قد ذكرنا أن الدعاء ينقسم إلى دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وهذا
_________________
(١) حجة الله البالغة: ٢/ ٧٤.
(٢) بدائع الفوائد: ٣/ ٢، والفتاوى: ١٥/ ١٠.
(٣) بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨.
[ ١ / ١١٥ ]
التقسيم معناه أن الدعاء يراد به تارة دعاء المسألة، وتارة دعاء العبادة، وليس معنى هذا أنهما متضادان بحيث أنه لا يدل إلا على النوع الذي أريد به، بل معناه أنه في تلك الحالة دلالته على أحد النوعين أظهر، ويدل على النوع الآخر إما بدلالة الالتزام (^١) أو بدلالة التضمن، وعلى النوع الذي يكون فيه أظهر بدلالة المطابقة.
فإذا أريد به المسألة والطلب يدل على العبادة بطريق التضمن (^٢) لأن الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله، ورغبته، والتضرع إليه، والابتهال إليه، والانطراح بين يديه، وهو يرجو قبول دعوته، وقضاء حاجته، وهو مع ذلك خائف من طرده، وعدم قبول دعوته، فهذا هو لب العبادة ومخها وروحها وحقيقتها. فالآيات التي ورد فيها الدعاء مرادًا به دعاء المسألة - تدل هذه الآيات بطريق التضمن على دعاء العبادة -.
وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام (^٣) وذلك لأن العابد لله تعالى كالذي يذكر الله مثلًا فهو في الحقيقة سائل وإن كان لا يأتي بلفظ السؤال كالذي يطوف على بعض الأبواب والأسواق ليدعو الناس يكون سائلًا وإن حذف لفظ السؤال (^٤).
فالعابد لله سبحانه سائل لله تعالى، يسأله الفوز بالجنة، والنجاة من النار، فإنه يعبد الله خوفًا من عقابه، وطمعًا في رحمته، ولا يخلو العابد في قرارة نفسه من الخوف والرجاء، لا كما يزعمه بعض المتصوفة "إنه
_________________
(١) دلالة اللفظ على تمام ما وضع له تسمى مطابقة، وعلى جزئه تضمنًا، وعلى الخارج التزامًا، قال صاحب السلم: دلالة اللفظ على ما وافقه .. يدعونها دلالة المطابقة، وجزئه تضمنًا وما لزم .. فهو التزام إن يعقل التزم. اهـ. إرشاد الفحول ص: ١٧، وسلم المنورق ضمن مجموع المتون: ٢٧٣، ومنهاج السنة: ٥/ ٤٥٢ - ٤٥٤.
(٢) مجموع الفتاوى: ١٥/ ١٠، ١٠/ ٢٤٣، وجلاء الأفهام ص: ٨١.
(٣) الفتاوى: ١٥/ ١١، بدائع الفوائد: ٣/ ٣، ونحوه في اقتضاء الصراط: ٤١١.
(٤) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي: ١/ ٥٣٧.
[ ١ / ١١٦ ]
يعبد الله لا خوفًا من النار ولا طمعًا في الجنة وإن هذا المقام نقص، وإنما الكمال في عبادة الله لذاته" (^١) وهذا باطل مخالف لنصوص الكتاب والسنة ولواقع عباد الله الصالحين من الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة.
ولهذا فالعبادة تستلزم السؤال والطلب، فإذا أريد من الدعاء دعاء العبادة فإنه يدل على دعاء المسألة استلزامًا.
فالعابد لا بد أن يطلب غرضًا ما عاجلًا أو آجلًا، فلا يخلو في قرارة نفسه من رغبة أو رهبة.
وبما تقدم تبين أن نوعي الدعاء متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، فحيث ذكر أحدهما دخل معه الآخر إما تضمنًا وإما التزامًا، وبهذا التقرير يندفع ما يردده بعض المخالفين من أن الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله - المراد بها العبادة فقط وليس المراد بها السؤال والطلب فلا يدخل فيها طلب الشفاعة من الأموات والتوسل بهم بل ولا دعاؤهم والاستغاثة بهم والهتاف باسمهم من مسافات بعيدة، هكذا زعموا وأولوا كل الآيات التي فيها التحذير من دعاء غير الله تعالى - بالعبادة. ولم يقتصروا على هذا فقط، بل ضيقوا معنى العبادة حيث إن مفهومها عندهم لا يشمل إلا السجود والركوع ونحو ذلك، وأما الدعاء والاستغاثة، والنذر، والذبح، وما إلى ذلك فليست داخلة في العبادة، هكذا زعموا وهذا الزعم الذي زعموه ستأتي مناقشته (^٢) إن شاء الله تعالى.