قال ابن سيده (^٤) ﵀: "طلب الطالب للفعل من غيره" (^٥).
_________________
(١) هو أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين اللغوي المحدث وكان رأسًا في الأدب بصيرًا بفقه مالك مناظرًا متكلمًا على طريقة أهل الحق أي على مذهب أهل الحديث (ت ٣٩٥ هـ)، السير: ١٧/ ١٠٤ - ١٠٥، وانظر المنتظم: ٧/ ١٠٣، وبغية الوعاة: ١/ ٣٥٢.
(٢) معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٢/ ٢٧٩.
(٣) المرجع نفسه: ٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٤) هو علي بن إسماعيل الأندلسي الضرير أحد من يضرب بذكائه المثل، إمام في اللغة والعربية، حافظ لهما (ت ٤٥٨ هـ)، سير أعلام النبلاء: ١٨/ ١٤٤ - ١٤٦، والعبر في خبر من غبر: ٢/ ٣٠٨.
(٥) المخصص لابن سيده: ١٣/ ٨٨.
[ ١ / ٢٦ ]
وقال الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): "الدعاء في اللغة والحقيقة هو الطلب (^١).
وقال محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): معنى الدعاء حقيقة وشرعًا: الطلب" (^٢).
وذكر هذا المعنى للدعاء كثير من العلماء من غير هؤلاء (^٣) الثلاثة.
ثم إن هذا المعنى هو أكثر استعمالًا من المعاني الأخرى في الكتاب والسنة واللغة ولسان الصحابة ومن بعدهم من العلماء (^٤).
وفعل "دَعَا" إذا استعمل في هذا المعنى "يتعدى إلى النفع المطلوب بالباء يقال: دعوت الله بالفلاح" (^٥) ويتعدى إلى المدعو المطلوب منه بنفسه، كما أنه يتعدى في الخير باللام وفي الشر بعلى، يقال: "دعوت له بخير وعليه بشر" (^٦).
ومما ورد من استعماله في هذا المعنى:
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤].
وقوله عز من قائل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦١].
وقوله ﷿: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ
_________________
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٨١٥.
(٢) فتح القدير: ٤/ ٤٩٨.
(٣) منهم ابن منظور في اللسان: ٣/ ١٣٨٧، ومقاتل بن سليمان البلخي في الأشباه والنظائر: ٢٨٧، وابن الجوزي في نزهة النواظر: ٢٩٤، والدامغاني في الوجوه والنظائر: ١٧٤ - ١٧٥، والزبيدي في إتحاف السادة: ٥/ ٢٧، والقرافي في الفروق: ٤/ ٢٥٩، والطرطوشي في الدعاء المأثور ص: ٣٢.
(٤) فتح المجيد: ١٨٠.
(٥) الكليات للكفوي: ٢/ ٣٣٣.
(٦) المحكم لابن سيده: ٢/ ٢٣٤، واللسان: ٣/ ١٣٨٧، وأساس البلاغة للزمخشري: ١/ ٢٧٢، وتاج العروس للزبيدي: ١٠/ ١٢٧.
[ ١ / ٢٧ ]
ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨].
وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ …﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)﴾ [الأنعام: ٦٣].
وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].
وقوله ﷿: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
وقوله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦].
وقوله جلّت قدرته: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١].
فالدعاء في هذه الأمثلة معناه الطلب، وليس هو مطلق الطلب، بل طلب خاص وهو "طلب الأدنى من الأعلى تحصيل الشيء بلا غضاضة من الأعلى" (^١). وذلك لأن صيغة الطلب والاستدعاء تختلف بحسب الطالب والمطلوب منه، فإذا كانت ممن يقدر على قهر المطلوب منه، فإنها تقال على وجه الأمر، وإذا كانت من الفقير من كل وجه للغني من كل وجه فإنها تقال على وجه السؤال بتذلل وافتقار (^٢) فيسمى ما كان من الأدنى للأعلى دعاء، وما كان من الأعلى للأدنى أمرًا، وما كان من الأقران بعضهم من بعض التماسًا، قال صاحب السلم:
أمر مع استعلا وعكسه دعا … وفي التساوي فالتماس وقعا (^٣)
_________________
(١) نزهة النواظر في علم الوجوه والنظائر لابن الجوزي ص: ٢٩٤.
(٢) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٦، ونقله في تحفة الجليس: ١٠١، أو دلائل الرسوخ: ٧٥.
(٣) السلم المنورق في علم المنطق المطبوع ضمن مجموع المتون ص: ٢٧٣.
[ ١ / ٢٨ ]
والحاصل أن الصيغة الواحدة تفرق بحسب النظر للمخاطَب والمخاطِب إن كانا متساويين أو أحدهما أعلى من الآخر (^١).
وهذا ما ذهب إليه جمع من علماء أهل البلاغة والمنطق وهو مذهب المعتزلة وبعض الفقهاء واعترض عليه بأنه ورد إطلاق لفظ الأمر على غير هذا الوجه في مثل قول فرعون لقومه ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] والمقام للمشورة، وفرعون أعلى منهم رتبة (^٢).