جاء في بعض ألفاظ الأحاديث السابقة أن من رأى النبي - ﷺ - في المنام فسيراه في اليقظة، ومن تلك الألفاظ:
ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» زاد مسلم: «أو لكأنما رآني في اليقظة».
وفي حديث ابن مسعود ﵁: «من رآني في المنام، فقد رآني في اليقظة» وهذا لفظ ابن ماجة.
فهذه ثلاثة ألفاظ: فسيراني في اليقظة، أو لكأنما رآني في اليقظة أو فقد رآني في اليقظة.
فما معنى هذا الألفاظ؟
ذكر المازري والنووي رحمهما الله أنه إذا كان المحفوظ من هذه الألفاظ: «فكأنما رآني في اليقظة» فهو ظاهر، وهو بمعنى قول النبي - ﷺ - «فقد رآني» أو «فقد رأى الحق» أي رؤياه صحيحة ليست بأضغاث أحلام، ولا من تشبيهات الشيطان (١).
وأما إن كان المحفوظ «فسيراني في اليقظة» ففي معنى ذلك أقوال لأهل العلم.
القول الأول: أن معنى هذا الحديث تشبيه من رأى النبي - ﷺ - في المنام كأنه رآه في اليقظة، فكان معناه أن الذي يراني في المنام فكأنه رآني في اليقظة لأن الشيطان لا يتمثل بالنبي - ﷺ - على صورته.
_________________
(١) انظر: المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٢٠) وشرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٦).
[ ٣٦٢ ]
ويدل على هذا المعنى ما جاء في رواية مسلم: «لكأنما رآني في اليقظة».
القول الثاني: أن هذا خاص بأهل عصر النبي - ﷺ - ممن آمن به قبل أن يراه، فكأن فيه بشرى له بأنه سيراه في اليقظة قبل موته.
وقال بهذا ابن التين والمازري (١).
القول الثالث: أن الرائي سوف يرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها، وخروجها على الحق.
وبهذا قال ابن بطال، والقاضي عياض، وابن العربي (٢).
القول الرابع: أنه يراه في المرآة التي كانت له - ﷺ - إن أمكنه ذلك، وهذا قول لأبي جمرة وهو أضعف الأقوال، قال ابن حجر ﵀: "وهذا من أبعد المحامل" (٣).
القول الخامس: أن من رآه في المنام فسيراه في الآخرة وهذا الذي عليه جمهور العلماء المحققين.
وقد اعترض على هذا القول ابن بطال وابن العربي بأنه رؤيته - ﷺ - في الآخرة تكون لجميع المؤمنين من رآه في النوم، ومن لم يره، فلا مزية لمن رآه في النوم على غيره (٤).
_________________
(١) انظر: المعلم (٣/ ١٢٠) وشرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٦) وفتح الباري (١٢/ ٣٨٥).
(٢) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٨٤، ٣٨٥) وعارضة الأحوذي (٩/ ١٣١).
(٣) فتح الباري (١٢/ ٣٨٥).
(٤) انظر: عارضة الأحوذي (٩/ ١٣١) وفتح الباري (١٢/ ٣٨٥).
[ ٣٦٣ ]
وأجاب القاضي عياض ﵀ على هذا الاعتراض باحتمال أن تكون رؤياه له - ﷺ - في النوم على الصفة التي عرف بها، ووصف بها موجبة لتكرمته في الآخرة، وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه، والشفاعة له بعلو الدرجة، ونحو ذلك من الخصوصيات (١).
وعلى هذا القول فيه بشارة لمن رأى النبي - ﷺ - في المنام بأنه سيموت مسلمًا (٢).
القول السادس: وبه قالت الصوفية: أن من رأى النبي - ﷺ - في المنام فسيراه في اليقظة في الحياة الدنيا حقيقة ويخاطبه، وذكروا أن جماعة من الصالحين رأوا النبي - ﷺ - في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها، فجاء الأمر كذلك (٣).
وهذا القول باطل من وجوه:
الأول: أنه مستحيل شرعًا لأن النبي - ﷺ - قد مات ولا يعقل أن يحيا بعد موته لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] فكيف يقول عاقل بعد ذلك أن رسول الله - ﷺ - حي.
