يقول الإمام البغوي ﵀ في كتابه شرح السنة: "واعلم أن تأويل الرؤيا ينقسم أقسامًا، فقد يكون بدلالة من جهة الكتاب، أو من جهة السنة، أو من جهة الأمثال السائرة بين الناس، وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني، وقد يقع على الضد والقلب" (١).
وإليك تفصيل ذلك:
(أ) التأويل بدلالة القرآن:
يقول ابن القيم ﵀: وبالجملة فما تقدم من أمثال القرآن كلها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن أحسن الاستدلال بها، وكذلك من فهم القرآن فإنه يعبر به الرؤيا أحسن تعبير، وأصول التعبير الصحيحة إنما أخذت من مشكاة القرآن، فالسفينة تُعبَّر بالنجاة، لقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥] والخشب يعبر بالمنافقين، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤].
والحجارة تعبر بقساوة القلوب، لقوله جل ذكره: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٣٤].
والبيض يعبر بالنساء، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] (٢).
_________________
(١) شرح السنة (١٢/ ٢٢٠).
(٢) وانظر كلام ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ١٩١).
[ ٣٩٧ ]
وكذلك اللباس يعبر بالنساء لقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] (١).
(ب) التأويل بدلالة الحديث:
قال البغوي ﵀: "وأما التأويل بدلالة الحديث كالغراب يعبر الرجل الفاسق؛ لأن النبي - ﷺ - سماه فاسقًا" (٢).
والفأرة تعبر بالمرأة الفاسقة؛ لأن النبي - ﷺ - سماها فويسقة (٣).
والضلع يعبر بالمرأة، لقول النبي - ﷺ -: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج» (٤).
والقوارير تعبر بالنساء لقوله - ﷺ -: «يا أنجشة رويدك سوقًا بالقوارير» (٥).
(ج) التأويل بالأمثال السائرة بين الناس:
قال البغوي ﵀: ويعبر طول اليد بصنائع المعروف، لقولهم:
فلان أطول يدا من فلان (٦).
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ١٩٣، ١٩٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٢٠٩، ٢٣٨) وابن ماجة في سننه (٢/ ١٠٨٢) وغيرها من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ص قال: «الحية فاسقة والعقرب فاسقة، والفأرة فاسقة، والغراب فاسق» وهو حديث صحيح، صححه الألباني في إرواء الغليل (٤/ ٢٢١) رقم (١٠٣٦) وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٤٤٠) رقم (١٨٢٥).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق (٦/ ٣٥٥) مع شرحه الفتح، وأحمد في مسنده (٣/ ٣٨٨) من حديث جابر
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء (٦/ ٣٦٣) مع شرحه الفتح، وأحمد في مسنده (٥/ ٨) والدارمي في سننه (٢/ ١٤٨) وابن ماجة في سننه (١/ ٥٢٥) من حديث سمرة بن جندب.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب (١٠/ ٥٣٨) مع شرحه الفتح، وأحمد في مسنده (٣/ ١٠٧، ١١٧) من حديث أنس.
(٦) شرح السنة (١٢/ ٢٢٢) وانظر أمثلة كثيرة فيه.
[ ٣٩٨ ]
ومن ذلك قول النبي - ﷺ - لنسائه: «أسرعكن لحاقًا بي، أطولكن يدًا» قالت عائشة فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا، قالت: فكانت أطولنا يدا زينب، لأنها كانت تعمل وتتصدق (١).
قال النووي ﵀: "إنهن ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقة وهي الجارحة فكن يذرعن أيديهن بقصبة فكانت سودة أطولهن جارحة، وكانت زينب أطولهن يدا في الصدقة وفعل الخير، فماتت زينب أولهن فعلموا أن المراد بطول اليد في الصدقة والجود، قال أهل اللغة يقال فلان طويل اليد وطويل الباع إذا كان سمحًا جوادًا وضده قصير اليد والباع" (٢).
(د) التأويل بالأسامي:
قال البغوي ﵀: "والتأويل بالأسامي، كمن رأى رجلا يسمى راشدًا يعبر بالرشد، وإن كان يسمى سالمًا يعبر بالسلامة" (٣).
ثم ساق بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أرأيت ذات ليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب (٤) فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب» (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ٢٨٦) مع شرح الفتن، ومسلم (٤/ ١٩٠٧) رقم (٢٤٥٢) من حديث عائشة.
(٢) شرح النووي لصحيح مسلم (١٦/ ٨).
