لقد جاء الاهتمام بالرؤيا الصادقة في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - اهتمامًا يحفظ المسلم من الغلو أو التفريط فيها.
فالرؤيا الصادقة من الله، وهي جزء من أجزاء النبوة، ومن مبشرات النبوة، وهي من الأنبياء وحي، بل هي مبدأ الوحيين والتصديق بها حق ولا خلاف فيها بين أهل الحق والدين ولا ينكرها إلا من شذ عن الحق (١).
فدل كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - على أن رؤيا الأنبياء وحي، فهي تدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].
ولهذا ذكر الله تعالى في كتابه بعض رؤى أنبيائه، فمن ذلك قوله ﵎: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [الأنفال: ٤٣].
وجعل سبحانه معجزة نبيه يوسف ﵇ تأويل الرؤى، كما جاء في سورة يوسف.
وكذلك ما جاء في رؤيا إبراهيم ﵇، وكيف أقدم على ذبح ابنه وعد ما رآه في المنام أمرًا من الله تعالى، وكذلك الابن قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾.
_________________
(١) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١/ ٢٨٥).
[ ٢٣ ]
قال ﵎: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥].
وكذلك رؤيا نبينا محمد - ﷺ - في قصة الحديبية قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧].
أما السنة فقد بين النبي - ﷺ - أن أول أحوال النبيين الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (١).
أما رؤيا المؤمن فهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة كما ثبت عنه - ﷺ - (٢) وهي من مبشرات النبوة، وباعث خير وطمأنينة.
ولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي - ﷺ - في شأن الرؤى، فهناك الأحاديث التي تبين أقسامها، وأن ما يراه الإنسان في منامه منه الرؤيا الحق، ومنه حديث النفس، ومنه تهاويل الشيطان، ولكل نوع علاماته وصفاته.
وهناك الأحاديث التي تبين أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، ومن مبشرات النبوة، وأحاديث تبين أن رؤية النبي - ﷺ - في المنام حق، إذا رأه على صورته وليس ذلك مبررًا للتلقي عنه - ﷺ - في المنام.
_________________
(١) سوف يأتي إن شاء الله تخريج هذه الأحاديث (٢٠٥).
(٢) سوف يأتي إن شاء الله تخريجه (٢١٦).
[ ٢٤ ]
وأحاديث تبين الآداب التي يتأدب بها المسلم عندما يرى ما يحب وعندما يرى ما يكره.
وأحاديث تبين تأويل النبي - ﷺ - للرؤيا وهي كثيرة جدًا.
وأحاديث تبين أحكام الرؤى، من حيث حكم الكذب فيها، وهل الرؤيا إذا عبرت وقعت، وما شروط المعبر وآدابه، وغيرها من الآداب والأحكام.
ولقد كان النبي - ﷺ - كثيرًا ما يقول لأصحابه «هل رأى أحد منكم رؤيا» كما ثبت من حديث سمرة بن جندب ﵁ (١).
ومن حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان مما يقول لأصحابه: «من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له» (٢).
ومن حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ فيقول إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير (٤٨) باب تعبير الرؤيا بعد صلاح الصبح الحديث (٧٠٤٧) (٤/ ٣١٠) وصحيح مسلم، كتاب الرؤيا، ٤ باب رؤيا النبي - ﷺ - (٢٢٧٥) (٤/ ١٧٨١).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا ٣ باب في تأويل الرؤيا، (٢٢٦٩) (٤/ ١٧٧٨).
(٣) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، في كتاب الرؤيا (٢/ ٩٥٧) والإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٢٥) وسنن أبي داود في كتاب الأدب، ٦٩ باب ما جاء في الرؤيا،، الحديث (٥٠١٧) (٢/ ٧٢٣) ومستدرك الحاكم (٤/ ٣٩٠) وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٧٦٦) (٤٧٣).
[ ٢٥ ]
قال ابن عبد البر (١) ﵀: «وهذا الحديث يدل على شرف علم الرؤيا وفضلها لأنه - ﷺ - إنما كان يسأل عنها لتقص عليه، ويعبرها، ليعلم أصحابه كيف الكلام في تأويله» (٢).
