وصفت الرؤيا الصالحة بصفات عديدة، تدل على أهميتها وعظم شأنها، فمن تلك الصفات.
(١) أنها من الله:
كما أخرج الإمام مالك في "الموطأ" والإمام أحمد في مسنده، والبخاري ومسلم من حديث أبي قتادة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ - وآله وسلم: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان » الحديث.
وفي بعض ألفاظها: «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان».
وفي بعض ألفاظها: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان» (١).
وكما سيأتي إن شاء الله، في بقية الأوصاف من إضافتها إلى الله ﷿.
يقول ابن أبي جمرة (٢) ﵀: (قوله ﵊ «من الله» أي: هي حق لا شك فيها، لأن كل ما هو من عند الله لا شك في أنه حق ولذلك قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
_________________
(١) الموطأ (٢/ ٩٥٧) ومسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٣) وصحيح البخاري كتاب التعبير باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، (٦٩٨٦) (٤/ ٢٩٦) وصحيح مسلم (٤/ ١٧٧٢).
(٢) هو الإمام العلامة أبو محمد، عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جمرة الأزدي الأندلس المالكي، ومن علماء الحديث وله عدة مصنفات منها: جمع النهاية اختصر به صحيح البخاري، وشرحه في كتابه بهجة النفوس، قال فيه ابن كثير: «الإمام الناسك، كان قوالًا بالحق أمَّارًا بالمعروف، ونهاء عن المنكر» توفي سنة (٦٩٥هـ) ﵀. انظر ترجمته في البداية والنهاية (١٣/ ٣٦٦) والأعلام للزركلي (٤/ ٨٩).
[ ١١٨ ]
وإضافتها إلى الله إضافة تشريف، كما هو جار على أدب العبودية من إضافة الخير إلى الله وإضافة الشر إلى غيره (١) كما سبق تفصيله في الفرق بين الرؤيا والحلم.
(٢) الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة:
كما دل على ذلك حديث عوف بن مالك ﵁، عن رسول الله ﵌ قال: «إن الرؤيا ثلاث، منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٢).
وما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٣).
وغيرهما من الأحاديث التي سيأتي إن شاء الله تفصيلها وبيان معنى كونها جزءًا من أجزاء النبوة وما يتعلق بذلك من مسائل في الفصل الثالث من هذا الباب.
(٣) وصفها بأنها رؤيا حق:
ورؤيا الحق: هي التي لا بد من وقوعها وصدقها، فهي ليست من قبيل أضغاث الأحلام (٤).
كما أخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال
_________________
(١) بهجة النفوس (٤/ ٣١، ٢٥٣).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) صحيح البخاري (١٢/ ٣٧٣) مع شرحه فتح الباري.
(٤) انظر: تفسير كلام المنان للسعدي (٧/ ١٠٥) ومحاسن التأويل للقاسمي (١٥/ ٥٤٢٦).
[ ١١٩ ]
رسول الله - ﷺ -: «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان، فمن رأى ما يكره فليقم فليصل» (١).
ومن ذلك قوله ﷿: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧].
(٤) وصفها بأنها بشرى من الله:
كما أخرج الإمام أحمد ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «الرؤيا ثلاثة، فالرؤيا الصالحة بشرى من الله ﷿، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا وليقم فليصل» (٢).
وجاءت الأحاديث الكثيرة بوصف الرؤيا الصالحة بأنها من مبشرات النبوة كحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» (٣).
وجاءت الأحاديث الكثيرة في تفسير قوله ﷾: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] بأن المراد بالبشرى هنا الرؤيا الصالحة، ولذلك سوف أتحدث عن هذا الوصف في علامات الرؤيا الصالحة بشيء من التفصيل إن شاء الله تعالى.
(٥) أنها مما تعجب الرائي:
كما أخرج الإمام أحمد من حديث أبي قتادة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من رأى رؤيا تعجبه فليحدث بها فإنها بشرى من الله ﷿، ومن رأى
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
[ ١٢٠ ]
رؤيا يكرهها فلا يحدث بها وليتفل عن يساره، ويتعوذ بالله من شرها» (١).
(٦) أنها مما يحب الرائي:
كما أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره» (٢).
(٧) وصفها بأنها صادقة:
كما أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: (كان أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ) الحديث (٣).
والصادقة هي المطابقة للواقع، فتقع كما هي معبرة في المنام فلا تحتاج إلى تعبير، وهي بهذا المعنى خاصة بالرؤيا الصالحة التي لا تحتاج إلى تعبير بل تقع معبرة في المنام.
وقيل الصادقة هي بمعنى الصالحة، وتشمل ما يحتاج إلى تعبير وما لا يحتاج إلى تعبير وهي بذلك عامة لجميع أنواع الرؤيا الصالحة، ولهذا جاء في بعض روايات حديث عائشة (الصالحة) بدل الصادقة (٤).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٩٥) وابن شيبة في مصنفه (١٢/ ١٩٣) وابن ماجة في سننه (٢/ ٤٤٩). وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٣/ ٣٢٨) (١٣٤٠، ١٣٤١).
(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ٨) صحيح البخاري، كتاب التعبير، (٣٠ - باب الرؤيا من الله)، رقم الحديث (٦٩٨٥) (٤/ ٢٩٦).
(٣) صحيح البخاري (٨/ ٧١٥، ٧٢٣) مع شرحه فتح الباري وصحيح مسلم (١/ ١٣٩) رقم (١٦٠).
(٤) انظر: شرح الكرماني لصحيح البخاري (٢٤/ ٩٤) وشرح النووي لمسلم (٢/ ١٩٧).
