هل الرؤيا إذا عبرت وقعت؟
اختلف العلماء﵏- في الرؤيا هل لها حقيقة مستقرة بنفسها، أو هي تابعة للتعبير، كيفما عبرت؟
قال ابن العربي ﵀: "وهذا فصل تكلم الناس فيه، فما أنسوا به لتوحشه" (١).
وحاصل هذه الأقوال يرجع إلى ثلاثة أقوال على جهة التفصيل (٢).
القول الأول: أن الرؤيا إذا عبرت وقعت؛ بمعنى أنها تقع كما عبرها العابر وتلزم، واستدل أصحاب هذا القول بالأحاديث التالية.
(١) ما أخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله، فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالمًا» (٣).
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في مرسل أبي قلابة (٤).
_________________
(١) عارضة الأحوذي (٩/ ١٣٣).
(٢) انظر هذه الأقوال في فيض الباري شرح صحيح البخاري (٤/ ٤٩٠).
(٣) المستدرك (٤/ ٣٩١) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني بشواهده، في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٢١) (١/ ١٨٦).
(٤) انظر: المصنف رقم (٢٠٣٥٤) (١١/ ٢١٣).
[ ٤٠٥ ]
(٢) وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجة من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكر حديثًا فيه: «والرؤيا لأول عابر» (١).
(٣) وأخرج الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه، والحاكم في مستدركه من حديث أبي رزين العقلي أن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا المسلم جزء من أربعين جزءًا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث، فإذا حدث وقعت، ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا» (٢).
وفي لفظ لأحمد وأبي داود وابن ماجة والترمذي وابن أبي شيبة «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر (٣) عليه فإذا عبرت وقعت» قال وأحسبه قال: قال: «لا يقصها إلا على وادٍّ، أو ذي رأي» (٤).
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٧٩) وسنن ابن ماجة (٢/ ١٢٨٨) وهو حديث ضعيف لأن فيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف، لكن له شاهد من الحديث الذي بعده، كما قاله الحافظ في الفتح (١٢/ ٤٣٢).
(٢) مسند الإمام أحمد (٤/ ١٠، ١٢، ١٣) وجامع الترمذي، كتاب الرؤيا، باب ما جاء في تعبير الرؤيا، رقم الحديث (٢٢٧٨) (٤/ ٥٣٦) والحاكم في مستدركه (٤/ ٣٩٠) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٢/ ٤٣٢).
(٣) (ما لم تُعبَّر) بالبناء على المجهول، وتشديد الباء في أكثر الروايات أي ما لم تفسر وفي لفظ لابن ماجة (٢/ ١٢٨٨) ما لم تُعبَر.
(٤) مسند الإمام أحمد (٤/ ١٠) وسنن أبي داود كتاب الأدب، باب ما جاء في الرؤيا، الحديث رقم (٥٠٢٠) (٢/ ٧٢٣) وسنن ابن ماجة، في كتاب تعبير الرؤيا، باب الرؤيا إذا عبرت وقعت فلا يقصها إلا على واد، رقم (٣٩١٤) (٢/ ١٢٨٨) وجامع الترمذي (٢٢٧٣) وقال: حديث حسن صحيح.
[ ٤٠٦ ]
وفي لفظ لأحمد قال: «على رجل طائر ما لم يخبر بها، فإذا أخبر بها وقعت» (١).
(٤) وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عطاء: كان يقال الرؤيا على ما أولت (٢).