ولهذا قال الإمام مالك ﵀: «الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، فلا يتلاعب بالنبوة» (٣).
وقال القرطبي (٤) ﵀: «والرؤيا حالة شريفة ومنزلة رفيعة» (٥).
ولقد كان من اهتمام النبي - ﷺ - بالرؤى وبيان أحكامها وآدابها لأمته، أنه كان يبين لهم ذلك في خطبه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر ﵁، قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت (٦) على أثره، فقال رسول الله - ﷺ - للأعرابي: «لا
_________________
(١) هو الإمام الحافظ، أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي القرطبي المالكي (٣٦٨ - ٤٦٣) فقيه حافظ متبحر في علم الحديث والرجال، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣ - ١٦٢) والبداية والنهاية (١٢/ ١٠٤) وشذرات الذهب (٣/ ٣٤١ - ٢١٦).
(٢) التمهيد (١/ ٣١٣).
(٣) المرجع السابق (١/ ٢٢٨).
(٤) هو الفقه العلامة المحدث أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الأندلسي القرطبي (٦٧١ هـ) انظر ترجمته في: الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب (المالكي) لابن فرحون (٢/ ٣٠٨، ٣٠٩) تحقيق الدكتور: محمد الأحمدي أبو النور، مكتبة دار التراث، القاهرة، ونفح الطيب للمقري (٢/ ٢١٠ - ٢١٢).
(٥) أحكام القرآن (٩/ ١٢٢).
(٦) أي عدوت على أثره، انظر: النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٥٢).
[ ٢٦ ]
تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك» وقال: سمعت النبي - ﷺ - بعد يخطب فقال: «لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه» (١).
بل حتى وهو - ﷺ - في مرض موته، الذي سيودع فيه أمته ويلقى ربه، كشف الستار والناس صفوف خلف أبي بكر الصديق ﵁ فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها العبد الصالح أو ترى له» (٢).
ولهذا اهتم المحدثون ﵏ بهذه الأحاديث، فعقدوا لها في مصنفاتهم الكتب والأبواب فمن ذلك:
أن الإمام البخاري ﵀ وضع في كتابه الجامع الصحاح كتابًا للتعبير أي تعبير الرؤيا، وذكر فيه ثمانية وأربعين بابًا، وتسعة وتسعين حديثًا، وعشرة آثار عن الصحابة والتابعين (٣).
بدأ تلك الأبواب بباب، بيان أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصادقة (٤).
_________________
(١) صحيح مسلم كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٦) وله روايات متعددة وبألفاظ مختلفة سوف يأتي ذكرها إن شاء الله.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢١٩) ومسلم في صحيحه في كتاب الصلاة، (٤١) باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (١/ ٣٤٨) وهذه الرواية الثانية عند مسلم، وقد سبقت الرواية الأولى في المقدمة.
(٣) انظر: ما ذكره ابن حجر ﵀ حول عدد هذه الأحاديث والموصول منها والمعلق وما وافق مسلم فيها البخاري وما انفرد به البخاري فتح الباري (١٢/ ٤٤٦).
(٤) انظر: صحيح البخاري (٩١) كتاب التعبير (٤/ ٢٩٥ - ٣١١).
[ ٢٧ ]
ثم باب رؤيا الصالحين.
ثم باب الرؤيا من الله.
ثم باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.
ثم باب المبشرات.
ثم باب رؤيا يوسف ﵇.
ثم باب رؤيا إبراهيم ﵇.
ثم باب التواطؤ على الرؤيا.
ثم ذكر ﵀ أبوابًا كثيرة منها.
باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام. باب الحلم من الشيطان فإذا حلم فليبصق عن يساره، وليستعذ بالله ﷿.
باب من كذب في حلمه.
باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها.
باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب.
أما الإمام مسلم ﵀ فقد عقد في صحيحه كتابًا للرؤيا، وذكر فيه ثلاثة وعشرين حديثًا غير المتابعات (١).
وقد صنفت هذه الأحاديث إلى أربعة أبواب:
الأول: باب قوله - ﷺ - من رآني فق رآني.