(٣) شرح السنة (١٢/ ٢٢٢).
(٤) قال النووي في شرح مسلم (١٥/ ٣١) "هو نوع من الرطب معروف، يقال له رطب ابن طاب، وتمر ابن طاب، وعذب ابن طاب، وعرجون ابن طاب، وهي مضاف إلى ابن طاب رجل من أهل المدينة".
(٥) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٢١٣، ٢٨٦) ومسلم في صحيحه (٤/ ١٧٧٩) رقم (٢٢٧٠) تحقيق: محمد فؤاد.
[ ٣٩٩ ]
ومن أمثلة ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده والبخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة (١) فأولت أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة، وهي الجحفة» (٢).
قال المهلب: «هذه الرؤيا من قسم الرؤيا المعبرة وهي مما ضرب به المثل، ووجه التمثيل أنه شق من اسم السوداء السوء والداء، فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول من ثوران شعر رأسها أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة» (٣).
(هـ) تأويل بدلالة المعاني:
وهذا الأغلب في تأويل الرؤيا، كما يقول السعدي ﵀ في تفسير سورة يوسف: وإن أغلب ما تبنى عليه، أي الرؤيا، المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة. فإن رؤيا يوسف، التي رأى فيها الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا له ساجدين، وجه المناسبة فيها أن هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها وبها منافعها.
فكذلك الأنبياء والعلماء، زينة الأرض وجمالها، وبهم يهتدى في الظلمات، كما يهتدى بهذه الأنوار.
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١٢/ ٤٢٥) «مهيعة بفتح الميم وسكون الهاء بعدها ياء آخر الحروف مفتوحة ثم عين مهملة، وقيل بوزن عظيمة».
(٢) المسند (٢/ ١٠٧، ١١٧) وصحيح البخاري كتاب التعبير ٤١ - باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كوة وأسكنه موضعًا آخر ٤٢ - باب المرأة السوداء، ٤٣ - باب الثائرة الرأس، الأحاديث (٧٠٣٨ - ٧٠٤) (٤/ ٣٠٨).
(٣) فتح الباري (١٢/ ٤٢٦).
[ ٤٠٠ ]
ولأن الأصل أبوه وأمه وإخوته هم الفرع، فمن المناسب أن يكون الأصل أعظم نورًا وجرمًا لما هو فرع عنه فلذلك كانت الشمس أمه، والقمر أباه، والكواكب إخوته.
ومن المناسبة أن الشمس لفظ مؤنث، فلذلك كانت أمه، والقمر والكواكب مذكرات فكانت لأبيه وإخوته.
ومن المناسبة أن الساجد معظم محترم للمسجود له، والمسجود معظم محترم فلذلك دل ذلك على أن يوسف يكون معظمًا ومحترمًا، عند أبويه وإخوته ومن لازم ذلك، أن يكون مجتبى مفضلًا في العلم والفضائل الموجبة لذلك. ولذلك قال أبوه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦].
ومن المناسبة في رؤيا الفتيين، أن الرؤيا الأولى، التي رأى صاحبها أنه يعصر خمرًا، أن الذي يعصر خمرًا في العادة، يكون خادمًا لغيره، والعصر يقصد لغيره، فكذلك أوله بما يئول إليه، أنه يسقي ربه، وذلك متضمن لخروجه من السجن.
وأول رؤيا الآخر: أي أنه يحمل فوق رأسه خبزًا، تأكل الطير منه، بأن جلدة رأسه ولحمه وما في ذلك من المخ، أنه هو الذي يحمل، وأنه سيبرز للطير بمحل تتمكن من الأكل من رأسه، فرأى من حاله أنه سيقتل ويصلب بعد موته فيبرز للطيور فتأكل من رأسه، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل.
وأول رؤيا الملك للبقرات والسنبلات بالسنين المخصبة والسنين المجدبة، ووجه المناسبة أن الملك به ترتبط أحوال الرعية ومصالحها، وبصلاحه تصلح، وبفساده تفسد.
[ ٤٠١ ]
وكذلك السنون، بها صلاح أحوال الرعية، واستقامة أمر المعاش أو عدمه.
وأما البقر، فإنها تحرث الأرض عليها، ويستقى عليها الماء، وإذا أخصبت السنة سمنت وإذا أجدبت صارت عجافًا.
وكذلك السنابل في الخصب، تكثر وتخضر، وفي الجدب تقل وتيبس، وهي أفضل أغلال الأرض (١).