(٥) أخرج الدارمي في سننه، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف، فكانت ترى رؤيا كلما غاب عنها زوجها، وقلما يغيب إلا تركها حاملا فتأتي رسول الله - ﷺ - فتقول: إن زوجها خرج تاجرًا فتركني حاملا، فرأيت فيما يرى النائم أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلامًا أعور، فقال رسول الله - ﷺ -: «خير، يرجع زوجك، إن شاء الله تعالى، صالحًا، وتلدين غلامًا برًا» فكانت تراها مرتين أو ثلاثًا كل ذلك تأتي رسول الله - ﷺ - فيقول ذلك لها، فيرجع زوجها
وتلد غلامًا فجاءت يومًا كما كانت تأتيه ورسول الله - ﷺ - غائب، وقد رأت تلك الرؤيا، فقلت لها: عم تسألين رسول الله - ﷺ - يا أمة الله؟ فقالت:
رؤيا كنت أراها فآتي رسول الله - ﷺ - فأسأله عنها، فيقول: خيرًا فيكون كما قال: فقلت: فأخبريني ما هي؟ قال: حتى يأتي رسول الله - ﷺ - فأعرضها عليه كما كنت أعرض، فوالله ما تركتها حتى أخبرتني، فقلت: والله لئن
صدقت رؤياك ليموتن زوجك وتلدين غلامًا فاجرًا فقعدت تبكي، فقال لها: ما لها يا عائشة؟ فأخبره الخبر وما أولت لها، فقال رسول الله - ﷺ -: «مه يا
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٤/ ١١).
(٢) فتح الباري (١٢/ ٤٣٢) وصحح إسناده الحافظ ابن حجر.
[ ٤٠٧ ]
عائشة إذا عبرتم المسلم الرؤيا، فاعبروها على الخير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها، فمات والله زوجها، ولا أراها إلا ولدت غلامًا فاجرًا» (١).
قالوا: هذه الأحاديث صريحة في أن الرؤيا تقع على مثل ما تفسر به، وعليه أن يقال أن الله إذا قدر أن تقع الرؤيا فإنه سبحانه يقدر للعابر أن يفسرها على وفق ما ستقع، ومن ثم أرشدنا النبي - ﷺ - ألا نقص الرؤيا إلا على عالم، أو ناصح.
وقد أشار ابن كثير ﵀ إلى هذا القول، في تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] حيث قال: "أعلمهما – يعني أن يوسف أعلم الفتيين- أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت" (٢).
قوله - ﷺ - في حديث أبي رزين: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» فمعناه كما قال الخطابي ﵀: "هذا مثل معناه لا تستقر قرارها ما لم تعبر" (٣).
وقال ابن الأثير في النهاية: أي أنها على رجل قدر جار، وقضاء ماض من خير أو شر، وأن ذلك هو الذي قسمه الله لصاحبها، من قولهم: اقتسموا دارًا فطار سهم فلان في ناحيتها، أي وقع سهمه وخرج، وكل حركة من كلمة أو
_________________
(١) سنن الدارمي كتاب الرؤيا رقم الحديث (٢١٦٣) (٢/ ١٧٤) وحسنه الحافظ في الفتح (١٢/ ٤٣٢).
(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٧٩).
(٣) معالم السنة (٤/ ١٤٠).
[ ٤٠٨ ]
شيء يجري لك فهو طائر، والمراد أن الرؤيا هي التي يعبرها المعبر الأول، فكأنها كانت على رجل طائر فسقطت ووقعت حيث عبرت، كما يسقط الذي يكون على رجل الطائر بأدنى حركة (١).
وقوله - ﷺ -: «ما لم يحدث» أي ما لم يتكلم المؤمن أو الرائي لها.
وقوله: «بها» أي بتلك الرؤيا أو تعبيرها.
وقوله: «فإذا حدث بها وقعت» أي تلك الرؤيا على الرائي يعني يلحق الرائي أو المرئي له حكمها.
وقوله - ﷺ - في الرواية الأخرى: «فإذا عبرت وقعت» فهذه الرواية تدل على أن المراد بقوله «ما لم يحدث» أي ما لم يتكلم بتعبيرها (٢).
قال الطيبي: "التركيب من باب التشبيه التمثيلي، شبه الرؤيا بالطائر السريع طيرانه، وقد علق على رجله شيء يسقط بأدنى حركة فينبغي أن يتوهم للمشبه حالات متعددة مناسبة لهذه الحالات، وهي أن الرؤيا مستقرة على ما يسوقه التقدير إليه من التعبير، فإذا كانت في حكم الواقع قدر من يتكلم بتأويلها على ما قدر فيقع سريعًا، وإن لم يكن في حكمه، لم يقدر لها من يعبرها" (٣).
القول الثاني: قالوا إن للرؤيا حقيقة ثابتة مستقرة بنفسها وليست تابعة للتعبير.
واستدلوا بقوله تعالى في قصة الملك: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤].