الثاني: باب لا يخبر بتلعب الشيطان به في المنام.
الثالث: باب في تأويل الرؤيا.
_________________
(١) انظر: صحيح مسلم (٤٢) كتاب الرؤيا (١٧٧١٤ - ١٧٨١) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
[ ٢٨ ]
الرابع: باب رؤيا النبي - ﷺ -.
أما أبو داود ﵀ فذكر بابًا للرؤيا في كتاب الأدب من سننه، وذكر فيه تسعة أحاديث (١).
أما الترمذي ﵀ فعقد كتابًا للرؤيا عن الرسول - ﷺ - في عشرة أبواب، ذكر فيها خمسة وعشرين حديثًا (٢).
ومن تلك الأبواب:
١ - باب أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.
٢ - باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات.
٣ - باب قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٣].
٤ - باب ما جاء في قول النبي - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة».
٥ - باب إذا رأى في المنام ما يكره ما يصنع.
٦ - باب ما جاء في تعبير الرؤى.
٧ - باب في تأويل الرؤى، ما يستحب منها وما يكره.
٨ - باب في الذي يكذب في حلمه.
أما النسائي ﵀ فعقد في كتابه السنن الكبرى كتابًا للتعبير ذكر فيه ثلاثة وعشرين بابًا، أخرج فيها ثمانية وثلاثين حديثًا (٣).
_________________
(١) انظر: سنن أبي داود، (٣٥) كتاب الأدب باب ما جاء في الرؤيا (٢/ ٧٢٣ - ٧٢٥) تحقيق كمال الحوت.
(٢) انظر: جامع الترمذي ٣٥٠ كتاب الرؤيا (٤/ ٥٣٢ - ٥٤٣) تحقيق: إبراهيم عوض.
(٣) انظر السنن الكبرى (٧١) كتاب التعبير (٣/ ٣٨٢، ٣٩٢).
[ ٢٩ ]
ومن تلك الأبواب:
١ - الرؤيا.
٢ - الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح.
٣ - الرؤى بشرى من الله.
٤ - التواطؤ على الرؤى.
٥ - من رأى النبي - ﷺ -.
أما ابن ماجه ﵀ فعقد كتابًا لتعبير الرؤيا، ذكر فيه عشرة أبواب، تضمنت أربعة وثلاثين حديثًا (١).
وهذه الأبواب هي كما يلي:
١ - باب الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.
٢ - باب رؤية النبي - ﷺ - في المنام.
٣ - باب الرؤى ثلاث.
٤ - باب من رأى رؤيا يكرهها.
٥ - باب من لعب به الشيطان في منامه فلا يحدث به الناس.
٦ - باب الرؤيا إذا عبرت وقعت، فلا يقصها إلا على واد.
٧ - باب علام تعبر به الرؤيا؟
٨ - باب من تحلم حلمًا كاذبًا.
_________________
(١) انظر: سنن ابن ماجه (٣٥) كتاب تعبير الرؤيا (٢/ ١٢٨٢ - ١٢٩٤) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
[ ٣٠ ]
٩ - باب أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا.
١٠ - باب تعبير الرؤيا.
وإمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد ﵀ أخرج في مسنده أحاديث كثيرة في شأن الرؤى (١).
