الذكر في أصل اللغة: "الحفظ للشيء، وعدم نسيانه، وجري الشيء على اللسان" (^١)، وقيل: "أصل الذكر في اللغة التنبيه على الشيء، ومن ذكَّرك شيئًا فقد نبهك عليه وإذا ذكَّرته فقد نبهته عليه" (^٢).
_________________
(١) تهذيب اللغة: ١٠/ ١٦٢، واللسان: ٣/ ١٥٠٧، وتاج العروس: ٣/ ٢٢٦.
(٢) نقل هذا القول النووي عن الواحدي في تهذيب الأسماء واللغات: ٣/ ١١١.
[ ١ / ٧١ ]
وأما في الشرع: فقد ورد إطلاق الذكر على أمور: قال بعضهم:
إن الذكر يطلق على الصلاة، وقراءة القرآن، والتسبيح، والدعاء، والشكر، والطاعة (^١).
وزاد بعضهم غير هذه الأمور مما ورد إطلاق لفظ الذكر عليه في الكتاب والسنة (^٢).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي (^٣): "وإذا أطلق ذكر الله شمل كل ما يقرب العبد إلى الله من عقيدة، أو فكر، أو عمل قلبي، أو عمل بدني، أو ثناء على الله، أو تعلم علم نافع وتعليمه، ونحو ذلك فكله ذكر لله تعالى" (^٤).
وهذه الأمور التي أشار إليها السعدي تتنوع إلى خمسة أنواع ويطلق على كلها الذكر وهي:
١ - ذكر أسماء الرب ﵎ وصفاته والثناء عليه بها وتنزيهه إما إنشاءً أو إخبارًا.
٢ - ذكر أمره ونهيه، وأحكامه إخبارًا أو امتثالًا.
٣ - ذكره بكلامه الذي أنزله وتعبدنا بتلاوته.
_________________
(١) نقل هذا القول عن أبي العباس - ولعله الزجاج - كما في تهذيب اللغة: ١٠/ ١٦٣.
(٢) نقل القاضي عياض عن الحربي أنه قال: للذكر ستة عشر وجهًا: الطاعة، وذكر اللسان، وذكر القلب، والإخبار، والحفظ، والعظمة، والشرف والخير، والوحي، والقرآن، والتوراة، واللوح المحفوظ، واللسان، والتفكر، والصلوات، وصلاة واحدة، وزاد القاضي عياض أيضًا فقال: "وقد جاء بمعنى التوبة، وبمعنى الغيب، وبمعنى الخطبة". اهـ. مشارق الأنوار: ١/ ٢٦٩.
(٣) هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر التميمي علامة القصيم، مفسر، محدث، لغوي، أصولي، فقيه توفي عام ١٣٧٦ هـ، يراجع في ترجمته رسالة الشيخ عبد الرزاق ابن الشيخ عبد المحسن العباد ومعجم المؤلفين: ١٣/ ٣٩٦.
(٤) الرياض النضرة ص: ٢٤٥.
[ ١ / ٧٢ ]
٤ - ذكر آلائه وإحسانه وأياديه ومواقع فضله.
٥ - ذكره بدعائه واستغفاره والتضرع إليه (^١).
إذا عرفنا هذه الأنواع - نستطيع أن نقول -: إن دعاء المسألة هو النوع الأخير الذي هو ذكره بدعائه، واستغفاره، ومع هذا فقد ورد في أحاديث كثيرة إطلاق الدعاء على الذكر الأعم من معنى دعاء المسألة. ومن تلك الأحاديث:
قوله ﷺ: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له … " (^٢).
وقوله ﷺ فيما رواه جابر بن عبد الله ﵄: "أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله" (^٣).
_________________
(١) الوابل الصيب: ١٧٨ - ١٨١، ومدارج السالكين: ٢/ ٤٣٠، وسفر السعادة للفيروز أبادي ص: ١٥٢ وكأنه نقل كلام ابن القيم، وشرح حديث العلم لابن رجب: ١٧ - ٢١، وقواعد الأحكام ٢/ ١٧٠، وفيه ذكر مراتب هذه الأنواع من الأذكار، وانظر الفتاوى: ١٠/ ٦٦١.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلًا: ١/ ٤٢٢ رقم ٢٤٦. وقد قال ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، ولا أحفظ بهذا الإسناد مسندًا من وجه يحتج بمثله، وقد جاء مسندًا من حديث علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص، انظر التمهيد: ٦/ ٣٩، وقد وصل هذا المرسل ابن عدي في الكامل: ٤/ ١٦٠٠ من طريق عبد الرحمن بن يحيى المدني عن مالك، وقال ابن عدي: وهذا منكر عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة لا يرويه عنه غير عبد الرحمن بن يحيى هذا، وعبد الرحمن غير معروف، وقد أشار ابن عبد البر في كلامه السابق إلى شواهده عن علي وابن عمرو، وهناك شاهد آخر عن المطلب بن عبد الله بن حنطب مرسلًا، وقد ذكر الألباني هذه الشواهد وما فيها من الكلام، ثم قال: وجملة القول: إن الحديث ثابت بمجموع هذه الشواهد. الصحيحة: ٤/ ٦ رقم ١٥٠٣، وقال في صحيح الجامع: حسن: ١/ ٣٦٢ رقم ١١١٣.
