يقال عبد الله يعبده عبادة ومعبدًا ومعبدة وعبودة وعبودية خضع له
_________________
(١) = وحميد هذا هو الرؤاسي ثقة كما في التقريب رقم ١٥٥١، وتهذيب الكمال رقم ١٥٣١/ ٧، ويحيى بن أيوب هو المقابري البغدادي ثقة، كما في التقريب رقم ٧٥١٢. فالحديث رجال إسناده كلهم ثقات .. حديث أنس بن مالك: أخرجه الترمذي: ٥/ ٤٥٦ رقم ٣٣٧١، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٩ رقم ٨، والقشيري في الرسالة: ٢/ ٥٢٦. بلفظ: "الدعاء مخ العبادة". والحديث ضعيف لأن فيه ابن لهيعة وليس من طريق العبادلة. وقد ضعفه الألباني "ضعيف الجامع: ٣/ ١٥٨ رقم ٣٠٠٣"، ولكنه يصلح في الشواهد. حديث ابن عباس: أخرجه الحاكم: ١/ ٤٩١، بلفظ: "أفضل العبادة هو الدعاء وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ". وصححه الحاكم حيث ذكر حديث النعمان بن بشير ثم قال: ولهذا الحديث شاهد بإسناد صحيح عن عبد الله بن عباس فذكر طريقين فيهما ضعف ولكن يقوي أحدهما الآخر، وقد وافق الذهبي الحاكم وحسنه الألباني في الصحيحة: ٤/ ١٠٦ رقم ١٥٧٩. حديث أبي هريرة: أخرجه ابن عدي في الكامل: ٥/ ١٧٤٣ بلفظ: "أفضل العبادة الدعاء قال الله ﷿: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ … عَنْ عِبَادَتِي﴾ عن دعائي" وقد ضعفه ابن عدي بعمران القطان. وهذه الشواهد يقوي بعضها بعضًا، وبها يتقوى حديث النعمان بن بشير ﵄ مع أنه صحيح لذاته والله أعلم.
(٢) انظر في هذا تهذيب اللغة: ٢/ ٢٣٤، والصحاح: ٢/ ٥٠٣، والمخصص: ١٣/ ٩٦، ولسان العرب: ٥/ ٢٧٧٨، وتاج العروس: ٨/ ٣٣١ ط الكويت، ومعاني =
[ ١ / ٥٩ ]
وذل له وأطاعه، وتأله له وتنسك.
فالعبادة والعبودة، والعبودية: الخضوع والتذلل، والطاعة والانقياد، والتأله والتنسك، يقال: طريق معبد أي مذلل وطئته الأقدام وذللته.
قال طرفة بن العبد (^١):
تُبَارِي عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ وَأَتْبَعَتْ … وَظِيْفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ مُعَبَّد (^٢)
يعني بالمور الطريق، وبالمعبد المذلل الموطوء، ومن ذلك قيل للبعير المذلل بالركوب في الحوائج: معبد، كما يقال أيضًا للبعير المَهْنُوء بالقَطِرَان: معبد.
قال طرفة بن العبد أيضًا:
إِلى أَنْ تَحَامَتْنِي العشيرةُ كُلُّها … وأُفْرِدتُ إِفْرادَ البعير الْمُعَبَّدِ (^٣)
وإنما قيل: معبد للبعير المهنوء بالقطران لأنه يتذلل لشهوته القطران فلا يمتنع.
وذكر ابن فارس أن هذه المادة تدل على أصلين كأنهما متضادان:
_________________
(١) = القرآن للزجاج: ١/ ٤٨، والمفردات ص: ٣١٩، وتفسير ابن جرير الطبري: ١/ ٦٩، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٥، وتفسير البغوي: ١/ ٤١، ومدارج السالكين: ١/ ٧٤.
(٢) هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد صاحب إحدى المعلقات السبعة، البداية: ٢/ ٢٠٤.
(٣) ديوان طرفة ص: ١٣ ونسب إلى طرفة في المصادر السابقة أيضًا، قال الأعلم الشنتمري في شرحه للبيت: المباراة في السير أن يفعل هذا مثل ما يفعل الآخر، أي تباري هذه الناقة بسيرها إبلًا عتاقًا، والعتاق الكرام البيض والناجيات السراع، والوظيف من الرسغ إلى الركبة وفي الرجل من الرسغ إلى العرقوب أي أتبعت هذه الناقة وظيف رجلها وظيف يدها، أو وضعت وظيف رجلها موضع وظيف يدها وهو ضرب من السير … اهـ، شرح الأعلم مع الديوان ص: ١٣.
(٤) ديوان طرفة مع شرح الأعلم ص: ٣١ وقبله: وما زال تَشْرابِي الخمورَ ولَذَّتِي … وبَيْعِي وإِنْفَاقي طَرِيْفي ومَتْلَدِي
[ ١ / ٦٠ ]
أحدهما اللين والذل، والآخر الشدة والغلظ، فمن الأول العبد المملوك، والبعير المعبد، والطريق المعبد، ومن الثاني العَبَدَة وهي القوة والصلابة، يقال: هذا ثوب له عَبدَة إذا كان صفيقًا قويًا (^١). هذا ومن استعمال العبادة بمعنى الطاعة والانقياد قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [يس: ٦٠] أي لا تطيعوه، وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]، أي مطيعون متذللون لنا يدينون لنا والعرب تسمي كل من دان للملك عابدًا له (^٢).