_________________
(١) انظر بعض هذه الأحاديث في المسند كما يلي: الجزء الأول (٦٣، ٧٥، ٧٦، ٩٠، ٩١، ١٠١، ١٣١، ٢١٦، ٢١٩، ٢٨٥، ٢٣١) أيضًا (٢٤٦، ٢٦٣، ٢٦٧، ٢٧١) ثلاث (٢٧٩، ٢٩٠، ٣١٥، ٣٦١). الجزء الثاني: (٢، ٥، ١٨، ٣٩، ٤٩، ٥٠، ٧٦، ٨٣، ٨٩، ٩٠، ١٠٤، ١٠٧، ١٠٨، ١١٧، ١١٨، ١١٩، ١٢٢، ١٣٠، ١٣٧، ١٤٤، ١٤٧، ١٥٤، ٢١٦، ٢١٨، ٢٢٢، ٢٣١، ٢٣٢، ٢٣٣، ٢٤٦، ٢٦١، ٢٦٩) مكرر (٣١٤، ٣١٨، ٣١٩، ٣٢٥، ٣٣٣، ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٢، ٣٤٤، ٣٦٤، ٣٦٨، ٣٦٩، ٣٩٥، ٣٩٦، ٤١٠، ٤١١، ٤٢٥، ٤٣٨، ٤٣٩، ٤٥٠، ٤٥٥، ٤٦٣، ٤٦٩، ٤٧٢، ٤٩٥، ٥٠٢، ٥٠٧). الجزء الثالث (٨، ٢٨، ٢٩، ٥٥، ٦٨، ٨٦، ١٠٦، ١٠٧، ١٢١، ١٢٥، ١٢٦، ١٣٥، ١٤٩، ١٨٥، ١٩١، ١٩٩، ٢١٣، ٢٢٥، ٢٣٩، ٢٥٧، ٢٦٣، ٢٦٧، ٢٦٨، ٢٦٩، ٢٨٢، ٢٨٦، ٣٠٧، ٣٠٩، ٣١٥، ٣٤٢، ٣٥٠، ٣٥١، ٣٦٩، ٣٨٣، ٣٨٩، ٣٩٩، ٤٧٢). الجزء الرابع: (١٠) مكرر (١١، ١٢) مكرر (١٣، ٣٢، ٦٤، ٦٦، ١٠٦، ١٠٧). الجزء الخامس (٨، ١٤، ٢١، ٤٤، ٥٠، ١٠٠، ١٠٣، ٢٣٢، ٢٤٣، ٢٥٩، ٢٦٩، ٢٩٦، ٣٠٠، ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٥، ٣٠٦، ٣٠٩، ٣١٠، ٣١٥) مكرر (٣١٦) مكرر (٣٢١، ٣٧٦، ٤٥٢) مكرر (٤٥٣، ٤٥٤، ٤٥٥). الجزء السادس (٣٦، ٤١، ٥٧، ٩٢، ١٢٨، ١٢٩، ١٦١، ١٦٧، ١٩٨، ٢٥٢، ٣٠٢، ٣٠٦، ٣٠٨، ٣٣٩، ٣٧٦، ٣٧٧، ٣٩٤، ٤٠٩) مكرر (٤٣٦، ٤٤٥، ٤٤٦، ٤٤٧، ٤٥٢).
[ ٣١ ]
وكذلك ما بذله أصحاب المصنفات ﵏، من جهود في تصنيف أحاديث الرؤى ومن ذلك ما ذكره ابن أبي شيبة ﵀ في كتابه المصنف في الأحاديث والآثار، حيث قرن بين الإيمان والرؤيا في كتاب واحد (١).
وما ذكره الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدرامي في سننه حيث عقد كتابًا للرؤيا ذكر فيه ثلاثة عشر بابًا وثمانية وعشرين حديثًا ومن تلك الأبواب:
١ - باب قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٣].
٢ - باب في رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.
٣ - باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات.
٤ - باب في رؤية النبي - ﷺ - في المنام.
٥ - باب فيمن يرى رؤيا يكرهها.
٦ - باب الرؤيا ثلاث.
٧ - باب أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا.
٨ - باب النهي عن أن يحتلم الرجل رؤيا لم يرها.
٩ - باب أصدق الرؤيا بالأسحار.
١٠ - باب كراهية أن يعبر الرؤيا إلا على عالم أو ناصح.
١١ - باب الرؤيا لا تقع ما لم تعبر.
١٢ - باب في رؤية الرب تعالى في النوم (٢).
_________________
(١) انظر: الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار (٦/ ١٥٧) تحقيق: كمال الحوت.
(٢) سنن الدارمي (٢/ ١٦٥ - ١٧٥) تحقيق: فؤاد أحمد زمزلي وخالد العلمي، دار الكتاب العربي الطبعة الأولى (١٤٠٧) هـ.
