١ - ذهب أكثر العلماء إلى استحباب رفع اليدين في الدعاء ويدل لهم أحاديث كثيرة جدًا أفردها المنذري في جزء (^٣) وكذلك السيوطي في رسالة سماها "فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء"، وادعى في أولها تواترها وأنَّه وقعت له منها نيف وأربعون حديثًا (^٤).
وذكر في تدريب الراوي أن من المتواتر ما تواتر معناه، ومثل له بأحاديث رفع اليدين في الدعاء ثم قال: "فقد ورد عنه ﷺ نحو مائة حديث فيه رفع يديه في الدعاء وقد جمعتها في جزء لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع" (^٥). وممن أقر بتواتره صاحب نظم المتناثر (^٦).
_________________
(١) روي عن علي وعبد الله بن بسر ومعاذ، فأما حديث على فقد روي مرفوعًا وموقوفًا وذكر فيه ابن القيم ثلاث علل في جلاء الأفهام: ١١ - ١٢، وحديث عبد الله بن بسر أخرجه النَّسَائِي في الخصائص كما في جلاء الأفهام: ٢٢٦، وحديث معاذ أخرجه ابن حبان كما أشار إليه في صحيح الجامع وحسنه الألباني في صحيح الجامع: ٤/ ١٧٣.
(٢) قد بوّب البخاري في صحيحه لهذه المسألة فقال: باب رفع الأيدي في الدعاء. البخاري مع الفتح: ١١/ ١٤١، والخطابي جعله من سننه ص: ١٣، والحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٤، وابن القيم في الجواب ص: ١٠، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٢، وعنه النووي في الأذكار: ٣٥٧، والزركشي في الأزهية: ٧٣، والطرطوشي في الدعاء المأثور ص: ٥٣.
(٣) انظر عن جزء المنذري الفتح: ١١/ ١٤٢.
(٤) طبعت الرسالة بتحقيق محمد شكور المياديني بمكتبة المنار في الأردن عام ١٤٠٥ هـ وجملة الأحاديث الموصولة فيها ٤٧ والمرسلة ٩ والموقوفة ٣ والمجموع ٥٩.
(٥) تدريب الراوي: ٢/ ١٨٠.
(٦) انظر نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني: ١١٣.
[ ١ / ٢١١ ]
وقال النووي: "قد ثبت رفع يديه ﷺ في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء وهي أكثر من أن تحصى، وقد جمعت منها نحوًا من ثلاثين حديثًا من الصحيحين أو أحدهما" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما رفع النبي ﷺ بالدعاء فهو في الحديث أكثر من أن يبلغه الإحصاء" (^٢) وذكر أيضًا أن الرفع تواترت به السنن (^٣).
٢ - وقالت طائفة: يكره رفع اليدين في الدعاء وإنما يشير بأصبع واحدة.
٣ - وقيل: إن الرفع خاص بالاستسقاء.
٤ - وقيل: إنه خاص بالاستسقاء والنازلة (^٤).
ويستدل لهذين المذهبين الأخيرين بحديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه" (^٥).
ويقاس على الاستسقاء النازلة على رأي المذهب الأخير. واستدل (^٦) للمذهب الثاني بما رواه مسلم عن عمارة بن رُؤَيْبَة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه المسبحة (^٧).
_________________
(١) شرح مسلم للنووي: ٦/ ١٩٠.
(٢) بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٤٤.
(٣) الفتاوى: ٥/ ٢٦٥.
(٤) يراجع في حكاية هذه الأقوال إلى: الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٢٢٤ - ٢٢٥، والفتح: ١١/ ١٤٣.
(٥) البخاري: ٢/ ٥١٧ رقم ١٠٣١.
(٦) الجامع للقرطبي: ٧/ ٢٢٥.
(٧) أخرجه مسلم: ٢/ ٥٩٥ رقم ٨٧٤.
[ ١ / ٢١٢ ]
والصواب مذهب الجمهور لأن القاعدة المعروفة أنه عندما يظهر ما يشبه التعارض بين النصوص أن يجمع بينها أولًا إن أمكن، ثم يرجح بينها إن لم يمكن الجمع وقد أمكن هنا الأمران (^١) الجمع والترجيح.
أ - فأما الجمع بينها فيمكن أن يقال فيه: إن حديث أنس في الاستسقاء يحمل على أن المنفي فيه صفة خاصة لا أصل الرفع وذلك لأن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلًا، وأما في غيره فإلى حذو المنكبين فقط أو أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض وفي غيره يليان السماء لأنَّه ورد في مسلم: "عن أنس أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء" (^٢).
وأما حديث عمارة بن رُؤَيبة فخاص برفع اليدين على المنبر في خطبة الجمعة كما هو ظاهر سياق الحديث فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار بمشروعيته (^٣).
ب - وأما إذا قلنا: إن الجمع لا يمكن فننتقل إلى الترجيح، وجانب الإثبات أرجح لأمرين:
١ - إن أحاديث الإثبات متواترة وحديث النفي غير متواتر، فالمتواتر مقدم على غيره.
٢ - إن أحاديث الرفع مثبتة فالصحابة الذين رووها أخبروا عن شيء عاينوه وشاهدوه أو سمعوه من النبي ﷺ، فالمثبت مقدم على النافي والحافظ حجة على من لم يحفظ لاسيما والمثبتون جماعة والنافي واحد، ولعله لم ير ذلك أو لم يحضره أو حضر ولم يتفطن.
_________________
(١) انظر عن هذين الأمرين: شرح النووي لمسلم: ٦/ ١٩٠، والفتح: ٢/ ٥١٧، ٤١٣، ١١/ ١٤٢.
(٢) أخرجه مسلم: ٢/ ٦١٢ رقم ٨٩٦.
(٣) الفتح: ١١/ ١٤٣، وإتحاف السادة: ٥/ ٣٥.
[ ١ / ٢١٣ ]