فقد فسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] بقوله ﵁: "يقول: لولا إيمانكم" (^٥).
_________________
(١) البحر المحيط: ٦/ ٩٠، وروح المعاني: ١٥/ ١٩٢.
(٢) الكشاف: ٢/ ٣٧٨، وروح المعاني: ١٥/ ١٩٢.
(٣) بدائع الفوائد: ٣/ ٥، ونحوه في الفتاوى: ١٥/ ١٤.
(٤) انظر في سبب النزول تفسير ابن جرير: ١٥/ ١٨٢، فقد أخرجه عن ابن عباس، ومكحول مرسلًا.
(٥) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره: ١٩/ ٥٥ من طريق علي وهو ابن أبي طلحة عن ابن عباس به.
[ ١ / ٤٢ ]
وقد ذكره أيضًا البخاري ﵀ في كتاب الإيمان فقال: "دعاؤكم، إيمانكم" (^١)، فالبخاري يشير بهذا إلى "أن الدعاء عمل، وقد أطلقه على الإيمان، فيصح إطلاق أن الإيمان عمل" (^٢) فهو يستدل بهذا على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان. وذكر محمد صديق حسن خان (ت ١٣٠٧ هـ) ﵀: أن "أصل الدعاء في اللغة الإيمان" (^٣) وهذا الذي قاله لم أجد من سبقه إليه، فإن ابن عباس والبخاري إنما ذهبا إلى أن معنى الدعاء في الآية - الإيمان - ولم يقولا: بأنه هو الأصل في اللغة، مع أن كلامهما يمكن أن يحمل على أنهما أرادا بالإيمان العبادة لأن معنى الإيمان عند الإفراد يشمل جميع أنواع العبادة، وجميع أنواع الطاعات كما ذكر ذلك في مسألة الفرق بين الإيمان والإسلام والفقير والمسكين، وإطلاق الدعاء على العبادة ثابت كما تقدم.
ومما يدل على هذا الاحتمال أن ابن جرير فسر الدعاء في الآية بالعبادة والطاعة، ثم قوى هذا التفسير بقول ابن عباس: "لولا إيمانكم" (^٤) فدل على أنه يرى أنه لا فرق بين تفسير الدعاء بالعبادة وبين تفسيره بالإيمان فكلاهما يطلق على الآخر.
ومن هنا يتضح أن هذا المعنى ليس معنىً مستقلًا، بل هو راجع إلى معنى العبادة الذي تقدم.
هذه المعاني المتقدمة هي المعاني التي ذكروها لمادة "د ع و" المجردة.
وأما مادة "د ع و" المزيدة فقد ذكروا لها معاني أغلبها ترجع إلى هذه
_________________
(١) البخاري مع الفتح: ١/ ٤٩، وذكره في تاج العروس نقلًا عن البخاري: ١٠/ ١٢٨.
(٢) فتح الباري: ١/ ٤٩.
(٣) الدين الخالص: ١/ ٢٢٤.
(٤) جامع البيان: ١٩/ ٥٥.
[ ١ / ٤٣ ]
المعاني عند التأمل، ومن المعاني التي ذكروها: التمني، والزعم، والتداعي.
١ - أما التمني: فقد ذكره كثير من العلماء (^١) ومثلوا له بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١]، وبنحو قولهم: "فلانٌ في خير ما ادَّعَى" أي ما تمنَّى وقولهم: "ادَّعِ عليَّ ما شِئْتَ" أي تَمَنَّ عَلَيَّ (^٢).
وهذا المعنى يرجع عند التأمل إلى معنى الطلب إذ التمني أحد أنواع الطلب ومما يقوي هذا المعنى ما قاله الراغب الأصفهاني في تفسير الآية السابقة ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾: أي ما تطلبون (^٣) وكذلك ما قاله ابن سيده في المحكم حيث ذكر أن ادعى بمعنى تمنى ثم قال: "وفي التنزيل ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ معناه ما يتمنون، وهو راجع إلى معنى الدعاء أي ما يدعيه أهل الجنة" (^٤).