[ ٣٢ ]
ومن ذلك ما ذكره الإمام البغوي ﵀ في كتابه شرح السنة حيث عقد كتابًا للرؤيا، وذكر فيه من الأبواب والأحاديث ما يبين مكانتها في الشريعة، ومن تلك الأبواب:
١ - باب تحقيق الرؤيا أي تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، واستدل برؤيا إبراهيم ﵇ وقول النبي - ﷺ -: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة».
وقوله - ﷺ -: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».
٢ - باب من رأى شيئًا يكرهه.
٣ - باب أقسام الرؤيا.
٤ - باب أقسام تأويل الرؤيا (١).
ولقد كان هؤلاء العلماء ﵏ يشيرون إلى بعض أحكام وآداب الرؤى من خلال عناوين الأبواب التي صنفوها.
وأحيانًا يشيرون إلى الخلاف في بعض المسائل من خلال العناوين أو يشيرون إلى الراجح من الخلاف، كما يقولون في تعبير الرؤيا، الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب، أو يقول بعضهم الرؤيا لأول عابر، أو الرؤيا تقع على ما تعبر، ونحو ذلك من الأحكام التي سوف أفصلها إن شاء الله تعالى.
ولا شك أن هذه الأحاديث بينت الموقف الصحيح من الرؤى وأن منها
_________________
(١) انظر: شرح السنة (١٢/ ٢٠٢، ٢٠٣) وسوف يأتي إن شاء الله تخريج هذه الأحاديث (١٢٣، ١٩٣).
[ ٣٣ ]
الحق ومنها أحاديث النفس وتهاويل الشيطان، ولكل نوع علاماته، وبينت الآداب التي يلتزم بها المسلم عندما يرى ما يحب أو يرى ما يكره.
فالرؤيا الصالحة تسر المؤمن وتعجبه ولا تغره، فهي باعث خير وطمأنينة وهداية وذلك لا يبرر أن يعمل بها إذا كانت مخالفة للشرع، بل إذا خالفت دل ذلك على عدم صلاحها وتركها.
وعلى هذا سار الصحابة ﵃ فكانوا يرجعون إلى النبي - ﷺ - إذا رأوا رؤيا.
وكذلك من بعدهم من سلف هذه الأمة الصالح كانوا يرجعون إلى سنته - ﷺ - ولا يعتمدون على الرؤيا، إلا مجرد الاستئناس بها، وعلى هذا يحمل ما جاء عنهم في الأخذ بالرؤيا الصالحة عند ذكر أسباب تأليف بعض الكتب أو ذكر أسباب هداية بعض الضالين المنحرفين.
فمن ذلك ما ثبت عن الإمام البخاري ﵀ أنه ألف كتاب الجامع الصحيح بسبب رؤيا رآها للنبي - ﷺ - حيث قال: «رأيت النبي - ﷺ - وكأني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أذب بها عنه، فسألت بعض المعبرين، فقال لي: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح» (١).
ومن ذلك أن الرؤيا الصالحة كانت سببًا لهداية بعض المنحرفين عن الطريق المستقيم ولهذا ذكرها ابن القيم ﵀ في المرتبة العاشرة من مراتب الهداية العامة والخاصة.
وقال: «والذي هو من أسباب الهداية، هو الرؤيا التي من الله خاصة» (٢).
_________________
(١) انظر: هدي الساري (٧) حيث قال الحافظ ابن حجر ﵀ «وروينا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان ابن فارس قال: سمعت البخاري يقول: رأيت النبي ص ..».
(٢) انظر: مدارج السالكين (١/ ٦٢) دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى (١٤٠٣ هـ).
[ ٣٤ ]
ومن أمثلة ذلك: أن سبب رجوع الإمام أبي الحسن الأشعري (١) ﵀ عن مذهب الاعتزال، أنه رأى النبي - ﷺ - في النوم حيث قال: وقع في صدري في بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد، فقمت وصليت ركعتين، وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم، ونمت فرأيت الرسول - ﷺ - في المنام فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر، فقال لي رسول الله - ﷺ - عليك بسنتي، فانتبهت!! وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار، فأثبته ونبذت ما سواه وراء ظهري (٢).
