المسألة الثانية: التصوف اصطلاحًا.
المسألة الثالثة: نشأة التصوف وأطواره.
المسألة الرابعة: وسائل المعرفة عند الصوفية.
المسألة الخامسة: كيفية اكتساب هذه المعرفة الصوفية.
المسألة الأولى: أصل التسمية
عند التأمل في أقوال العلماء نجد أنهم يختلفون في المعنى الذي نسب إليه الصوفية أنفسهم، حتى الصوفية أنفسهم يختلفون في ذلك، وأهم هذه الأقوال (١).
(أ) قيل إنهم ينتسبون إلى رجل يقال له صوفه واسمه: الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، كان قد انقطع للعبادة في المسجد الحرام فانتسب إليه الصوفية لمشابهتهم إياه (٢).
_________________
(١) انظر هذه الأقوال في: التعرف لمذهب أهل التصوف لأبي بكر محمد الكلاباذي، (ص٢ - ٣٤) تحقيق: محمود أمين النواوي الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة وكتاب قواعد التصوف لابن زروق (ص٢٩٣) الطبعة الثانية مكتبة الكليات الأزهرية وكتاب التصوف المنشأ والمصادر، تأليف إحسان إلهي ظهير، (ص٢٠ - ٣٥) الناشر دار ترجمان السنة الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ وكتاب التجانية للدكتور علي بن محمد دخيل الله (ص٢١).
(٢) انظر تلبيس إبليس (ص١٩٩ - ٢٠٠) ولسان العرب (٩/ ٢٠٠).
[ ٢٧٩ ]
ومال إلى هذا القول الإمام ابن الجوزي ﵀ فإنه حكاه أولا، وحكى بعده أقوالا عديدة ثم قال: "والصحيح الأول" (١).
لكن ضعف شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول، حيث قال: "وهذا وإن كان موافقًا للنسب من جهة اللفظ، فإنه ضعيف أيضًا، لأن هؤلاء غير مشهورين ولا معروفين عند أكثر النساك.
ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان هذا النسب في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أولى (٢).
ب- قيل: إنهم منسوبون إلى أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - لما بينهم وبين الصوفية من التشابه في الانقطاع عن الدنيا والتفرغ للعبادة.
لكن هذه النسبة غير صحيحة من جهة اللغة، لأنه لو نسبوا إلى أهل الصفة لقيل صفي (٣).
كما أنها غير صحيحة من الناحية الشرعية، فأهل الصفة أغلبهم من الصحابة الذين لم يكونوا قاعدين عن العمل وإنما كانوا ضيوفًا على النبي - ﷺ - وأصحابه، وإن لم يتمكن بعضهم من الكسب والزواج، ثم الزهاد الأولون في القرن الأول لم يطلق عليهم اسم متصوف، والمتصوفة سموا بذلك بعد ما ظهرت البدع (٤).
_________________
(١) تلبيس إبليس (ص٢٠١).
(٢) الصوفية والفقراء رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى له (١١/ ٦، ٧).
(٣) انظر: الرسالة (ص١٢٦) للقشيري، والتعرف لمذهب أهل التصوف، (ص٢٩) وتلبيس إبليس (ص٢٠١) ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٦).
(٤) انظر: رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية، الصوفية والفقراء، المطبوعة ضمن مجموع الفتاوى (١١/ ٣٨ - ٤٥) وتلبيس إبليس (ص٢٠١).
[ ٢٨٠ ]
ج- وقيل إنها مأخوذة من الصفاء، والمعنى هنا صفاء القلب والروح والخلق، وصفاء السلوك العام فهم يزعمون أن الصوفية أكثر الناس صفاء (١).
ومال إلى هذا القول أبو نعيم الأصبهاني (٢) حيث قال مرجحًا بعد ذكر الخلاف اشتقاقه عند أهل الإشارات والمنبئين عنه بالعبارات: من الصفاء والوفاء (٣).
وفي ذلك يقول أبو الفتح البستي (٤).
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا فيه وظنوه مشتقًا من الصوف
ولست أمنح هذا الاسم غير فتى صافى فصوفي حتى سمي الصوفي (٥)
ولكن رد القشيري (٦) هذا الرأي بقوله: "ومن قال: إنه من الصفاء،
_________________
(١) انظر: التعرف لمذهب أهل التصوف (ص٢٨).
(٢) هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران (٣٣٦ - ٤٣٠) هـ ولد بأصبهان حافظ مؤرخ قال عنه ابن الجوزي: سمع كثيرًا وألف كثيرًا وكان يميل إلى مذهب الأشعري كثيرًا، من أشهر مصنفاته حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ودلائل النبوة والمستخرج على الصحيحين. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٥٣ - ٤٦٤) والبداية والنهاية (١٢/ ٤٨، ٤٩).
(٣) حلية الأولياء (١/ ١٧) دار الكتاب العربي، بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ.
(٤) هو علي بن محمد بن الحسين بن يوسف البستي (٣٦٠ - ٤٠١هـ) ولد في بست قرب سجستان وإليها نسب كاتب وأديب وشاعر. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٤٧، ١٤٨) والبداية والنهاية (١١/ ٣٦٨) ومعجم المؤلفين (٧/ ١٨٦).
