وهذا المعنى ورد بكثرة في استعمالات القرآن الكريم والسنّة، وكلام أهل العلم، وممن صرح بهذا المعنى أبو إسحاق الزجاج (^٣) فإنه قال في قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]: "معنى الدعاء الله ﷿ على ثلاثة أضرب، فضرب منها توحيده والثناء عليه، كقولك: يا الله لا إله إلا أنت" وقولك: "ربنا لك الحمد. . ." (^٤).
وقال الزجاج أيضًا عند قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] في تفسير خفية: "أي اعتقدوا عبادته في أنفسكم لأن الدعاء معناه العبادة" (^٥).
كما صرح بهذا المعنى أيضًا كثير من اللغويين والمفسرين (^٦)، فمن
_________________
(١) دلائل الرسوخ في الرد على المنفوخ: ٧٥، أو تحفة الجليس: ١٠١، ومفتاح العلوم للسكاكي ص: ٣١٩.
(٢) انظر الإبهاج في شرح المناهج للسبكي ٢/ ٦ - ٧.
(٣) هو إبراهيم بن محمد بن السري البغدادي لغوي، نحوي، مفسر، لزم المبرد، (ت ٣١١ هـ)، سير أعلام النبلاء: ١٤/ ٣٦٠، تاريخ بغداد: ٦/ ٨٩ - ٩٣، ومعجم المؤلفين: ١/ ٣٣.
(٤) معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٢٥٥، وعنه في تهذيب اللغة: ٣/ ١١٩، وفي اللسان: ٣/ ١٣٨٥.
(٥) معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٣٤٤.
(٦) . منهم ابن جرير في التفسير، فإنه فسر آية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ إلخ بوجهين أحدهما: العبادة، جامع البيان: ٢/ ١٦٠، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ =
[ ١ / ٢٩ ]
هؤلاء: الإمام أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري اللغوي المشهور (ت ٣٧٠ هـ)، فإنه قال:
"وقد يكون الدعاء عبادة، ومنه قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] أي الذين تعبدون من دون الله. . ." ثم ذكر إطلاقه على توحيد الله وثنائه الذي هو بمعنى عبادته وذكره تعالى ثم قال: "وروي مثل ذلك عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ [الكهف: ١٤] أي لن نعبد إلهًا دونه.
وقال ﷿: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥]، أتعبدون ربًا سوى الله وقال: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]، أي لا تعبده" (^١).
وفوق هذا البيان من أهل اللغة بيان الرسول ﷺ هذا المعنى بقوله: "الدعاء هو العبادة" (^٢) ولا حاجة بعد ذلك إلى بيان أحد من البشر، ولكن ذكرنا ذلك للاستئناس بأقوال العلماء. ومن استعماله في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ [النساء: ١١٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] وقد تقدم ذكر بعض الأمثلة في كلام الأزهري.
_________________
(١) = الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ﴾ الآية. . ذكر نحوه: ٧/ ٢٠٥، ومنهم ابن الجوزي في نزهة النواظر: ٢٩٣، ومقاتل بن سليمان البلخي في الأشباه والنظائر: ٢٨٦، ومن اللغويين الأزهري في التهذيب كما سيأتي في الرقم التالي، وابن منظور في اللسان: ٣/ ١٣٨٥، والزبيدي في تاج العروس: ١٠/ ١٢٧، وفي شرح الإحياء: ٥/ ٢٧، إلا أنه سماه توحيدًا فقال: "ويطلق ويراد به التوحيد كما في قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ " ومثله أبو بكر الطرطوشي في الدعاء المأثور ص: ٣١، وأبو البقاء الكفوي في كلياته: ٢/ ٣٣٣.
(٢) تهذيب اللغة: ٣/ ١١٩، ١٢٤، وعنه في اللسان: ٣/ ١٣٨٥.
(٣) سيأتي تخريج الحديث في ص: ٥٤.
[ ١ / ٣٠ ]