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٠٤) وانظر: جامع الأصول (٢/ ٥٢٣).
(٢) انظر: تحفة الأحوذي (٦/ ٥٥٩).
(٣) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ٥٤٩).
[ ٤٠٩ ]
قال القرطبي ﵀ في تفسيره: "في الآية دليل على بطلان قول من يقول إن الرؤيا على أول ما تعبر؛ لأن القوم قالوا: أضغاث أحلام، ولم تقع كذلك، فإن يوسف فسرها على سني الجدب والخصب، فكان كما عبر، وفيها دليل على فساد أن الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت" (١).
واستدلوا بقوله - ﷺ - لأبي بكر عندما فسر الرؤيا: «أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا» (٢).
ووجه الدلالة: أن الرؤيا حقيقة لم يدرك بعضها أبو بكر، وأخطأ فيها، ثم بتعبيره لها لم تتغير حقيقتها (٣).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٢٠١).
(٢) أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التعبير ٤٧ - باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب، رقم الحديث (٧٠٤٦) (٤/ ٣٠٩) ومسلم في صحيحه في كتاب الرؤيا ٣ - باب في تأويل الرؤيا، رقم الحديث (٢٢٦٩) (٤/ ١٧٧٧) من حديث ابن عباس ﵁ أن رجلا أتى رسول الله - ﷺ - فقال: إني رأيت الليلة في المنام أن ظلة تنظف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل له فعلا فقال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت، والله لتدعني أعبرها فقال له - ﷺ -: «اعبرها». قال: أما الظلة، فالإسلام وأما الذي ينظف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنظف، فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به، فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت وأمي أصبت أم أخطأت؟ قال النبي - ﷺ -: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا» قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي اخطأت قال: «لا تقسم».
(٣) انظر: فتح الباري (٤/ ٤٩٤).
[ ٤١٠ ]
قال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث أن الرؤيا ليست لأول عابر كما تقدم تقريره، لكن قال إبراهيم بن عبد الله الكرماني: المعبر لا يغير الرؤيا عن وجهها عبارة عابر ولا غيره، وكيف يستطيع مخلوق أن يغير ما كانت نسخته من أم الكتاب؟ غير أنه يستحب لمن يتدرب في علم التأويل ألاَّ يتعرض لما سبق إليه ممن لا يشك في أمانته ودينه".
قال الحافظ تعليقًا على قول الكرماني: "وهذا مبني على تسليم أن المرائي تنسخ من أم الكتاب على وفق ما يعبرها العارف، وما المانع أنها تنسخ على وفق ما يعبرها أول عابر" (١).
وأجابوا عن حديث «إذا عبرت وقعت» بأن وقوعها بعد التعبير عبارة عن زوال التردد للرائي، فإنه لا تزال نفسه تتردد في تعبيره، فإذا عبر وقع تعبيره عنده، وليس فيه أن الواقع أيضًا يتبع تعبيره، وإنما المضرة في تعبير الرؤيا المشوهة هو التحزين لا غير (٢).
القول الثالث: قال جمهور العلماء في هذه المسألة تفصيل:
فجمعوا بين أدلة أصحاب القولين السابقين، وقالوا بينها عموم وخصوص فقوله - ﷺ -: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» فهذا الوقوع مخصوص بما إذا أصاب حقيقة الرؤيا، ودل على هذا الخصوص قوله - ﷺ - لأبي بكر: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا».
ولهذا المعنى أشار البخاري ﵀ حيث قال في كتاب التعبير باب: من لم ير الرؤيا لأول عابر، إذا لم يصب (٣)، ثم ساق حديث ابن عباس السابق في قصة تعبير أبي بكر للرؤيا، بين يدي الرسول - ﷺ -.
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٤٣٧).
(٢) انظر: فتح الباري (٤/ ٤٩٤) ولسان العرب (٤/ ٥٣٠).
(٣) صحيح البخاري (٤/ ٣٠٩).
[ ٤١١ ]
قال الكرماني: "قوله –يعني البخاري- العابر الأول، قيل ذلك إذا كان مصيبًا في وجه العبارة، أما إذا لم يصب فلا، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب، فمعنى الترجمة، باب من لم يعتقد أن تفسير الرؤيا هو للعابر الأول إذا كان مخطئًا ولهذا قال النبي - ﷺ - للصديق «أخطأت بعضًا» " (١).