[ ١٢١ ]
(٨) وصفها بالصالحة:
وهذا الوصف هو الذي جاء في أغلب الأحاديث كحديث أبي قتادة ﵁: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان» (١) وحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ -: قال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» (٢).
وحديث أبي هريرة ﵁، قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» (٣) وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «الرؤيا ثلاثة، فالرؤيا الصالحة بشرى من الله ﷿، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث أحدًا وليقم وليصل» (٤).
وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٥).
وغيرها من الأحاديث الكثيرة.
والصالحة تحتمل معنيين خاصًا وعامًا:
المعنى الخاص: صالحة ظاهرها، وهي التي تسر وتفرح، وبهذا جاء وصفها في الأحاديث الأولى بأنها الحسنة والمبشرة، وأنها مما يحب الرائي ومما يعجبه.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه وكتاب التعبير (٥ - باب المبشرات)، رقم الحديث (٦٩٩٠) (٤/ ٢٩٧).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
[ ١٢٢ ]
المعنى العام: وضوح تعبيرها، وهي التي تقع سواء كانت تسر أو لا تسر، وسواء كانت مبشرة أو منذرة، وسواء كانت معبرة في المنام أو تحتاج إلى تعبير، فهي بهذا خلاف أضغاث الأحلام، وهي بمعنى قوله ﵌: «الرؤيا من الله» دون تقييد كونها صالحة أو لا.
(٩) وصف الرؤيا الصالحة، بأنها رؤيا حسنة:
كما أخرج الإمام مالك وأحمد والبخاري وابن ماجة وابن حبان في صحيحه، من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (١).
وحديث أبي هريرة ﵁ السابق: «والرؤيا ثلاث، الرؤيا الحسنة بشرى من الله، والرؤيا يحدث بها الرجل نفسه، والرؤيا تحزن من الشيطان » (٢).
وأخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث أبي الطفيل، عامر بن واثلة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» قال: قيل وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الحسنة» أو قال: «الرؤيا الصالحة» (٣).
والحسنة لها معنيان:
١ - إما باعتبار حسن ظاهرها.
٢ - وإما باعتبار صدقها (٤).
_________________
(١) سوف يأتي تخريجه إن شاء الله بالتفصيل في مبحث كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.
(٢) سبق تخريجه (ص٩١، ٩٢).
(٣) مسند الإمام أحمد (٥/ ٤٥٤) ومعجم الطبراني، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجاله ثقات.
(٤) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٧٢، ٤٣٠) والكرماني (٢٤/ ٩٨) وبهجة النفوس (٤/ ٢٥٢).
[ ١٢٣ ]
وقال الباجي: "الحسنة، أي الصادقة أو المبشرة" (١).
وفي الأحاديث السابقة جاء وصف الحسنة بالصالحة.
يقول الكرماني ﵀: «الصالحة: هي ما صلح صورتها أو ما صلح تعبيرها، والصادقة هي المطابقة للواقع» (٢).
ويقول القاضي عياض (٣) ﵀: كون الرؤيا صالحة يحتمل أن ترجع إلى حسن ظاهرها، ويحتمل أن ترجع إلى صحتها وكونها صادقة (٤).
ويقول ابن العربي ﵀: معنى صلاحها: استقامتها وانتظامها (٥).
ويقول الحافظ ابن حجر ﵀ في الفرق بين الرؤيا الصادقة والصالحة: (الصالحة، والصادقة هما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص، فرؤيا النبي - ﷺ - كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهي الأكثر).
وغير الصالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في رؤيا يوم أحد (٦).
_________________
(١) شرح الزرقاني (٤/ ٣٥٠).
(٢) شرح الكرماني لصحيح البخاري (٢٤/ ٩٤).
(٣) هو الإمام العلامة: شيخ الإٍسلام القاضي أبو الفضيل: عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي (٤٧٦ - ٥٤٤هـ) له تواليف عديدة من أشهرها كتاب: "الشفاء". انظر: ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (٢٠/ ٢١٢ - ٢١٩) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٢٥).
(٤) إكمال المعلم شرح صحيح المسلم (٦/ ٧٠) مع شرح الأبي.
(٥) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٥).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة أو هَجَرٌ فإذا هي المدينة يثرب، ورأيْتُ فيها بقرًا والله خَيْرٌ، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخبر ما جاء الله به من الخير والثواب الصدق الذي آتانا الله به بعد يوم بدر، فتح الباري (١٢/ ٤٢١).
[ ١٢٤ ]
وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص: "إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقًا (١).
ويظهر، والله أعلم، أن هذه الأوصاف للرؤيا الصالحة، إما وصف لها قبل وقوعها، فتتكون هذه الأوصاف يحسب الغالب في الرؤيا الصالحة وأنها مما يحب الرائي.
وإما أن تكون هذه الأوصاف للرؤيا الصالحة بعد وقوعها، فتكون هذه الأوصاف لحقيقة أمرها، وعلى هذا فلا إشكال في اختلاف أوصاف الرؤيا الصالحة، والله أعلم.
ثم إن القطع على الرؤيا بكونها صالحة، لا سبيل إليه، وإنما ذلك على سبيل غلبة الظن، وأما إدراك ما هو حق منها، وما هو باطل، فهذا صعب الوصول إليه، وإنما هناك علامات تفيد غلبة الظن في كون الرؤيا صالحة (٢). وسوف أذكر إن شاء الله، هذه العلامات بشيء من التفصيل في المسألة الثالثة.