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٨٥).
(٢) انظر: الفتح الرباني (١٧/ ٢٢٥) ومشتهى الخارف ص (٥٤).
(٣) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٨٥) ومشتهى الخارف ص (٥٤). وممن قال بهذا القول ابن أبي جمرة في كتابه بهجة النفوس (٤/ ٢٣٧ - ٢٣٩) وتبعه في ذلك السيوطي في كتابه تنوير الحلك في رؤية النبي والملك، المطبوع مع الحاوي في الفتاوى للسيوطي (٢/ ٢٥٥ - ٢٦٩) وكذلك أحمد عز الدين البيانوني في كتابه: الرؤى والأحلام" (١٣ص ٢، ١٣٣).
[ ٣٦٤ ]
ثم هؤلاء لم يستندوا إلى دليل من الشرع، سوى الاحتمال في هذه الأحاديث، ولذا لم يذكر السيوطي في رسالته "تنوير الحلك" سوى الاحتمال في تلك الأحاديث، بل ولم يذكر حديثًا ضعيفًا ولا موقوفًا ولا مرسلًا مع سعة اطلاعه وطول باعه في الحديث، وشدة انتصاره لهذا المذهب.
ولم يذكر عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه وقعت له هذه الرؤية في اليقظة.
قال صاحب "المواهب اللدنية": "وأما رؤيته - ﷺ - في اليقظة بعد موته، فقال شيخنا يعني السخاوي لم يصل إلينا ذلك عن أحد الصحابة، ولا عمن بعدهم وقد اشتد حزن فاطمة عليه - ﷺ - حتى ماتت كمدًا بعده بستة أشهر على الصحيح، وبيتها مجاور لقبره، ولم ينقل عنها رؤيته في المدة التي تأخرتها عنه" (١).
الثاني: يلزم من هذا القول أن كل من رآه - ﷺ - في النوم أن يراه في اليقظة وهذا باطل لأن أناسًا كثيرة رأوا النبي - ﷺ - في المنام ولم يروه في اليقظة في الحياة الدنيا، فيلزم على ذلك أن يكون خبر النبي - ﷺ - كذبًا، وهذا مستحيل شرعًا (٢).
الثالث: أنه مستحيل عقلًا، فيستحيل أن يرى النبي - ﷺ - رائيان في مكانين مختلفين فيلزم من ذلك يكون النبي - ﷺ - شخصية متعددة توجد في كل زمان ومكان.
_________________
(١) المواهب اللدنية مع شرحها للزرقاني (٥/ ٢٩٥).
(٢) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٨٥) ومشتهى الخارف ص (٥٥).
[ ٣٦٥ ]
كما يلزم عليه أن يكون النبي خرج من قبره، وخروج النبي - ﷺ - يلزم أن يقوم بالجهاد والدعوة إلى الله ﷿.
ويلزم عليه أن الذين يزورون القبر يأتون ويسلمون على مجرد القبر، وليس فيه النبي - ﷺ - لأنه قد خرج على رأيهم.
كما يلزم عليه أيضًا أن كل من رآه يقظة يكون صحابيًا فتدوم الصحبة في الناس إلى يوم القيامة.
وكل هذه لوازم عقلية تدل على بطلان هذا القول.
والمقصود من هذا المبحث بيان أن رؤية النبي - ﷺ - في المنام جائزة إذا رآه الرائي على صفته التي كان عليه - ﷺ - فعندئذ تكون رؤياه رؤيا حق، لأن الشيطان لا يتمثل به - ﷺ -.
وأما أن رآه على غير صفته، أو رآه يأمره بباطل فهي أضغاث أحلام، وقرائن تدل على عدم رؤيته - ﷺ - في المنام.
وأما رؤيته - ﷺ - في اليقظة بعد موته فهذه غير جائزة ولا ممكنة، إذ لا دليل عليها من الشرع ولا من العقل، بل الشرع والعقل يمنعان وقوعها.
[ ٣٦٦ ]