١/ ٨٢، وتجريد التوحيد: ٤١، والفتاوي: ٣/ ١٢٥، وكتاب التوحيد مع إخلاص العمل ص: ١٦٨.
(٢) الفتاوى: ١٠/ ٣٣ - ٣٤، و١٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥.
[ ١ / ١٥٦ ]
وأبغض خلقه عدوه إبليس، ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها، ومتعه بها ولكن لما لم تكن عونًا له على مرضاته، كانت زيادة له في شقوته، وبعده عن الله، وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه، ولم يكن عونًا على طاعته، كان مبعدًا له عن مرضاته، قاطعًا له عنه، وذلك أن الله سبحانه يعطي السلطان والمال للبر والفاجر، فقد يعطي أحد هؤلاء تصرفًا إما بقهر عدوه، وإما بنصر وليه كما تعطي الملوك وقد يعطي نوعًا من له، المكاشفة إما بإخبار الجن له، وقد يعرف أنه من الجن وقد لا يعرف، وإما بغير ذلك (^١).
أنواع الدعاء باعتبار متعلقه الذي هو المدعو:
فالدعاء باعتبار تعلقه بالمدعو يتنوع إلى أربعة أنواع أيضًا وذلك لأن المدعو بدعاء المسألة يكون تارة هو المدعو بدعاء العبادة، فيكون هو المسؤول وهو المعبود معًا وهذا المدعو المسؤول إما هو الله أو غيره أو يختلفان، فهذه أربعة (^٢) أنواع وإليك تفصيلها:
١ - أن يعبد غير الله ويستعين به ويدعوه من دون الله تعالى، وهذا أشر الأقسام. وذلك كالذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك ويطلبون منهم الحاجات ويفزعون إليهم في النوائب.
٢ - أن يعبد الله ولكنه يستعين بغيره مثل كثير من أهل الدين يقصدون طاعة الله ورسوله، ولكن تخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم ورزقهم من الملوك والأغنياء والمشايخ، فيصرفون استعانتهم لهؤلاء ويرجونها منهم.
٣ - أن يستعين بالله ويدعوه ويخلص له في الدعاء والاستعانة ولكنه
_________________
(١) الفتاوى: ١٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥، ومدارج السالكين: ١/ ٧٩.
(٢) انظر في هذه الأنواع: كتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٠ - ١٦١، أو الفتاوى: ١/ ٣٦.
[ ١ / ١٥٧ ]
يعبد غيره كالذين يستعينون بالله ويعتمدون عليه ويسألونه ويلجأون إليه ولكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله، وغير اتباع دينه وشريعته. وهذا كما يحصل من المشركين الأوائل عند الشدائد حيث كانوا يدعون الله تعالى في الشدائد مع عبادتهم للأصنام في الرخاء.
٤ - أن لا يعبد إلا الله ولا يستعين إلا به ولا يدعو غيره وهم أهل التوحيد الخالص الذين أخلصوا دينهم الله.
ويتنوع الدعاء باعتبار المدعو أيضًا إلى أربعة أنواع أخرى وهي:
١ - أن يسأل الله تعالى فقط.
٢ - أن يسأل المخلوق فقط.
- أن يسألهما جميعًا.
٤ - أن يسأل سؤالًا مطلقًا ولا يعين فيه المسؤول.
وسيأتي (^١) ما يتعلق بهذه الأقسام من ناحية الحكم إن شاء الله تعالى.
أنواع المدعو به:
تدور مطالب جنس البشر وأمنياتهم وأدعيتهم وأسئلتهم على أربعة مطالب فهي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين:
الأول: خير موجود بالفعل، فهذا يطلب دوامه وثباته، وأن لا يسلب ولا يزول.
والثاني: خير، معدوم، فهذا يطلب وجوده، وحصوله ووقوعه.
والثالث: شر موجود بالفعل، فهذا يطلب رفعه وإزالته، أو تخفيفه على الأقل.
_________________
(١) سيأتي ص: ٤٨٣ - ٥١٦، وانظر الرد على البكري ٣٥ - ٣٦ و٥٥ و١٢١، وجلاء العينين: ٥٣٩ - ٥٤٠.
[ ١ / ١٥٨ ]
والرابع شر معدوم يخاف من وقوعه فهذا يطلب بقاؤه على العدم وأن لا يوجد.
وقد جاءت هذه المطالب الأربعة في قوله تعالى حكاية عن دعاء عباده في آخر آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾، فهذا الطلب لدفع الشر الموجود فإن الذنوب والسيئات شر، ثم قال: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ فهذا طلب لدوام الخير الموجود وهو الإيمان حتى يتوفاهم عليه فهذا قسمان.
ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ فهذا طلب للخير المعدوم أن يؤتيهم إياه، ثم قال: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فهذا طلب أن لا يوقع بهم الشر المعدوم وهو خزي يوم القيامة.
فانتظمت الآيتان المطالب الأربعة أحسن انتظام، مرتبة أحسن ترتيب، قدم فيها النوعان اللذان في الدنيا، وهما المغفرة، ودوام الإسلام إلى الموت، ثم أتبعا بالنوعين اللذين في الآخرة، وهما أن يعطوا ما وعدوه على ألسنة رسله وأن لا يخزيهم يوم القيامة (^١)
فهذه هي مطالب الإنسان التي يريدها ويتمناها ويسألها من ربه ولا تخرج مطالبه في الجملة عن هذه الأنواع الأربعة.
وقد تقدم لنا (^٢) أن الدعاء يطلق على الأنواع الأربعة، وأن الاستعاذة والاستجارة والاستغفار لا تطلق إلّا على جانب الشر، أي النوع الثالث والرابع، وأن اللياذ لا يطلق إلا على جانب الخير أي الأول والثاني عند بعض العلماء وعند البعض يُطلق على جانب الشر، وأما السؤال فيطلق في جانب الخير فقط.
_________________
(١) بدائع الفوائد: ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨، وطريق الهجرتين ص: ٥٥.
(٢) تقدم ص: ٨٨ - ٩٨.
[ ١ / ١٥٩ ]