فقد ذكر هذا المعنى الراغب الأصفهاني، وفسر به قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ (^١) [غافر: ٤٣].
وهذا الذي قاله الراغب ﵀ فيه نظر، فقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ من معاني الدعاء الاستغاثة، ثم قال: "ويطلق أيضًا على رفعة القدر كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ كذا قال الراغب، ويمكن رده إلى الذي قبله" (^٢).
ويؤيد الاحتمال الذي أبداه الحافظ أن أقوال المفسرين في الآية تدور حول المعاني الآتية:
أحدها: أنه ليس له استجابة دعوة أي دعاءٍ أي لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة.
ثانيها: أنه ليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا لأن الأوثان لا تدَّعِي الربوبية ولا تَدْعُو إلى عبادتها، وفي الآخرة تتبرأ من عابديها.
وثالثها: أنه ليس له شفاعة (^٣).
فتبين مما تقدم أن "دعوة" في الآية معناها يرجع إما إلى الدعاء بمعنى الطلب والمسألة على المعنى الأول والثالث لأن الشفاعة نوع من الدعاء، أو يرجع إلى الدعاء بمعنى الحث على المعنى الثاني.
_________________
(١) المفردات: ١٧٠.
(٢) الفتح: ١١/ ٩٤.
(٣) تفسير البغوي: ٤/ ٩٩، والطبري: ٢٤/ ٦٩ وفيه سقط، وابن كثير: ٤/ ٨٠، وتفسير الرازي: ١٤/ ٧٢، وزاد المسير: ٧/ ٢٢٥، وفتح القدير: ٤/ ٤٩٤، وروح المعاني: ٨/ ٢٤/ ٧٢، ومعاني القرآن للزجاج: ٤/ ٣٧٦.
[ ١ / ٣٧ ]
وقد تقدم كل من المعنيين فيكون هذا المثال داخلًا في أحدهما، وبهذا يتضح أن هذا المعنى الذي ذكره الراغب للدعاء لا يصح الاستشهاد عليه بالآية المذكورة إذا لم يكن هناك شاهد آخر من اللغة الفصحى يدل له، فعلى هذا لا يصح عده من معاني الدعاء اللغوية مع العلم بأن المعاجم اللغوية الأخرى التي اطلعنا عليها لم تذكر هذا المعنى.