فذكر تعالى: أن الركون إلى الظلمة من (١) الكفار والظالمين موجب لمسيس النار، ولم يفرق بين من خاف منهم، وغيره. إلا المكره.
فكيف بمن اتخذ الركون إليهم دينًا ورأيًا حسنًا، وأعانهم بما قدر عليه من مال ورأي (٢)، وأحب زوال التوحيد وأهله، واستيلاء أهل الشرك عليهم ؟!! فإن هذا (٣) من أعظم الكفر والركون.
الدليل الرابع عشر: قوله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر / صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم * ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدى القوم الكافرين) . (٤) (٥)
فحكم تعالى حكمًا لا يبدل: أن من رجع عن دينه إلى الكفر، فهو كافر. سواء كان له عذر - خوف (٦) على نفس، أو مال أو أهل - أم لا. وسواء كفر بباطنه وظاهره (٧)، أم بظاهره دون باطنه. وسواء كفر بفعاله ومقاله، أم بأحدهما (٨) دون الآخر. وسواء كان طامعًا في دنيا (٩) ينالها
_________________
(١) (م) و.
(٢) (م) المال والرأي.
(٣) (ط) (ر) هذا من. ساقطة.
(٤) سورة النحل الآيتان ١٠٧، ١٠٦
(٥) في نسخة (م) أضاف الآية التي تليها.
(٦) (ط) (ر) خوفا. تحريف.
(٧) (ط) (ر): وظاهره. ساقطة.
(٨) (م) أحدهما.
(٩) (م) الدنيا.
[ ٤٣ ]
من المشركين أم لا. فهو كافر على كل حال، إلا المكره، وهو في لغتنا: المغصوب (١) .
فإذا أكره الإنسان على الكفر، وقيل له: أكفر وإلا قتلناك، أو (٢) ضربناك. أو (٣) أخذه المشركون فضربوه، ولم يمكنه التخلص إلا بموافقتهم. جاز له موافقتهم في الظاهر، بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا (٤) بالإيمان. أي: ثابتًا (٥) عليه، معتقدًا (٦) له. فأما إن وافقهم بقلبه: فهو كافر، ولو كان مكرهًا. وظاهر كلام أحمد (٧) ﵀: أنه في الصورة الأولى. لا يكون مكرها (٨) حتى يعذبه المشركون؛ فإنه لما دخل عليه يحيي بن معين (٩) وهو مريض، فسلم عليه: لم يرد ﵇، فما زال يعتذر، ويقول: حديث عمار (١٠) وقال الله: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) فقلب أحمد وجهه الى الجانب (١١) الآخر. فقال يحيى:
_________________
(١) المحمول على أمر هو له كارة بالقهر والإرغام. ينظر «لسان العرب» (٣/٥٣٦) و«المصباح المنير» (٢/٧٢٩) .
(٢) (م) أو.
(٣) (م) و.
(٤) (م) مطمئن. تحريف.
(٥) (م) ثابت.
(٦) (م) مفتقد.
(٧) أبو عبد الله بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي نزيل بغداد، أحد الأئمة، ثقة حافظ فقيه حجة، ت ٢٤١. «تقريب» (١٤) .
(٨) (ر) مكروها. تحريف.
(٩) أبو زكريا يحيي بن معين بن عون الغطفاني مولاهم البغدادي، ثقة حافظ مشهور إمام الجرح والتعديل ت ٢٣٣ «تقريب» (٥٩٧) .
(١٠) ما بينهما ملحق في هامش (ع)
(١١) (ع) جانب
[ ٤٤ ]
لا يقبل عذرًا (١) !! فلما خرج يحيي. قال أحمد: يحتج بحديث عمار. وحديث عمار (٢):
مررت بهم وهم يسبونك فنهيتهم فضربوني (٣) . وأنتم قيل لكم: نريد أن نضربكم. فقال يحيى: ما رأيت والله (٤) تحت أديم (٥) سماء الله (٦) أفقه في دين الله منك (٧) (٨) .
ثم أخبر تعالى: أن على (٩) هؤلاء المرتدين، الشارحين صدورهم بالكفر (١٠) - وإن كانوا يقطعون على الحق (١١)، ويقولون ما فعلنا هذا إلا خوفًا - غضب (١٢) من الله ولهم عذاب عظيم. ثم أخبر تعالى: أن سبب
_________________
(١) (م) عذر. تحريف.
(٢) ما بينهما ملحق في هامش (ع) ..
(٣) أخرج نحوه الطبري في «التفسير» (١٤/١٨٢) والحاكم في «المستدرك» (٢/٣٥٧) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/٢٠٨) وأبو نعيم في «الحلية» (١/١٤٠) وابن سعد في «الطبقات» (٣/٢٤٩) وعبد الرزاق وعنه إسحاق بن راهوية في مسنده كما في «نصب الراية» (٤/١٥٩) وابن أبي حاتم وابن مردويه وبن المنذر وبن عساكر كما في «الدر المنثور» (٤/١٣٢) ومسدد في مسنده كما في «المطالب العالية» (٣/٣٤٧) وعبد بن حميد والفاكهي وفيه: أن ذلك وقع من عمار عند بيعة الأنصار في العقبة كما في «فتح الباري» (١٢/٣١٢) من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر وابن سيرين وأبي المتوكل وقتادة. قال الحافظ: وهذه مراسيل يقوي بعضها بعضا. «الفتح» (١٢ /٣١٢) . وقال: واتفقوا على أنه نزل فيه (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) . «الإصابة» (٧/٦٥) .
(٤) (ط) (م) (ر) والله ما رأيت.
(٥) أديم السماء: وجهها وما ظهر منها. «الصحاح» (٥/١٨٥٨)
(٦) (ط) (م) (ر) السماء
(٧) (م) منك في دين الله
(٨) أخرجه ابن أبي يعلى في «الطبقات» (١/٤٠٤)، وابن الجوزي في «مناقب الإمام أحمد» (٤٧٤) . عن أبي بكر المروذي.
(٩) (ط) (ر): على. ساقطة.
(١٠) (م) بالكفر صدرًا.
(١١) يعرفونه ولا يفوتهم منه فائت.
(١٢) (ط) (ر) فعليهم غضب. (م) عليهم.
[ ٤٥ ]