إذا تدبر الإنسان كتاب الله ﷾ وسنة نبيه - ﷺ - وجد أن الله - ﷿ - قد أنزل الوحي موافقا للفطرة، والواقع المحسوس، لا يستطيع أن ينكر ذلك إلا مكابر قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (^٢).
قال ابن القيم - ﵀ -: " وتأمل حال العالم كله علوية وسفلية بجميع أجزائه تجده شاهدا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه، فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العلم وجحده لا فرق بينهما، بل دلالة الخالق على المخلوق والفعال على الفعل والصانع على أحوال المصنوع عند العقول الزكية المشرقة العلوية والفطر الصحيحة أظهر من العكس.
فالعارفون أرباب البصائر يستدلون بالله على أفعاله وصنعه إذا استدل الناس بصنعه وأفعاله عليه، ولا ريب أنهما طريقان صحيحان كل منهما حق والقرآن مشتمل عليهما" (^٣).
ومن رحمة الله ﷾ بهذا المخلوق أن وضع الدلائل المساندة للفطرة والموضحة له الطريق الصحيح في السلوك لما يريده خالقه منه، وأعقب ذلك بإرسال الرسل - ﵈ - بالوحي لزيادة التوضيح والبيان لكيفية سلوك هذا الطريق فجاءت معاني النصوص ودلالاتها موافقة لما في الكون من الآيات والحقائق.
_________________
(١) انظر: العبودية: ١٠٤، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤٥، وتفسير ابن سعدي: ٢/ ٨٢٦.
(٢) الأنعام: ٣٣.
(٣) مدارج السالكين: ١/ ٥٩ - ٦٠.
[ ٨٧ ]
قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^١).
قال ابن كثير - ﵀ -: " يخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك أن أممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاءوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت الرسل: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾؛ فإن الفطر تشهد بوجوده والاعتراف به؛ ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده. ومن ذلك النظر في هذا الكون، ومن خلقه وأوجده على غير مثال سابق، ولهذا قالت الرسل لأقوامهم ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سابق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليهما، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه" (^٢).
وقال ابن القيم - ﵀ -: " فطرق العلم بالصانع فطرية ضرورية ليس في العلوم أجلى منها، وكل ما استدل به على الصانع فالعلم بوجوده أظهر من دلالته، ولهذا قالت الرسل لأممهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ فخاطبوهم مخاطبة من لا ينبغي أن يخطر له شك ما في وجود الله سبحانه، ونصب من الأدلة على وجوده ووحدانيته وصفات كماله الأدلة على اختلاف أنواعها، ولا يطيق حصرها إلا الله، ثم ركز ذلك في الفطرة ووضعه في العقل جملة ثم بعث الرسل مذكرين به ومفصلين لما في الفطرة والعقل العلم به جملة.
فانظر كيف وجد الإقرار به وبتوحيده وصفات كماله ونعوت جلاله وحكمته في خلقه وأمره المقتضية إثبات رسالة رسله ومجازات المحسن
_________________
(١) إبراهيم: ١٠.
(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٤٤، وانظر: مدارج السالكين: ١/ ٦١.
[ ٨٨ ]
بإحسانه والمسيء بإساءته مودعا في الفطرة مركوزا فيها، فلو خُلّيت على ما خلقت عليه لم يعرض لها ما يفسدها ويحولها ويغيرها عما فطرت عليه، لأقرت بوحدانيته ووجوب شكره وطاعته، وبصفاته وحكمته في أفعاله، وبالثواب والعقاب، ولكنها لما فسدت وانحرفت عن المنهج الذي خلقت عليه أنكرت ما أنكرت وجحدت ما جحدت" (^١).
فالقرآن يخاطب الفطرة بجملتها، يخاطبها من أقصر طريق، ومن أوسع طريق وأعمق طريق.
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٤٢١ - ٤٢٢.
[ ٨٩ ]