فتحصل مما سبق أن العبادة في اللغة الخضوع والتذلل، والطاعة، وهل تطلق العبادة على كل خضوع وتذلل أو كل طاعة أم هناك تقييد؟.
قال الزجاج: "ومعنى العبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع" (^٣) فقيد الطاعة بالخضوع.
وقال ابن سيده: "وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة، طاعة كان للمعبود أو غير طاعة، وكل طاعة لله على جهة الخضوع والتذلل فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والفهم والسمع والبصر" (^٤).
فعلى هذا لا يقال كما قال الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٥ هـ): "عبد يعبد عبادة إلا لمن يعبد الله وأما عبدٌ خَدَمَ مولاه فلا يقال عبده" (^٥).
وأيد عدم الإطلاق إلا في حق الله تعالى الزمخشري وتبعه الصنعاني
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة: ٤/ ٢٠٥.
(٢) تفسير ابن جرير: ١٨/ ٢٥.
(٣) معاني القرآن: ١/ ٤٨، وتهذيب اللغة: ٢/ ٢٣٤.
(٤) المخصص لابن سيده: ١٣/ ٩٦.
(٥) العين: ٢٠/ ٤٨، والتهذيب: ٢/ ٢٣٥، واللسان: ٥/ ٢٧٧٦، وتاج العروس: ٨/ ٣٣١ ط. الكويت.
[ ١ / ٦١ ]
فإنه قال في تعريف العبادة: "والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل … ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى لأنه مولى أعظم النعم، فكان حقيقيًا بأقصى غاية الخضوع" (^١).
كما يؤيد ذلك أيضًا كلام الراغب الأصفهاني حيث قال: "العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى" (^٢).
ولكن الراغب لم ينف الاستعمال اللغوي، وإنما نفى الاستحقاق. وقد ذهب إلى قريب من تعريف الزمخشري الشيخ محمد رشيد رضا تبعًا لشيخه محمد عبده حيث قال: "ضَرْبٌ من الخضوع بالغٌ حَدَّ النهاية، ناشئٌ عن استشعارِ القلب عظمةً للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقادِه بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيتها، وقُصَارَى ما يعرفه منها أنها محيطة به، ولكنها فوق إدراكه" (^٣). وقريب من هذا تعريف الشيخ عبد الرحمن المعلمي بأنها الخضوع طلبًا للنفع الغيبي (^٤) وقال في كتابه العبادة: خضوع اختياري يطلب به نفع غيبي فإن كان الله زيد "بسلطان" وإن كان لغيره زيد "بغير سلطان" (^٥).
_________________
(١) الكشاف: ١/ ١٠، وتطهير الاعتقاد ص: ١١.
(٢) المفردات ص: ٣١٩.
(٣) تفسير المنار: ١/ ٤٨، وله تعريف قريب من هذا حيث قال: "وأدق تعريف لها أن يقال: هي كل قول وعمل بدني أو نفسي يوجه ويتقرب به إلى من يعتقد فاعله أن له قدرة على النفع ودفع الضر فوق الأسباب التي يقدر عليها البشر إما بذاته كالخالق تعالى وإما بالوساطة والتأثير عنده تعالى" ذكره في تعليقه على مجموعة الرسائل: ٤/ ٥٢٥، وله تعريف آخر أيضًا في تعليقه على مجموعة الرسائل: ٤/ ٨٤٨، وتعريف آخر في هامش صيانة الإنسان ص: ٢٢٧ وكلها تدول حول ملاحظة السلطة الغيبية في العبادة.
(٤) القائد إلى تصحيح العقائد ص: ١٠٥ و١٠١.
(٥) العبادة: ل ٤٨٠.
[ ١ / ٦٢ ]
فعلى هذا لا تطلق العبادة إلا باعتبار الاعتقاد بالسلطة الغيبية، وأما الخضوع بغير اعتقاد للسلطة الغيبية للمخضوع له فليس بعبادة ويفهم من هذا أن العبادة لا تطلق في حق المخلوق، فهذا القول يعكر عليه ما ورد من إطلاق العبادة في حق المخلوق نحو قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨]، وقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]، ويمكن الإجابة عن هذا بأن الأصل أن لا تستعمل إلا في حق الله تعالى، أو أنه لا يستحقها إلّا هو، كما هو نص عبارة ابن سيده والراغب المتقدمتين.
وأما إذا استعملت في غير حق الله تعالى فلاعتقاد العابد السلطة الغيبية لمعبوده فصار إلهه ومعبوده، وكأنه مولى أعظم النعم، فلهذا صرف له ما لا يصرف إلا لذي السلطة القاهرة الغيبية الذي هو العبادة فتحصل من هذا أن قول الزمخشري أن العبادة لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى لا يستقيم إلا على إرادة أصل الاستعمال أو إرادة الاستحقاق، أو يقال: إنه لاحظ المعنى الشرعي ولم يلاحظ الاستعمال اللغوي وقد أشار إلى هذا الوجه الأخير الشيخ حسين بن مهدي النعمي (^١).