يقال: لاذ به يلوذ لوذًا ولواذًا ولياذًا إذا لجأ إليه، وعاذ به واستتر به واحتصن به واستغاث به (^١)، هذا كلام علماء اللغة وهو يدل على أن مفهوم اللياذ ومفهوم الاستعاذة شيء واحد، لكن ذهب ابن كثير إلى تغايرهما وقَوَّى ذلك بشاهد من شعر المتنبي، قال ابن كثير (^٢): "العياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب جلب الخير، كما قال المتنبي:
يا من ألوذ به فيما أومله … ومن أعوذ به ممن أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره … ولا يهيضون عظمًا أنت جابره" (^٣)
فيدل هذا البيت الأول على أن العياذة في جانب دفع المضار، واللياذ في جانب جلب المسار، لكن المتنبي ليس حجة لكونه في العصر العباسي الثاني إذ ولادته في عام ٣٠٣ هـ وتوفي سنة ٣٥٤ هـ.
وممن صرح باتحاد مفهوم اللياذة والعياذة العز بن عبد السلام فإنه قال: "الإعادة واللياذة بمعنى واحد وهو الاستجارة بذي سلطان من مكروه" (^٤).
فجعل اللياذة لدفع الشر كالعياذة ويؤيده تفسير اللغويين لليّاذة بالاستعاذة كما تقدم، ويمكن أن يقال: إن التفريق بينهما إنما يكون عند
_________________
(١) الصحاح: ٢٢/ ٥٧٠، والنهاية: ٤/ ٢٧٦، واللسان: ٧/ ٤٠٩٧.
(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ١٥.
(٣) البيت في ديوان المتنبي مع شرح البرقوقي: ٢/ ٢٧٢ وهي من قصيدة يمدح فيها جعفر بن كيغلغ، والرد على البكري: ٢٨٨ بدون نسبة إليه، ونسبه في شفاء العليل ص: ٥٠٤ إلى أحمد بن حسين الكندي وهو المتنبي. والهيض: الكسر بعد جبور العظم وهو أشد ما يكون من الكسر. اهـ. اللسان: ٨/ ٤٧٣٦، وفي الديوان بعد البيت الأول ومن توهمتُ أن البحر راحته .. جودا وإن عطاياه جواهره … لا يجبر البيت.
(٤) الفوائد في مشكل القرآن ص: ١.
[ ١ / ٩٢ ]
الاجتماع لا عند الافتراق.
هذا ومما ينبغي أن يعلم أن قائل هذين البيتين قد ارتكب خطأً فاحشًا لأنه صرف لب التجائه واعتصامه لغير الله تعالى.
وقد أنكر العلماء هذين البيتين، وشنعوا على قائلهما وبينوا أنهما لا يليقان إلا بجناب الله تعالى حتى إن بعضهم كان يقول عن نفسه: "ربما قلت هذين البيتين في السجود، أدعو الله بما تضمناه من الذل والخضوع" (^١).