اتضح لنا مما سبق أن علماء النفس قد ألزموا أنفسهم بدراسة الظواهر النفسية التي يمكن ملاحظتها أو قياسها أو إخضاعها للبحث التجريبي، أما
_________________
(١) الإنسان بين المادية والإسلام (ص١٩) محمد قطب.
[ ٢٦٦ ]
الظواهر النفسية والروحية التي لا يمكن ملاحظتها أو قياسها أو إخضاعها للبحث التجريبي فقد استبعدوها عن دائرة البحث في علم النفس.
فعلم النفس ينحو منحى ماديًا في تفسيره للمعرفة، فالمعرفة الحسية هي الأساس الذي يعتمد عليها علماء النفس، ولا يتعرضون في موضوع التعلم، واكتساب المعرفة إلى العلم الذي يحصل عليه الإنسان عن طريق الوحي أو الإلهام أو الرؤيا الصادقة (١).
وسبب هذا الانحراف في مفهوم المعرفة هو انحرافهم في الإيمان بالله ﷿ والإيمان بالوحي وما يتبعه من الرؤيا الصادقة، بل وإنكارهم أيضًا لتأثير الشياطين في الإنسان (٢).
فإذا كانت الرؤى ثلاثة أقسام:
رؤيا من الله، رؤيا من الشيطان، ورؤيا من حديث النفس.
فإن علماء النفس في نظرياتهم للرؤى استبعدوا القسمين الأولين، وانحصرت بحوثهم وتجاربهم ونظرياتهم في القسم الثالث: وأما القسمان الأولان فلهم فيهما تفسيرات مادية (٣).
_________________
(١) انظر: كتاب الحديث النبوي وعلم النفس (ص٢٠٧ - ٢٠٨) للدكتور محمد عثمان نجاتي
(٢) انظر: الرد على من ينكر دخول الجني في الإنسي في كتاب زاد المعاد لابن القيم ﵀ (٤/ ٦٧) وكتاب إيضاح الحق في دخول الجن في الإنس والرد على من أنكر ذلك لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.
(٣) انظر: الحديث النبوي وعلم النفس (ص٢٠٨).
[ ٢٦٧ ]
وقد قدم علم النفس عدة نظريات لتفسير الرؤى والأحلام، وكلها تدور حول أحاديث النفس في النوم، والاختلاف بين هذه النظريات هو في تفسير أسباب هذه الأحلام، ولهم في ذلك تفسيران.
الأول: أحلام نفسية، بمعنى أن هذه الأحلام صور وأفكار تداعى بعضها وراء بعض، دون اتصال بمؤثر حسي إطلاقًا فهي تشبه خواطر اليقظة وتستمد وجودها من ذكريات الماضي وتجاربه.
الثاني: أحلام حسية بمعنى أن الأحلام تتضمن صورًا عقلية أدت إليها مؤثرات موجودة بالفعل تقع على الحس الظاهر، أو الباطن عند النائم، ولكن النائم أدركها على غير وجهها.
ولكل نوع أنصاره ومؤيدوه، وإن جمع جمهرة من علماء النفس بين الاتجاهين (١).
وسوف أناقش إن شاء الله نظرية واحدة لكل اتجاه، وبقية النظريات التي قدمها علماء النفس تدور حول هذه التفسيرات، والرد عليها ومناقشتها، يقال فيه ما يقال في كل نظرية من هذه النظريات.
ففي الاتجاه الأول: نظرية التحليل النفسي.
والاتجاه الثاني: نظرية التنبيهات الخارجية.
_________________
(١) انظر: كتاب الأحلام للدكتور توفيق الطويل (ص٧٠ - ٧١) وحول صلة علم النفس بالرؤى انظر كتاب: دليل الحيران في تفسير الأحلام، لمحمد علي قطب (ص٢٤).
[ ٢٦٨ ]