وإذا كان هذا هو موقف أهل الحق، فهناك من غلا في الرؤى، فطوائف غلت في الإفراط، وطوائف غلت في التفريط، وكل هؤلاء الغلاة خالفوا ما ذكرته من المنهج الصحيح في الرؤى.
أما أصحاب الغلو في الإفراط فهم الذين رفعوا الرؤى عن مكانتها فاعتبروها مصدرًا للتلقي والتشريع؛ ينقضون بها شرع الله، فقد يحلل أحدهم الحرام أو يحرم الحلال بناء على رؤيا رآها، وقد يدعي بعضهم علم الغيب الذي تفرد الله به بسبب رؤيا رآها أو رآها غيره.
_________________
(١) الإمام العلامة أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري (٢٦٠، ٣٢٤) أخذ مذهب الاعتزال عن شيخه أبي علي الجبائي ثم ترك الاعتزال فكان كلابيًا وإليه انتسب الأشاعرة في هذه المرحلة، مع أنه رجع عن هذا المذهب إلى مذهب أهل السنة والجماعة في الجملة كما في كتابه "الإبانة" انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٨٦) والبداية والنهاية (١١/ ١٩٩) وشذرات الذهب (٢/ ٣٠٣) وألف ابن عساكر كتابه "تبيين كذب المفتري" في التعريف بأبي الحسن والدفاع عنه.
(٢) انظر: تبيين كذب المفتري (٣٨) وما بعدها.
[ ٣٥ ]
فكثيرًا ما يفتتن الناس بأن فلانًا رأى بأن الساعة تقوم بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة بمجرد رؤيا في المنام، تخدع السذج من الناس.
وهذا الغلو والإفراط في شأن الرؤى موجود في كل عصر، ففي جواب لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حول ما يدعيه بعض المبتدعة من الرؤى والمنامات قال: «وقد عرفنا في زماننا بمصر والشام والعراق من يدعي أنه رأى منامات تتعلق ببعض البقاع أنه قبر نبي، أو أنه فيه أثر نبي ونحو ذلك، ويكون كاذبًا، وهذا شيء منتشر» (١).
وما ذكره ابن الحاج (٢) ﵀ حيث قال: «وليحذر مما يقع لبعض الناس في هذا الزمان، وهو أن يرى النبي - ﷺ - في منامه فيأمره بشيء أو ينهاه عن شيء فينتبه من نومه فيقدم على فعله أو تركه بمجرد المنامة دون أن يعرضه على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وعلى قواعد السلف ﵃» (٣).
فهؤلاء الغلاة يعتمدون على الرؤى في حياهم وكأنها وحي يوحى، وينتظرون في كل أمر أن يروا رؤيا تشير لهم إلى الطريق، بل منهم من يستدل بها كما يستدل بالكتاب والسنة.
_________________
(١) جواب على سؤال عرض على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مطبوع ضمن مجموع الفتاوى له (٢٧/ ٤٥).
(٢) هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري، الفاسي، ولد بفاس وتفقه بها، وتوفي بالقاهرة (٧٣٧هـ) وقد عاش بضعًا وثمانين سنة. انظر ترجمته في: الدر الكامنة (٤/ ٢٣٧) والأعلام للزركلي (٧/ ٢٦٤٩ ومعجم المؤلفين (١١/ ٢٨٤).
(٣) المدخل إلى تنمية الأعمال بحسين النيات والتنبيه على كثير من البدع المحدثة والعوائد المنتحلة (٤/ ٢٨٦) دار القلم.
[ ٣٦ ]
وهناك من يصاب بالهم والغم والحزن والخوف بسبب رؤيا رآها، ومن قرأ وسمع الفتاوى التي تصل إلى مشائخنا حفظهم الله، أدرك تأثير الرؤيا في حياة الناس، وحاجتهم إلى معرفة الحكم الشرعي فيها، وموقف المسلم منها.
وهذا الاهتمام والتأثر بالرؤى، جعل بعض المغرضين والمنحرفين يستغلون جهل الناس بالرؤى، فطالمًا افتتن الناس ببعض من يستغل الرؤى لترويج باطله.