(٣) أخرجه الترمذي: ٥/ ٤٦٢ رقم ٣٣٨٣، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص: ٤٨٠ رقم ٨٣١، وابن ماجه: ٢/ ١٢٤٩، والحاكم: ١/ ٤٩٨، وقال صحيح الإسناد وأقره الذهبي، ومدار الحديث على موسى بن إبراهيم. قال الحافظ: "ولم =
[ ١ / ٧٣ ]
ومن ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يدعو عند الكرب يقول: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم" (^١).
وحديث سعد بن أبي وقاص رفعه: "دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله تعالى له" (^٢).
وقد أجاب عدة علماء عما يبدو في الظاهر من إشكال في إطلاق الدعاء على الذكر والثناء في هذه الأحاديث السابقة، ومن العلماء الذين أجابوا عن ذلك:
أ - سفيان بن عيينة، فقد سئل عن دعاء يوم عرفة فقال: إنما هو ذكر، وليس فيه دعاء، ثم قال: أما علمت قول الله ﷿ حيث يقول: إذا شغل عبدي ثناؤه علي عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (^٣).
_________________
(١) = أقف في موسى على تجريح ولا تعديل إلا أن ابن حبان ذكره في الثقات وقال: يخطئ وهذا عجيب منه لأن موسى مقل، فإذا كان يخطئ مع قلة روايته فكيف يوثق ويصحح حديثه؟، فلعل من صححه أو حسنه تسمح لكون الحديث من فضائل الأعمال"، نتائج الأفكار: ١/ ٥٩ وعنه في إتحاف السادة للزبيدي: ٥/ ٥٢، وقد حسن الحديث الألباني في الصحيحة: ٣/ ٤٨٤، وصحيح ابن ماجه: ٢/ ٣١٩.
(٢) أخرجه البخاري انظر الفتح: ١١/ ١٤٥ رقم ٦٣٤٥، ٦٣٤٦، ومسلم: ٤/ ٢٠٩٢ رقم ٢٧٣٠.
(٣) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥٢٩ رقم ٣٥٠٥، وأحمد في المسند: ١/ ١٧٠، والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم ٦٥٦، والحاكم في المستدرك: ١/ ٥٠٥ و٢/ ٣٨٣ وقال صحيح الإسناد وأقره الذهبي وحسنه الحافظ ابن حجر كما في الفتوحات الربانية: ٤/ ١١، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٣/ ١٤٥ رقم ٣٣٧٨، وتخريج الكلم الطيب رقم ١٢٢ ص ٧٤.
(٤) قد روي هذا الحديث من طريق عمر بن الخطاب وجابر وحذيفة وأبي سعيد وابن عمر وروي مرسلًا عن عمرو بن مرة كما روى عن مالك بن الحويرث موقوفًا. وسيأتي تخريج هذه الطرق في ص ٣٨٥ إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٧٤ ]
قال: هذا تفسيره ثم قال: أما علمت قول أمية (^١) بن أبي الصَّلت حين أتى ابن جدعان (^٢) يطلب نائله وفضله:
أأطلب حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضه الثناء (^٣)
قال سفيان ﵀، هذا مخلوق حين ينسب إلى أن يكتفى بالثناء عليه فكيف بالخالق ﵎؟ (^٤). فعلى هذا القول إن الذكر ليس طلبًا ولكنه تعرض للنوال والعطاء.
ب - وقد ذهب ابن تيمية وابن القيم إلى أن الثناء نفسه يعد نوعًا من أنواع الطلب وذلك لأن الثناء يتضمن الطلب فقد سمى النبي ﷺ: الحمد دعاء، في حديث: "وأفضل الدعاء الحمد لله" مع أن الحمد: "ثناء
_________________
(١) أمية بن أبي الصلت عبد الله بن أبي ربيعة أبو عثمان وأبو الحكم، الثقفي، شاعر جاهلي أدرك الإسلام، وكاد أن يسلم، انظر البداية: ٢/ ٢٠٥ - ٢١٣.
(٢) وابن جدعان هو عبد الله بن جدعان أحد الكرماء الأجواد الممدوحين المشهورين وهو جاهلي أيضًا وكان له جفنة يأكل الراكب منها وهو على بعيره من عرض حافتها وكثرة طعامها. اهـ. البداية: ٢/ ٢٠٢ - ٢١٣.
