ومما ينبغي أن يعلم أنه يجب الاعتناء بمعرفة معاني الأسماء الشرعية، وتعريفاتها وما أراد الشارع منها.
فإن بيّن الشارع مراده منها يجب معرفة ذلك البيان والالتزام به وإن كان مما هو معروف لدى أهل اللغة العربية فينبغي معرفة معناه في لغتهم أو عرفهم (^١).
وذلك لأن معرفة الأسماء الشرعية من معرفة حدود ما أنزل الله تعالى، وقد ذم الله تعالى من لا يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله فقال: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧].
ثم إن تلك المعرفة يتعلق بها قيام مصالح الناس (^٢) ليتعاملوا على أساسه حتى لا تختلط المفاهيم، وتتضارب الاصطلاحات.
_________________
(١) الأسماء الشرعية منها ما بيّنه الشارع كالصلاة والزكاة والخمر، ومنها ما هو معروف باللغة كالشمس والقمر، ومنها ما يرجع إلى عرفهم كالبيع والنكاح. انظر في هذا: الفتاوى: ١٩/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٢) انظر الانتصار لحزب الله الموحدين لأبا بطين: ٢١ - ٢٢.
[ ١ / ٥١ ]
هذا في الأسماء الشرعية العامة، وأما في الأسماء الشرعية الأصولية الاعتقادية التي يسبب عدم معرفتها الضلال في الدين وربما يؤدي إلى الخروج عن الإسلام جملة.
ففي هذه الأسماء يجب الاعتناء أكثر، حتى تتضح معالم الدين والتوحيد، ومعالم الشرك وذرائعه، ووسائله، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
فلهذا فإني سأتعرض لشرح معنى بعض الأسماء التي تشترك مع الدعاء في المفهوم، ولها دلالة على معنى الدعاء.
لكلمة الدعاء نظائر، وأخوات، في اللغة، والاستعمال، تستخدم استخدام كلمة الدعاء وترد بمعناها، أو ببعض معناها، وقد تتعاقب مع الدعاء في موضوعات متشابهة، وبين تلك الكلمات وبين كلمة الدعاء اشتراك ومناسبة، وقد تكون تلك النسبة ترادفًا (^١)، وقد تكون عمومًا وخصوصًا من وجه (^٢)، وقد تكون عمومًا وخصوصًا مطلقًا (^٣)، وهذه الكلمات ترد في ثنايا هذه الرسالة مرارًا وتكرارًا، والبحث والتنقيب عن هذه الكلمات، والكشف عن معانيها، وعلاقتها بالدعاء، يزيد معنى الدعاء وضوحًا وبيانًا ويزيد القارئ فهمًا وإدراكًا وإحاطة بالبحث بجوانبه المختلفة، كما أن القرآن الكريم قد ترد فيه بعض هذه الكلمات متعاقبة للدعاء، وهذا يقتضي معرفة معاني هذه الكلمات، وبيان مجيئها بمعنى الدعاء وذكر وجه المناسبة والعلاقة بين هذه الكلمات من جهة، وبين الدعاء من جهة أخرى حتى تتضح الصورة الكاملة لمعنى الدعاء ونظائره. وسأذكر إن شاء الله تعالى هذه الكلمات وأقتصر على الكلمات الكثيرة
_________________
(١) الترادف: عبارة عن الاتحاد في المفهوم، وقيل: هو توالي الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد، اهـ. التعريفات للجرجاني ص: ٥٦.
(٢) العموم والخصوص من وجه هو أن يجتمع اللفظان في مادة، وينفرد كل واحد منهما في مادة أخرى.
(٣) العموم والخصوص المطلق أن يجتمعا في مادة، وينفرد أحدهما في مادة أخرى.
[ ١ / ٥٢ ]
التوارد في الكتاب والسنة واستعمال أهل العلم دون الكلمات التي يندر استعمالها أو التي تستعمل في دعاء خاص نادر الوقوع كالتسميت والتشميت فقد وردا بمعنى الدعاء للعاطس والأَلّ بمعنى رفع الصوت بالدعاء والمَلَق بمعنى الدعاء والتضرع (^١).
فهذه وأمثالها لا أعقد المقارنة بينها وبين كلمة الدعاء، لعدم كثرة استعمالها في الكتاب والسنة وكلام أهل العلم.
وهذه الكلمات الدالة على معنى الدعاء يمكن تقسيمها إلى الأقسام التالية:
أ - قسم يستعمل مرادفًا للدعاء أو أعم من الدعاء، ومن هذا القسم كلمة العبادة والذكر، والصلاة، والاستعانة.
ب - قسم خاص بنوع معين من أنواع الدعاء، وهذا القسم يتنوع إلى ثلاثة أنواع:
١ - النوع الأول: ما كان مختصًا بالاستعمال في دفع المكاره والمضار، ومن هذا النوع: كلمة الاستعاذة، والاستغاثة، والاستجارة، واللياذة، والاستغفار والشفاعة.
٢ - النوع الثاني: ما كان مختصًا بالاستعمال في جلب المنافع والمسار، ومن هذا النوع النوع كلمة السؤال.
٣ - النوع الثالث: ما كان مختصًا بالاستعمال في صفة معينة من صفات الدعاء، ومن هذا النوع كلمة النداء، والجؤار، والابتهال.