من أهم آداب الدعاء أن يكون الداعي مجتنبًا للتلبس بالحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذية فلهذا ينبغي له أن يتحرى ويجتهد إذا أراد أن يكون مجاب الدعوة، في أن يكون متلبسًا بالحلال أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذية.
فللحلال سر عجيب في قبول الأعمال عند الله تعالى ..
كما أن للحرام منعًا وسدًا وشؤمًا على متناوله، ومن ذلك رد طاعته، وعدم قبول الأعمال، ومن الأعمال المهمة التي ترد بالتلبس بالحرام الدعاء، فقد جاء ذلك مصرحًا في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل
_________________
(١) كتاب الحوادث والبدع ص: ١٢١، والدعاء المأثور ص: ١٤٦.
(٢) شأن الدعاء للخطابي ص: ١٤.
(٣) هذا الأدب دلت عليه الأدلة المذكورة ومع ذلك نشير إلى من ذكر أنه من آداب الدعاء وذلك للاستئناس بأقوال العلماء وكذلك نفعل فيما يأتي من الآداب فمن العلماء الذين ذكروا هذا الأدب الطرطوشي وقال: ولعله من شروطه كما في الأزهية ص: ٧١، والدعاء المأثور ص: ٥٧، والقرطبي في الجامع: ٢/ ٣١١ وجعله من شروط الداعي، وابن الجزري في عدة الحصن مع التحفة ص: ٤٣ وجعله آكد الآداب.
[ ١ / ١٨٣ ]
يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك" (^١).
وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وإن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله وذكر الدعاء كمثال على العمل الصالح الذي لا يقبل مع الحرام وإن أكل الحرام وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لعدم إجابة الدعاء (^٢).
وفي الحديث أيضًا الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء بالحلال لمن أراد الدعاء أكثر من غيره (^٣).
وهذا الذي ذكر من أن التلبس بالحلال من أسباب الإجابة كما أن التلبس بالحرام يمنع من الإجابة، ليس معناه أن هذا لازم في كل دعاء وأنَّه لا يقبل أي دعاء إلا ممن يأكل الحلال، وإنما هذا إشارة إلى أن هذا هو الدعاء الأقرب إلى الإجابة وإلى هذا المعنى أشار في الحديث بقوله: "فأنى يستجاب له" أي "كيف يستجاب له فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد وليس صريحًا في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية، فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه" (^٤).