قد تنوعت عبارات العلماء في بيان وشرح معنى العبادة الشرعي، ولكثرة تلك التعريفات نشير إلى بعضها:
١ - قال ابن كثير: "وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف" (^٢).
٢ - ونحوه قول شيخ الإسلام: "وهي اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته، وكمال الذل لله ونهايته، فالحب الخلي عن ذل، والذل الخلي عن
_________________
(١) معارج الألباب ص: ١٨٩.
(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٥.
[ ١ / ٦٣ ]
حب لا يكون عبادة وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين" (^١).
ونحوه قوله الآخر: "وعبادة الله وحده يدخل فيها كمال المحبة لله وحده، وكمال الخوف منه وحده، والرجاء له والتوكل عليه" (^٢).
ودلالة العبادة على المحبة ناتجة من أن آخر مراتب الحب هو التتيم، يقال: تَيم الله أي عبد الله فالمتيم المعبد لمحبوبه، ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له كما قد يحب ولده وصديقه (^٣).
وعرفها أيضًا بقوله: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة" (^٤).
٣ - وعرفها الرازي بقوله: "فهي فعل أو قول أو ترك فعل أو ترك قول، ويؤتى به لمجرد اعتقاد أن الآمر به عظيم يجب قبوله" (^٥)، وقال أيضًا: "عبارة عن الفعل الذي يؤتى به لغرض تعظيم الغير" (^٦).
٤ - وعرفها صالح بن مهدي المقبلي اليمني (ت ١١٠٨ هـ) بقوله: "الاعتراف بما ينبغي بالقول والفعل" ومن لازم الاعتراف الضراع (^٧).
٥ - وقال النعمي: "هي وقفك النفس على مطلوب حكم الله تركًا وعملًا واعتقادًا أو استعمال نفسك له وحده تركًا وعملًا واعتقادًا على مقتضى حكمه الطلبي" (^٨).
_________________
(١) الفتاوى: ١٠/ ١٩، ومنهاج السنة: ٣/ ٢٩٠.
(٢) التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى: ٥/ ٢٥١.
(٣) العبودية: ٤٤، وانظر مدارج السالكين: ١/ ٧٤.
(٤) العبودية: ٣٨.
(٥) تفسير الرازي: ٢٦/ ٢٣٩.
(٦) المرجع نفسه: ١/ ٢٤٦.
(٧) العلم الشامخ ص: ٤٨.
(٨) معارج الألباب ص: ١٨٨.
[ ١ / ٦٤ ]
٦ - وعرفها بعضهم بأنها: "ما أمر به شرعًا من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي" (^١).
وهذا التعريف ربما يفهم منه أنها خاصة بجانب الأمر فقط والصحيح أنها تشمل جانب الترك الذي هو النهي، والمأثور عن السلف وأهل اللغة تفسيرها بالطاعة فيدخل الأمران (^٢).
وفي بعض هذه التعريفات نظر لا يخفى ومناقشة هذه التعريفات تطول، وهناك تعريفات أخرى تدور حول هذه التعريفات المذكورة (^٣).
_________________
(١) الانتصار لحزب الله الموحدين ص: ٩، وتحفة الجليس: ٩٧، ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية: ٤/ ٥٠١، والهدية السنية ص: ٥.
(٢) مجموعة الرسائل النجدية: ٤/ ٥٠١.
(٣) من تلك التعريفات: أ - تعريف زكريا الأنصاري وقد بيّن فيه الفرق بين العبادة والطاعة والقربة بأن العبادة ما يثاب على فعله ويتوقف على نية، وأن الطاعة ما يثاب عليه وإن لم يتوقف على نية، وأن القربة كذلك إلا أنه بعد معرفة من يتقرب إليه. اهـ. حاشية ابن عابدين على الدر: ١/ ١٠٦. ب - تعريف القاضي ولعله القاضي أبو يعلى: "كل ما كان طاعة لله أو قربة إليه أو امتثالًا لأمره ولا فرق بين أن يكون فعلًا أو تركًا". اهـ. المسودة في أصول الفقه لآل تيمية ص: ٤٣. جـ - التعريف الذي حكاه الشيخ عبد اللطيف عن بعضهم: "هي فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله ابتغاء وجه الله والدار الآخرة. اهـ. تحفة الجليس: ٩٧. د - تعريف الشهاب علي البيضاوي بأنها: "فعل اختياري مناف للشهوات البدنية يصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله تعالى" نقله عنه المسائل النجدية: ٤/ ٨٤٨. هـ - تعريف الجرجاني: "فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيمًا لربه"، التعريفات للجرجاني: ١٤٦. و- تعريف محمد صديق حسن خان "ما أمر به الشارع من أفعال العباد وأقوالهم المختصة بجلال الله تعالى وعظمته". اهـ. الدين الخالص: ١/ ٢١٥.
[ ١ / ٦٥ ]
وأحسن هذه التعريفات هو ما قاله ابن كثير وابن تيمية رحمهما الله تعالى وذلك لأنه يمثل حقيقة العبادة ويبينها بأدق تعبير وأوجزه مع الشمول والإحاطة.
قال الشيخ يوسف القرضاوي في ترجيحه لتعريف شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهو ينظر إلى العبادة نظرة أعمق وأوسع فهو يحلل معناها إلى عناصره البسيطة، فيبرز إلى جوار المعنى الأصلي في اللغة وهو غاية الطاعة والخضوع عنصرًا جديدًا له أهمية كبرى في الإسلام وفي كل الأديان عنصرًا لا تتحقق العبادة - كما أمر الله - إلا به، وذلك هو عنصر الحب، فبغير هذا العنصر العاطفي الوجداني لا توجد العبادة التي خلق الله لها الخلق … " (^١).
فتبين بهذه التعريفات أن الدين كله داخل في مفهوم العبادة بدون استثناء، فعلى هذا فدعاء المسألة داخل في العبادة، وهو واحد من أفراد العبادة الكثيرة المتنوعة بل هو من أجلها وأما دعاء العبادة فهو والعبادة سيان كما هو واضح. ولبيان هذه الحقيقة لا بد من استعراض استعمال القرآن الكريم لهاتين الكلمتين في الأساليب المتنوعة، وقد تقدمت الإشارة إلى أنهما يتعاقبان على موضوع واحد أو على موضوعات متشابهة وإلى أنهما قد يردان في آية واحدة، ونورد بعض الأمثلة على ذلك ونقارن بعضهما ببعض على شكل مجموعات.