الولاء والبراء أصلان عظيمان من أصول الإسلام، ومظهران بارزان من عقيدة أهل السنة والجماعة تتميز به عن غيرها. وذلك نابع من كونهما من أهم لوازم كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) .
وبما أنه لا ولاء إلا ببراء، كان من الضروري توضيح مبدأ البراء، والكشف عن معانيه. ومن هنا اكتسبت الرسالة أهميتها، وحرص علماء نجد خاصة على تلقينها للطلاب وحفظها عن ظهر قلب (١) .
وقد استهدفت الرسالة إثراء هذه القضية، وبيانها على نحو بعيد عن الغموض أو الابهام. فاستهلها المؤلف بالحديث عن حكم إظهار الموافقة للمشركين وموالاتهم، وكان قوله صريحًا صارمًا منذ البداية
_________________
(١) حدثني بذلك الشيخ المعمر عبد العزيز المرشد، وذكر لي أنه قرأها مرات كثيرة على شيخه العلامة عبد الله بن عبد اللطيف ﵀. كما أشار إلى هذه العناية الشديدة: الشيخ ابن قاسم " الدرر" (١٢/٤٨)، والشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ في مقدمة "تيسير العزيز الحميد" (ص / ١٣) ..
[ ١١ ]
ومدعمًا بالدليل من الكتاب والسنة. ولذا تمكنت من إسقاط جميع الأعذار التي يتشبث بها من لم يقر في قلبه الإيمان، بصورة أزاحت الغشاوة عن العيون، وبددت ما كان عالقًا في الأذهان مما نسجه الخوف، وغذته الوساوس. ويلمح القارئ للرسالة اهتمام المؤلف بأمرين:
أولهما: التأكيد على خطر بعض صور الشرك في وقته، ولا سيما تعظيم القباب، ودعاء الأموات: لأن ذلك شرك صريح مخرج عن الملة، ولا مجال للجدال فيه.
وثانيهما: أن الإكراه عن الشرك والكفر، يسقط المؤاخذة. إذا ما كان إكراهًا حقيقيًا يتعذر دفعه. والقلب مطمئن بالإيمان لا يخالطه ريب أو شك.
ويبدو من سياق الرسالة وأسلوبها الحازم الصريح، أن الشيخ سليمان كتبها أثناء اجتياح الجيوش العثمانية لنجد، بعدما تسامع الناس عن مواقف بعض القرى والبوادي المتخاذلة (١) يقول ﵀ في حديثه على الدليل السادس عشر ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾: فهذه الآية مطابقة لحال المنقلبين عن دينهم في هذه الفتنة سواء بسواء لما أصابتهم هذه الفتنة انقلبوا عن دينهم وأظهروا موافقة المشركين (٢) .
_________________
(١) ذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن - وهو ممن عاصر تلك الأحداث الدامية - شيئًا من هذه المواقف وعقبها بقوله: (إن هناك من أهل نجد من أعانهم وساعد المعتدين ممن لم يتمكن الإيمان في قلبه) وكان الشيخ ﵀ على يقين من ذلك حيث وعد بتحديد أعيانهم فيما لو سأله سائل عنهم. ينظر "المقامات" ورقة (٢١، ٢٤) ..
(٢) وانظر كلامه أيضًا عن الدليل السابع عشر والثاني عشر. وفي رسالة للشيخ عبد الله العنقري - ﵀ - بعثها إلى بعض المنتسبين إلى العلم ما يؤكد ذلك. قال: نبين لكم سبب تصنيف الدلائل. فإن الشيخ سليمان صنفها لما هجمت العساكر التركية على نجد في وقته وأرادوا اجتثاث الدين من أصله وساعدهم جماعة من أهل نجد من البادية والحاضرة، وأحبوا ظهورهم. "الدرر السنية" (٥/٣٠٩) ..
[ ١٢ ]