وقال الحافظ ابن حجر: "أشار البخاري إلى تخصيص ذلك بما إذا كان المعبر مصيبًا في تعبيره، وأخذه من قوله - ﷺ - لأبي بكر في حديث الباب «أصب بعضًا وأخطأت بعضًا» فإنه يؤخذ منه أن الذي أخطأ فيه لو بينه له لكان الذي بينه له هو التعبير الصحيح، ولا عبرة بالتعبير الأول" (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: "وهي لأول عابر يحسن عبارتها" (٣).
وقال الطيبي في قوله - ﷺ -: «فإن الرؤيا على رجل طائر» معناه أنها إذا كانت محتملة وجهين ففسرت بأحدهما وقعت على وفق تلك الصفة (٤).
وقال أبو عبيد (٥): "معنى قوله: «الرؤيا لأول عابر» إذا كان العابر الأول عالمًا فعبر فأصاب وجه التعبير وإلا فهي لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا
_________________
(١) شرح صحيح البخاري للكرماني (٢٤/ ١٣٦).
(٢) فتح الباري (١٢/ ٤٣٢).
(٣) جامع الأصول (٢/ ٥٢٣).
(٤) المرجع السابق (٢/ ٥٢٢).
(٥) أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله الهروي (١٥٧ - ٢٢٤هـ) كان أبوه سلامًا مملوكًا روميًا لرجل هروي، وأبو عبيد من شيوخ الإمام أحمد، وأحد أئمة الاجتهاد، ومن أحسن تصانيفه كتاب غريب الحديث، قال الإمام عبد الله بن الإمام أحمد: "عرضت كتاب غريب الحديث لأبي عبيد علي أبي، فاستحسنه، وقال: جزاه الله خيرًا". انظر: ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠ - ٥٠٩) والبداية والنهاية (١٠/ ٣٠٤) والعقد الثمين (٧/ ٢٣ - ٢٥) وتاريخ بغداد (١٢/ ٤٠٧).
[ ٤١٢ ]
على إصابة الصواب في تعبير المنام، ليتوصل بذلك إلى مراد الله فيما ضربه من المثل، فإذا أصاب فلا ينبغي أن يسأل غيره، وإذا لم يصب فليسأل الثاني، وعليه أن يخبره بما عنده، ويبين ما جهل الأول" (١).
ويقول الطحاوي (٢)، ﵀ في كتابه مشكل الآثار.
باب بيان مشكل ما روى عن رسول الله - ﷺ - من قوله الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت، ثم ساق الحديث ثم قال: فسأل سائل: عن معنى قوله: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر» ما هو؟
فكان جوابنا له في ذلك: أنه قد يحتمل أن يكون الرؤيا قبل أن تعبر معلقة في الهواء غير ساقطة وغير عاملة شيئًا حتى تعبر، فإذا عبرت عملت وحينئذ ذكرها بأنها على رجل طائر أي أنها غير مستقرة.
فقال هذا القائل: فقد عبر أبو بكر حديث الظلة، فقال له النبي - ﷺ -: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا» فكان معقولا أن ما كان من ذلك خطأ غير عامل فيما عبر من تلك الرؤيا ما عبره منها عليه.
والجواب في ذلك أن العبارة إنما يكون عملها في الرؤيا إذا عبرت بها إنما يكون تعمل إذا كانت العبارة صوابًا، أو كانت الرؤيا تحمل وجهين اثنين، واحد منهما أولى بها من الآخر، فتكون معلقة على العبارة التي
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٤٣٢).
(٢) هو أبو جعفر، أحمد بن محمد سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي نسبة إلى طحا قرية من قرى الصعيد بمصر (٢٣٩ - ٣٢١ هـ) عاصر الأئمة من الحفاظ من أصحاب الكتب الستة. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧ - ٣٣) والبداية والنهاية (١١/ ١٨٦).
[ ٤١٣ ]
يرد إلى أحدهما حتى يعبر عليه ويرد إليه فيسقط بذلك، وتكون تلك العبارة هي عبارتها، وينتفي عنها الوجه الذي قد كان محتملا لها، والله نسأل التوفيق (١).