ومثله قول الزجاج بعد تفسيره بالتمني: "وهو مأخوذ من الدعاء، المعنى: كل ما يدعو أهل الجنة يأتيهم" (^٥)، وقولهم: ادّع علي ما شئت أي اطلب مني ما شئت وقولهم: فلان في خير ما ادعى أي في خير ما طلب.
_________________
(١) منهم أبو عبيدة في المجاز: ٢/ ١٦٤، وابن سيده في المحكم: ٢/ ٢٣٥، والزجاج في معاني القرآن: ٤/ ٢٩٢، والأزهري في التهذيب نقلًا عن ابن هانئ: ٣/ ١٢٤.
(٢) ذُكِرَ هذان المثالان في المحكم: ٢/ ٢٣٥، واللسان: ٣/ ١٣٨٧، والتهذيب: ٣/ ١٢٤.
(٣) المفردات: ١٧٠.
(٤) المحكم: ٢/ ١٣٥، ونحوه في تاج العروس: ١٠/ ١٢٧ قوله: يدعيه أي يدعوه فيه إبدال.
(٥) معاني القرآن للزجاج: ٤/ ٢٩١.
[ ١ / ٤٤ ]
٢ - وأما الزعم والادعاء حقًا كان أو باطلًا، فقد ذكره بعض أهل العلم (^١) ومن أمثلته التي ذكروها قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧]، أي هذا العذاب الذي زعمتم أنه باطل وأنه لا يقع.
ويحتمل رجوعه إلى معنى الطلب أيضًا فالمعنى على ذلك: هذا الذي كنتم تَدْعُون اللَّهَ تعالى بتعجيله يعني قولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢].
فهذا ظاهر على قراءة تدعون بالتخفيف وأما على قراءة التشديد فيحتمل أن يكون تدعون تفتعلون من الدعاء أو من الدعوى (^٢) وذكر البغوي القراءتين وأن معناهما واحد مثل تذكرون وتذكرون وقال: "تفتعلون من الدعاء أي أن تدعوه وتتمنوه أنه يجعله لكم" (^٣).
٣ - وأما التداعي والتساقط فقد ذكرته طائفة أهل اللغة (^٤) ومن أمثلته حديث: يُوْشِكُ أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها" (^٥).
وقولهم: "تداعت الحيطان" أي تساقطت.
وهذا المعنى راجع إلى النداء فمعنى أن تداعى عليكم الأمم: أي
_________________
(١) انظر المحكم لابن سيده: ٢٥/ ٢٣٥، واللسان: ٣/ ١٣٨٧ - ١٣٨٨.
(٢) انظر ذلك في المصادر السابقة، ومعاني القرآن للزجاج: ٥/ ٢٠١، والتهذيب نقلًا عن الزجاج: ٣/ ١٢٠.
(٣) تفسير البغوي: ٤/ ٣٧٣، وانظر في القراءتين: النشر في القراءات العشر لابن الجزري: ٢/ ٣٨٩.
(٤) منهم صاحب القاموس انظر القاموس مع التاج: ١٠/ ١٢٨ إلا أنه جعله من المجاز، وابن الأثير في النهاية: ٢/ ١٢١، وابن منظور: ١٣/ ١٣٨٨.
(٥) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٢٧٨، وأبو داود: ٤/ ٤٨٣ رقم ٤٢٩٧ وهو من مسانيد ثوبان وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: ٢/ ٦٨٣ رقم ٩٥٨، وصحيح الجامع: ٦/ ٣٦٤ رقم ٨٠٣٥.
[ ١ / ٤٥ ]
تجتمع ويدعو بعضهم بعضًا، كما في النهاية (^١).
وفي المثال الثاني جعل الحيطان كأنه يدعو بعضه بعضًا كما سبقت الإشارة إلى ذلك في كلام ابن فارس (^٢).