ومن أمثلة ذلك: ما ظهر في هذه البلاد وغيرها منذ سنوات من خرافة صاغها شيطان مضل على صورة رؤيا منسوبة إلى من يسمى بالشيخ أحمد خادم المسجد النبوي الشريف، وقصد بهذه النسبة ترويج هذه الفرية.
وقد ضمن هذه الرؤيا المزعومة أكاذيب وتهديدات وتخويفات زعم أنه تلقاها من النبي - ﷺ - حين رآه في المنام (١)، وقال له: أخبر أمتي بهذه الوصية، لأنها منقولة بقلم القدر من اللوح المحفوظ، ومن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد ومن محل إلى محل، بني له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها ويرسلها، حرمت عليه شفاعتي يوم القيامة، ومن كتبها وكان فقيرًا؛ أغناه الله، أو كان مديونًا؛ قضى الله دينه، أو عليه ذنب؛ غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية، ومن لم يكتبها من عباد الله اسود وجهه في الدنيا والآخرة، ومن يصدق بها ينج من عذاب الله، ومن كذب بها كفر.
وهذا بعض ما جاء في هذه الوصية المكذوبة التي تجرأ مخترعها على الكذب على رسول الله - ﷺ - والتي يعرف بطلانها من له أدنى بصيرة، ومع ذلك فقد راجت على كثير من الناس وتداولوها بينهم وصدقها بعضهم فأخذوا يطبعونها ويوزعونها متأثرين بما فيها من الوعود والوعيد.
_________________
(١) غالب نسخها أنها كانت رؤيا منامية، وفي بعض نسخها أنها كانت يقظة، وهذا أشد منكرًا.
[ ٣٧ ]
ولقد قام علماؤنا وفقهم الله، ببيان كذب هذه الوصية وحذروا الناس من نشرها والتصديق بها (١) ومن هؤلاء سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، فقد رد عليها برد جيد مفيد، وبين ما فيها من الكذب والتدجيل (٢).
وهذا مثال يبين مدى تأثر الناس بالرؤى وانحرافهم في مفهومها ورواجها على السذج والبسطاء.
وفي مقابل هؤلاء الغلاة في الإفراط، هناك الغلاة في التفريط، الذين يستهينون بشأن الرؤيا الصالحة، ويقللون من قيمتها، بل لا يرون لها قيمة البتة، فيرون جميع ما يتحدث عنه من الرؤيا إنما هو كلام خرافات وأساطير.
وهذا انحراف في الطرف الآخر وهو أقرب ما يكون إلى نظريات الماديين الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوس، ولذلك ينكرون الغيب وما يتعلق به.
وسوف أقوم إن شاء الله تعالى بالرد على هؤلاء الغلاة في الإفراط والغلاة في التفريط في الباب الثاني من هذا البحث.
_________________
(١) هذه الوصية المكذوبة قديمة، فقد ظهرت في مصر منذ أكثر من ثمانين سنة وقد ذمها أهل العلم، وأظهروا زيفها وبينوا ما فيها من الكذب والباطل، ومنهم الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ وقد قال في رده عليها وقد أجبنا عن هذه المسألة سنة (١٣٢٢) هـ. انظر مقال: رؤيا الشيخ أحمد للشيخ محمد ياسين في مجلة نور الإسلام العدد (٤ ربيع الثاني) ١٣٥١ هـ (٢٨٩، ٣٩٣). ومقال: دعوة الحق إلى الأمة الإسلامية للشيخ أحمد زهدي، في مجلة المنهل العدد (٤ ربيع الأول ١٣٥٨ هـ) (١٥ - ١٧).
(٢) انظر رسالة الشيخ عبد العزيز بن باز بعنوان تنبيه هام على كذب الوصية المنسوبة للشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف: طبعت عدة طبعات من مطبوعات الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. وانظر أيضًا في إنكار هذه الوصية، كتاب البيان لأخطاء بعض الكتاب (٢٢١ - ٢٢٧) للشيخ صالح الفوزان، دار ابن الجوزي الطبعة الأولى (١٤١١) هـ.
[ ٣٨ ]
الباب الأول