ويقول ابن قتيبة (٢) في تأويل مختلف الحديث:
قالوا: رويتم أن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت».
قالوا: كيف تكون الرؤيا على رجل طائر؟ وكيف تتأخر عما تبشر به أو تنذر معه بتأخر العبارة لها؟ وتقع إذا عبرت؟ وهذا يدل على أنها إن لم تعبر، لم تقع.
قال أبو محمد: ونحن نقول إن هذا الكلام خرج مخرج كلام العرب، وهم يقولون للشيء إذا لم يستقر: هو على رجل طائر، وبين مخاليب طائر، وعلى قرن ظبي يريدون أنه لا يطمئن ولا يقف.
قال رجل في الحجاج بن يوسف:
_________________
(١) مشكل الآثار (١١/ ٢٩٥).
(٢) هو أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري النحوي اللغوي (٢١٣ - ٢٧٦ هـ) تولى قضاء الدينور مدة فنسب إليها، حدث عن إسحاق بن راهوية، وأبي حاتم السختياني وطائفة. من مؤلفاته: الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، وكتاب تأويل مختلف الحديث. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦ - ٣٠٢) والبداية والنهاية (١١/ ٤٨ - ٥٧) ووفيات الأعيان (٣/ ٣٢، ٤٣).
[ ٤١٤ ]
كأن فؤادي بين أظفار طائر من الخوف في جو السماء محلق
حذار امرئ قد كنت أعلم أنه متى ما يُعِدُّ من نفسه الشر يصدق
وكذلك الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، يراد أنها تحول في الهواء حتى تعبر، فإذا عبرت وقعت، ولم يرد أن كل من عبرها من الناس وقعت كما عبر، وإنما أراد بذلك العالم بها المصيب الموفق، وكيف يكون الجاهل المخطئ في عبارتها لها عابرًا وهو لم يصب ولم يقارب؟ وإنما يكون عابرًا لها، إذا أصاب.
يقول ﷿: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] يريد إن كنتم تعلمون عبارتها ولا أراد أن كل رؤيا تعبر وتؤول؛ لأن أكثرها أضغاث أحلام.
فمنها ما يكون عن حديث النفس، ومنها ما يكون من الشيطان، وإنما تكون صحيحة التي يأتي بها الملك، ملك الرؤيا عن نسخة أم الكتاب في الحين بعد الحين، وهذه الرؤيا الصحيحة هي التي تحول حتى يعبرها العالم بالقياس الحافظ للأصول الموفق للصواب فإذا عبرها وقعت كما عبر (١).
وممن رجح هذا القول الشيخ الألباني ﵀ حيث قال في قوله - ﷺ -: «على رجل طائر» أي أنها لا تستقر ما لم تعبر، كما قال الطحاوي والخطابي وغيرهما، والحديث صريح بأن الرؤيا تقع على مثل ما تعبر، ولذلك أرشدنا رسول الله - ﷺ - إلى ألا نقصها إلا على ناصح أو عالم؛ لأن المفروض فيهما أن يختار أحسن المعاني في تأويلها فتقع على وفق ذلك، لكن مما لا ريب فيه أن
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث ص (٤١٥، ٤١٦).
[ ٤١٥ ]
ذلك مقيد بما إذا كان التعبير مما تحتمله الرؤيا ولو على وجه، وليس خطأ محضًا، وإلا فلا تأثير له حينئذ، والله أعلم (١).
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (١/ ١٨٨). ويظهر –والله أعلم- أن القول في هذه المسألة شبيه بما يقال في الفأل الحسن وتفصيل ذلك يطول فليراجع ذلك بالتفصيل في: صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الفأل، مع شرحه فتح الباري (١٠/ ٢١٤، ٢١٥) وصحيح مسلم كتاب السلام، باب الطيرة والفأل، وما يكون فيهما من الشؤم، مع شرحه النووي (١٤/ ٢١٨) ومفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٢٤٤ - ٢٧٣) وكتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ص (٤٣٤ - ٤٣٧) وفتح المجيد ص (٤٣٤ - ٤٣٧).
[ ٤١٦ ]