(٣) ديوان أمية بن أبي الصلت ص: ٣٣٣ - ٣٣٤، والتمهيد لابن عبد البر: ٦/ ٤٤، وشأن الدعاء ص: ٢٠٧، والبداية: ٢/ ٣١٣، وهناك رواية أخرى: حباؤك إن شيمتك الحباء، كما أن هناك عدة أبيات بين هذين البيتين منها: وعلمك بالأمور وأنت قرم … لك الحسب المهذب والثناء كريم لا يغيره صباح … عن الخلق السني ولا مساء إلى أن يقول: إذا أثنى عليك المرء يومًا … إلخ.
(٤) التمهيد لابن عبد البر: ٦/ ٤٣ - ٤٥، وشأن الدعاء للخطابي ص: ٢٠٦ - ٢٠٧، وفيه قول السائل لابن عيينة بعد ذلك، لما سألت سفيان ﵀ عن هذا، فكأني إنما سألته عن آية من كتاب الله لأني لم أدع كبير أحد بالعراق إلا سألته عنه، فما فسره لي كما فسر ابن عيينة، وانظر أيضًا: شرح مسلم للنووي: ١٧/ ٤٨، وفتح الباري: ١١/ ١٤٧، والمنهاج للحليمي: ١/ ٥٣٧ - ٥٣٨، والفتاوى: ١٠/ ٢٤٥، وتحفة الجليس ص: ٩٩.
[ ١ / ٧٥ ]
محض، لأن الحمد متضمن الحب والثناء، والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فالحامد طالب للمحبوب فهو أحق أن يسمى داعيًا من السائل الطالب، فنفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب، فهو دعاء حقيقة، بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه" (^١).
جـ - وعلل أبو إسحاق الزجاج تسمية الذكر والثناء دعاء، بأن الدعاء معناه النداء، فالإنسان يصدر في الذكر والثناء بالنداء كأن يقول: يا الله لا إله إلا أنت، ويقول: ربنا لك الحمد، إذا قال هذا فقد دعاه أولًا ثم أتى بالثناء والتوحيد (^٢).
د - وعلل العز بن عبد السلام ذلك بقوله: لما كان الذكر يترتب عليه ما يترتب على الدعاء شابه الدعاء فسمي به (^٣).
هـ - وقال الخطابي: إن الداعي يفتتح دعاءه بالثناء على الله سبحانه ويقدمه أمام مسألته، فسمى الثناء دعاء، إذ كان مقدمة له وذريعة إليه على مذهبهم في تسمية الشيء باسم سببه (^٤).
و- وقال محب الدين الطبري (^٥) في حديث دعاء عرفة: "معناه أفضل ما يستبدل به عن الدعاء يوم عرفة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له" (^٦).
ز - وعلل الدهلوي ذلك فقال: "وسر قوله ﵇: "أفضل
_________________
(١) الفتاوى: ١٥/ ١٩، وبدائع الفوائد: ٣/ ٩ - ١٠.
(٢) معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٢٥٥، وعنه في تهذيب اللغة للأزهري: ٣/ ١١٩، ولسان العرب: ٣/ ١٣٨٥.
(٣) انظر الأجوبة القاطعة لحجج الخصوم للأسئلة الواقعة في كل العلوم الورقة ٧٤ ل أ، والقرى لقاصد أم القرى ص: ٣٩٧، وذكر صاحب اللسان: ٣/ ١٣٨٥ أن التهليل والتحميد والتمجيد سمي دعاء لأنه بمنزلته في استيجاب ثواب الله وجزائه. اهـ.
(٤) شأن الدعاء ص: ٢٠٦، والقرى لقاصد أم القرى ص: ٣٩٧، وشرح النووي: ١٧/ ٤٧.
(٥) هو أحمد بن عبد الله بن محمد أبو العباس المكي شيخ الحرم، وحافظ الحجاز بلا مدافعة (ت ٦٧٤ هـ)، تذكرة الحفاظ: ٤/ ١٤٧٤، وطبقات الشافعية: ٨/ ١٨.
(٦) القرى لقاصد أم القرى ص: ٣٩٨.
[ ١ / ٧٦ ]
الدعاء الحمد لله" أن الدعاء على قسمين: والحمد لله يفيدهما جميعًا، فإن الشكر يزيد النعمة ولأنها معرفة ثبوتية" (^١).
هذا حاصل ما أجاب به العلماء عن إطلاق الدعاء على الذكر ولكن هذين الوجهين الأخيرين لا ينطبقان على كل الأحاديث التي ورد فيها إطلاق الدعاء على الذكر فهما خاصان ببعضها، فالأجوبة الأولى هي الأقوى والأقوم.