في القرآن الكريم ما يزيد على ألف آية تتحدث عن معالم هذا الكون، وتذكر مفرداته من السماوات والأرض، والشمس والقمر، والكواكب والنجوم، والجبال والبحار والأنهار، والمطر والرعد والبرق (^١).
وهذه الآيات الكونية وما تدل عليه من حقائق علمية، لم تذكر في القرآن الكريم لمجرد الذكر، أو من أجل بيانها للناس ودلالتهم عليها ابتداءً، وإنما هي سيقت مساقا تابعا للغرض والهدف الذي ذكرت في ثناياه، من الاستدلال بها على قضايا كبرى: كالألوهية والنبوات والبعث (^٢).
فهذا الكون وعجائبه وتنوعه علامات بينة تثبت قدرة الله وحكمته ووحدانيته لمن يتفكر ويتدبر.
قال ابن القيم - ﵀ - في بيان الحكمة من هذه الآيات الكونية: " ولهذا يستدل سبحانه في كتابه بالحوادث تارة، وباختلافها تارة، إذ هذا وهذا يستلزم ربوبيته وقدرته واختياره، ووقوع كل الكائنات على وفق مشيئته، فتنوع أفعاله ومفعولاته من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه"
ثم قال: "والمقصود أن تنويع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة
_________________
(١) انظر: عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم لمحمد السيد راضي جبريل، ضمن بحوث ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤٢١: ٨١.
(٢) انظر: سمات الآيات الكونية الواردة في القرآن الكريم للشيخ ناصر الماجد، موقع ملتقى أهل التفسير على الشبكة العنكبوتية، ١٤٢٥: ٥، Http://www.tafsirmail.com/index.php؟ subaction =showfull&id=١٠٧٩٩٠٨٣٨١&archive=&start_from=&ucat=١&do=maqalat
[ ٦٢ ]
والربوبية والملك، وهو أيضا من موجبات الحمد، فله الحمد على ذلك كله أكمل حمد وأتمه أيضا" (^١).
وقد بين الله - ﷿ - لبعض الآيات الكونية حكمًا خاصة بها بالإضافة إلى الحكم السابقة من كمال القدرة والدلالة على الربوبية والألوهية والبعث، ومن ذلك الحكمة في خلق النجوم، قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ (^٣).
قال قتادة - ﵀ -: " خلق هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به" (^٤).
قال ابن سعدي - ﵀ -: " والحاصل أنه كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع الكائنات، علم أنها خلقت للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب براهين ودلالات على جميع ما أخبر به عن نفسه ووحدانيته، وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر، وأنها مدبرات مسخرات، ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها، فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون، وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه" (^٥).
_________________
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم، الدمام، ط ١: ٢١٤ - ٢١٥.
(٢) النحل: ١٦.
(٣) الملك: ٥.
(٤) سبق تخريجه: ٣٩.
(٥) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القران لعبد الرحمن بن سعدي، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، ط ١: ٣٢.
[ ٦٣ ]