فإن من هدي القرآن تجاه الآيات الكونية لفت الأنظار والتفتيش والاعتبار بآثار ربوبية الله وصفاته من الإحياء والإماتة، والرزق وخلق السماوات والأرض والنبات، وإنزال المطر من السحب، وتعاقب الليل والنهار وغيرها كثير (^٤)، للقيام بحق ربوبية الله وألوهيته، فلا يقصد في الحوائج غيره، ولا يتوكل على سواه، ولا يستعن إلا به، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " فإذا
_________________
(١) الواقعة: ٦٣ - ٦٧.
(٢) تفسير ابن سعدي: ٤/ ١٧٦٨، وانظر تفسير البحر المحيط لمحمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الأندلسي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١: ٢/ ٣٣٠، ٣/ ٤١١.
(٣) تفسير التحرير والتنوير: ٢٥/ ٣٣٧، وانظر: تفسير ابن سعدي: ٢/ ٨٥١.
(٤) انظر: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لابن تيمية، تصحيح: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، دار القاسم، الرياض، ط ٢: ١/ ١٨٠ - ١٨١.
[ ١٠٧ ]
عرف العبد أن الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه محتاج إليه عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه" (^١).
وقال تعالى مبينًا أثرًا من آثار صفاته - وهي صفة الرحمة -: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).
قال ابن جرير - ﵀ -: " فانظر يا محمد - ﷺ -، إلى آثار الغيث الذي ينزل الله من السحاب، كيف يحيي بها الأرض الميتة، فينبتها ويعشبها، من بعد موتها ودثورها، ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. يقول جلّ ذكره: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها بهذا الغيث، لمحيي الموتى من بعد موتهم، وهو على كل شيء مع قدرته على إحياء الموتى قدير، لا يعزّ عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه فعل شيء شاءه سبحانه" (^٣)، " وفي هذا الحث على التذكر والتفكر في آلاء الله والنظر إليها بعين الاعتبار والاستدلال، لا بعين الغفلة والإهمال" (^٤).
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (^٥).
_________________
(١) العبودية: ٥٢.
(٢) الروم: ٤٨ - ٥٠.
(٣) تفسير الطبري: ٢١/ ٦٤.
(٤) تفسير ابن سعدي: ٢/ ٥٥٢ - ٥٥٣.
(٥) يونس: ٥ - ٦.
[ ١٠٨ ]
قال ابن القيم - ﵀ -: " فأما المفعولات فأنها دالة على الأفعال، والأفعال دالة على الصفات؛ فإن المفعول يدل على فاعل فعله، وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه؛ لاستحالة صدور الفعل الاختياري من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا إرادة، ثم ما في المفعولات من التخصيصات المتنوعة دال على إرادة الفاعل، وأن فعله ليس بالطبع بحيث يكون واحدا غير متكرر، وما فيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى، وما فيها من النفع والإحسان والخير دال على رحمته، وما فيها من البطش والانتقام والعقوبة دال على غضبه، وما فيها من الإكرام والتقريب والعناية دال على محبته، وما فيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته، وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دال على وقوع المعاد، وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على إمكان المعاد، وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوات، وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق بها، فمفعولاته من أدل شيء على صفاته وصدق ما أخبرت به رسله عنه، فالمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات، منبهه على الاستدلال بالآيات المصنوعات" (^١).