رؤية النبي - ﷺ - لربه في المنام ثبتت عنه في عدة أحاديث منها:
١ - حديث معاذ بن جبل ﵁:
فأخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه وابن خزيمة في كتاب التوحيد وغيرهم من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال:
_________________
(١) هو أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي السجستاني (٢٠٠ - ٢٨٠هـ) كان تلميذًا للإمام أحمد بن حنبل. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣١٩) وشذرات الذهب (٢/ ١٧٦).
(٢) انظر: الرد على بشر المريسي (١٦٦).
(٣) الأسماء والصفات (٤٤٧) وانظر: ظلال الجنة في تخريج السنة (١/ ١٨٨، ١٩٢). وصحيح الجامع (٣/ ١٦٨).
(٤) زاد المعاد (٣/ ٣٧).
[ ٣٣٨ ]
احتبس علينا رسول الله - ﷺ - ذات غداة عن صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله - ﷺ - سريعًا فثوب (١) للصلاة، وصلى وتجوز في صلاته فلما سلم قال: «كما أنتم على مصافكم».
ثم أقبل إلينا فقال: «إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل، فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت (٢) فإذا أنا بربي ﷿ في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب، قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب، فرأيته وضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلى لي كل شيء، وعرفت، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجمعات، وجلوس في المساجد بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء عند الكريهات، قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام ولين الكلام، والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك».
_________________
(١) ثوب: التثويب ههنا إقام الصلاة وقيل إنما سمي تثويبًا من ثاب يثوب إذا رجع، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة انظر: النهاية في غريب الحديث (١/ ٢٢٦).
(٢) وقع في مسند الإمام أحمد (٥/ ٢٤٣) لفظه "استيقظت" وظاهره إنه رأى الله ﷿ في اليقظة وهذا تصحيف لمخالفتها بقية الروايات، قال ابن حجر المكي: والظاهر أن رواية «حتى استيقظت» تصحيف، فإن المحفوظ في رواية أحمد والترمذي حتى استثقلت انظر: الفتح الرباني (١٧/ ٢٢٣) وتحفة الأحوذي (٩/ ١٠٣).
[ ٣٣٩ ]
وقال رسول الله - ﷺ -: «إنها حق فادرسوها وتعلموها» (١).
ومما يدل على أن هذه الرؤيا كانت منامًا قوله - ﷺ -: «فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي ﷿ في أحسن صورة».
قال الدارمي ﵀: «فحين وجد هذا لمعاذ بن جبل كذلك صرفت الروايات التي فيها إلى ما قال معاذ، فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم» (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقوله «أتاني البارحة ربي في أحسن صورة» الحديث الذي رواه الترمذي وغيره، إنما كان بالمدينة في المنام، هكذا جاء مفسرًا (٣).
وقال ابن كثير ﵀: «وأما الحديث الذي رواه أحمد فهو حديث المنام المشهور ومن جعله يقظة فقد غلط، وهو في المسند من طرق» (٤).
٢ - حديث ابن عباس ﵄:
أخرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، قال: إن النبي - ﷺ - قال: «أتاني ربي ﷿ الليل في أحسن صورة - أحسبه يعني في النوم - فقال: يا محمد هل تدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟. ..» الحديث (٥).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٥/ ٢٤٣) والترمذي (٥/ ٣٦٨) في تفسير سورة ص، (٣٢٥٥) وكتاب التوحيد لابن خزيمة (٢١٣، ٢١٥، ٢١٨) وقد صحح هذا الحديث الإمام أحمد وابن خزيمة كما في التهذيب (٦/ ٢٠٥).
(٢) رد الدارمي على بشر المريسي (١٦٦).
(٣) رسالة لشيخ الإسلام تسمى الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية، مطبوع ضمن مجموع الفتاوى له (٢/ ٣٣٦) وانظر: الوصية الكبرى ص (٧٣) وزاد المعاد لابن القيم (١/ ١٣٦).
(٤) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٣).
(٥) مسند الإمام أحمد (١/ ٣٦٨) والترمذي (٢/ ٢١٤، ٢١٥) رقم (٣٢٣١) (٣٢٣٢) وصححه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٥/ ١٦٢) والألباني في ظلال الجنة (١/ ١٨٨، ٢٠٤) وإرواء الغليل (٣/ ١٤٧، ١٤٨).
[ ٣٤٠ ]
قال ابن مندة ﵀ في كتابه الرد على الجهمية: "وروى هذا الحديث عشرة من أصحاب النبي - ﷺ - ونقلها عنهم أئمة البلاد من أهل الشرق والغرب (١).
_________________
(١) الرد على الجهمية ص (٩٠) ومن هؤلاء الصحابة: جابر بن سمرة، وأبو أمامة، وثوبان، وعمران بن الحصين، وأم الطفيل، وعبد الله بن عمر، أبو رافع، وأبو عبيدة، وأنس وعبد الرحمن بن عايش وقد جمع الدارقطني في كتاب الرؤية ص (٣٠٨ - ٣٤٢) روايات وطرق هذه الأحاديث وانظر أيضًا السنة لابن أبي عاصم ص (١٨٨) واختيار الأولى في اختصام الملأ الأعلى. وقد ذكر هذه الأحاديث الشيخ حمود التويجري ﵀ في كتابيه عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن، الذي أثنى عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ص (٤٤/ ٤٧) وكتابه كتاب الرؤيا ص (٣٣/ ٤٠). ثم قال بعد ذكر هذه الأحاديث: "وإذا علم أن رؤيا النبي - ﷺ - في المنام وحي وحق، فليعلم أيضًا أنه يجب الإيمان بما أخبر به رسول الله - ﷺ - من رؤيته لربه ﵎ في المنام في أحسن صورة وأنه وضع كفه، وفي رواية: يده بين كتفي رسول الله - ﷺ - حتى وجد بردها بين ثدييه. ويجب أيضًا إمرار ما جاء من ذلك في الأحاديث التي تقدم ذكرها كما جاء من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل وقد تلقاها الصحابة عن النبي - ﷺ - وقابلوها بالتسليم وأمرُّوها كما جاءت، ثم تلقاها من رواها عنهم من التابعين وكذلك أتباع التابعين من بعدهم وقابلوها بالقبول والتسليم، وأمروها كما جاءت، ثم خرجها من جاء بعدهم من أكابر المحدثين الذين تقدم ذكرهم وقابلوهم بالقبول والتسليم، وأمروها كما جاءت. وهذه الطريقة هي طريقة السلف في آيات الصفات، وأحاديث الصفات، وهي أسلم وأحكم من طريقة الخلف، الذين خاضوا في تأويل الصفات وأحاديثها وصرفوها عن ظاهرها بما سنح لهم من الاحتمالات والتأويلات الباطلة حتى آل بهم ذلك إلى التعطيل. وقد قال ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" إنَّ السلف رووا أحاديث الصفات وسكتوا عنها، وهم كانوا أعمق الناس علمًا، وأوسعهم فهمًا وأقلهم تكلفًا ولم يكن سكوتهم على عي، فمن لم يسعه ما وسعهم فقد خاب وخسر اهـ. وانظر كذلك كتابه: الرد القويم على المجرم الأثيم ص (٣٣٥) الطبعة الثانية (١٤٠٦هـ) وكذلك ما قاله ابن رجب في اختيار الأولى في اختصام الملأ الأعلى ص (٤٠، ٤١).
[ ٣٤١ ]