تبين لنا في المبحث الأول، أن الرؤيا في اللغة تعني ما يراه الإنسان في منامه، وهي عبارة عن أمثال مضروبة، وإذا كان الأمر كذلك، فما الفرق بينها وبين الحلم؟
والجواب:
أن الحُلْمُ: بضم الحاء واللام أو ضم الحاء وسكون اللام، وهو ما يراه النائم (١).
قال الجوهري في الصحاح: (الحُلُم بالضم: ما يراه النائم، تقول منه، حَلَم بالفتح واحْتَلَم.
وتقول: حَلَمْت بكذا، وحَلَمْتُه أيضًا (٢).
وقال ابن منظور في لسان العرب: (الحُلْمُ والحُلُم: الرؤيا، والجمع أحْلام، يقال: حَلَم إذا رأى في المنام.
_________________
(١) "الحِلْم: بكسر الحاء وسكون اللام هو الأناة والعقل، مصدر حَلُم- بضم اللام- وجمعه أحلام في القلة وحُلُوم في الكثرة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ﴾ [الطور: ٣٢] تقول منه: حَلُم الرجل وتَحَلَّمَ أي تكلّفَ الحَلْمَ. انظر: الصحاح (٥/ ١٩٠٣) واللسان (١٢/ ١٤٦) والقاموس المحيط (١٤١٦).
(٢) الصحاح (٥/ ١٩٠٣) تحقيق: أحمد عبد الغفور العطار، دار العلم، بيروت، الطبعة الثانية (١٣٩٩ هـ).
[ ٦٤ ]
يقال: حَلَم بالفتح، إذا رأى وتَحَلَّم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا (١).
فالحُلُم بهذا المعنى اللغوي، وهو ما يراه الإنسان في منامه من الخير والشر، فهو مرادف للرؤيا، إلا أنه غلب في الاصطلاح الشرعي استعمال الرؤيا في الخير والشيء الحسن، وغلب استعمال الحلم على خلافه.
يقول ابن الأثير (٢) ﵀: «الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء،، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر القبيح».
ومنه قوله تعالى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر (٣).
ودل على هذا التفريق أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البخاري ﵀ من حديث أبي قتادة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الصادقة
_________________
(١) لسان العرب (١٢/ ١٤٥) وانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٣٤).
(٢) هو مجد الدين، أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري صاحب كتاب جامع الأصول في أحاديث الرسول - ﷺ - المتوفى سنة (٦٠٦ هـ) وأخواه العلامة، عز الدين أبو الحسن ابن الأثير، صاحب كتاب "الكامل في التاريخ" وأسد الغابة في معرفة الصحابة "المتوفى سنة (٦٣٠ هـ) والوزير ضياء الدين صاحب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) المتوفى سنة (٦٣٧ هـ) انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (١٧/ ٧١ - ٧٧) ط/ دار المأمون، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٨١ - ٩١) ط/ النهضة المصرية، وشذرات الذهب لابن العماد (٥/ ٢٢ - ٣٢) وسير أعلام النبلاء للذهبي (٢٢/ ٣٥٣) مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى (١٤٠٥ هـ).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٣٤) تحقيق: الماهر الزاوي ومحمود الطناحي.
[ ٦٥ ]
من الله والحلم من الشيطان» الحديث (١).
يقول ابن حجر ﵀: ظاهر قوله - ﷺ -: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» أن التي تضاف إلى الله لا يقال لها: (حلم) والتي تضاف إلى الشيطان لا يقال لها: (رؤيا) وهو تصرف شرعي وإلا فالكل يسمى رؤيا، وقد جاء في حديث آخر (الرؤيا ثلاث) (٢) فأطلق على الكل رؤيا (٣).
ولهذا من فقه الإمام البخاري ﵀ في كتابه الجامع الصحيح المسند من أحاديث الرسول - ﷺ - وسننه وأيامه أنه في كتاب التعبير وضع بابًا بعنوان الرؤيا من الله (٤) وبابًا آخر بعنوان الحلم من الشيطان (٥) واستدل بحديث أبي قتادة السابق للتفريق بين الرؤيا والحلم.
ولعل الحكمة والله أعلم في نسبة الرؤيا إلى الله، والحلم إلى الشيطان، أن الله ﷿ كره أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد، فشرع التفريق بين الحق والباطل، بأن جعل الرؤيا ما كان من الله، والحلم ما كان من الشيطان، لأنه الذي يخيل بها ولا حقيقة لها (٦)، فهي من
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٢/ ٢٦٩).
(٤) صحيح البخاري (٩١) كتاب التعبير ٣ - باب الرؤيا من الله (٤/ ٢٩٦).
(٥) المرجع السابق (٤/ ٣٠١) الباب (١٤).
(٦) انظر: إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، لأبي عبد الله الأبي (٦/ ٦٨) دار الكتب العلمية، وفتح الباري شرح صحيح البخاري (١٢/ ٣٧٠، ٣٩٣) الطبعة السلفية وإرشاد الساري شرح صحيح البخاري (١٠/ ١١٨) دار الفكر، وجامع الأصول في أحاديث الرسول ص (٤/ ٢٠٩).
[ ٦٦ ]
إلقائه وتشويشاته وتلاعبه ووسوسته وتحزينه للإنسان، كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة في نسبتها إلى الشيطان وبيان عداوته للإنسان (١).
وهذا التفريق بين الرؤيا والأحلام من الاصطلاحات الشرعية، وإن كان كل من الرؤيا والحلم من عند الله ﷿، وإنما ذلك جار على أدب العبودية من إضافة الخير إلى الله وإضافة الشر إلى غيره (٢)، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
وكقوله عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠].
وكقول النبي - ﷺ - في دعاء الاستفتاح: «والخير كله بيديك والشر ليس إليك» (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد علم الصحابة ﵄ أن ما خالف الشرع والدين فإنه يكون من النفس والشيطان، وإن كان بقضاء الله وقدره (٤).
_________________
(١) ويأتي إن شاء الله بيان هذا العداوة عند التحدث عن أقسام الرؤيا.
(٢) انظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر، لابن القيم ﵀ (١٧٨ - ٢٠٦) وشرح العقيدة الطحاوية (٣٦٤ - ٣٦٦) طبعة المكتبة الإسلامية تخريج الألباني والجواب المختار لابن عثيمين (٣٨).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٥٣٤) (٧٧١) وأبو داود (٧٦٠) والترمذي (٣٤١٧) والنسائي (٢/ ١٣٠) من حديث علي ﵁.
(٤) منهاج السنة (٥/ ١٨٣) تحقيق: محمد رشاد سالم، من مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
[ ٦٧ ]