(٥) انظر: قواعد التصوف (٧) لابن زروق وتحقيق ما للهند من مقولة (٢٥).
(٦) هو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري القشيري (٣٧٦، ٤٦٥هـ) كانت إقامته بنيسابور، من أهم كتبه الرسالة القشيرية والتي رد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الاستقامة، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. انظر ترجمته في طبقات الشافعية (٣/ ٢٤٣ - ٢٤٨) وتاريخ بغداد (١١/ ٨٣).
[ ٢٨١ ]
فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة (١).
(د) قيل: إنهم منسوبون إلى الصف المقدم بين يدي الله ﷿، بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم عليه (٢).
لكن هذه النسبة غير مستقيمة من جهة اللغة فإنهم لو نسبوا إلى الصف لقيل صفي (٣).
(هـ) وقيل نسبة إلى الصفوة من خلق الله، وهذا غير مستقيم أيضًا من جهة اللغة لأنه لو كان كذلك لقيل صفوي (٤).
ويلزم منه أيضًا تفضيل الصوفية على ملائكته، ورسله، وأكابر الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين الذين لم ينتسبوا إلى الصوفية.
و- ذكر البيروني (٥) أنهم ينتسبون إلى الصوفية الحكماء، القائلين بالوحدة، وأن الصوفية أول من تكلم بالوحدة في الإسلام فسموا باسمهم (٦).
_________________
(١) الرسالة القشيرية (ص١٢٦).
(٢) انظر: التعرف لمذهب أهل التصوف، لأبي بكر الكلاباذي (ص٢٨، ٢٩) والرسالة القشيرية (ص١٢٦).
(٣) انظر: الرسالة القشيرية (ص١٢٦) ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٦).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٦).
(٥) هو أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني الخوارزمي (٣٦٢ - ٤٤٠هـ) فيلسوف رياضي، مؤرخ، من أهل خوارزم أقام في الهند مدة، له مصنفات منها: الآثار الباقية من القرون الخالية، والتفهيم لصناعة التنجيم، وتحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة انظر ترجمته في: معجم المؤلفين (٨/ ٢٤١، ٢٤٢) والأعلام (٦/ ٢٠٥).
(٦) تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة (ص٢٤، ٢٥) و(ص٥١، ٦٦) كطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية.
[ ٢٨٢ ]
وهذا يدل على أن التصوف ديانة وثنية قديمة قبل الإسلام (١).
(ز) وقيل إنه نسبة إلى لبس الصوف، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ومال إليه ابن خلدون (٢) في مقدمته، بل ورجحه كثير من المؤلفين الأوائل من المتصوفة كالسراج الطوسي (٣) وغيره وقالوا بأنهم نسبوا إلى الصوف لعدة اعتبارات منها:
١ - لأن شعارهم في اللباس الصوف، وهذا غالبًا.
٢ - ولأن الصوف يدل على الزهد والورع والتنسك، وهذا عند المتقدمين من الصوفية.
٣ - ولأنه موافق للغة (٤).
وبهذا يكون هذا التعريف هو الأقرب في الدلالة اللغوية والمعنوية.
_________________
(١) ذكر زكي مبارك هذا القول عن جماعة من المستشرقين ورده، انظر: كتاب التصوف الإسلامي (١/ ٥٢) دار الجيل لبنان. وانظر هذا القول أيضًا في كتاب: أبحاث في التصوف، للدكتور عبد الحليم محمود (ص١٥٣) والتصوف المنشأ والمصدر (ص٣٢، ٣٣) تأليف إحسان إلهي ظهير.
(٢) هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون التونسي الحضرمي الأشبيلي المالكي (٧٣٢ - ٨٠٨هـ) أديب مؤرخ اجتماعي ولد ونشأ وتعلم في تونس، وتولى القضاء في مصر. انظر ترجمته في شذرات الذهب (٧/ ٧٦، ٧٧) والأعلام للزركلي (٣/ ٣٣٠).
(٣) هو أبو نصر السراج، عبد الله بن علي الطوسي (توفي سنة ٣٧٨هـ) شيخ الصوفية يلقب بطاووس الفقراء من أشهر كتبه اللمع في التصوف الذي يعد أقدم مرجع صوفي. انظر ترجمته في: مرآة الجنان (٢/ ٤٠٨) لليافعي، وشذرات الذهب (٣/ ٩١) لابن العماد ومعجم المؤلفين (٦/ ٨٩) والأعلام (٤/ ١٠٤).
(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٦) ومقدمة ابن خلدون (٢٩٥ - ٢٩٩) وكتاب اللمع (ص٢٠) وعوارف المعارف (٥/ ٦٦) المطبوع بذيل إحياء علوم الدين.
[ ٢٨٣ ]
وهذا الاختلاف في أصل لفظة التصوف واشتقاقها اضطر القشيري إلى أن يقول: وليس لهذا الاسم؛ من حيث العربية قياس، ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب (١).
وهذا معناه أن الصوفية يوصدون الباب حتى أمام من يسألهم عن معنى اسمهم!!