اختلف العلماء في نشأة التصوف، كما اختلفوا في أصله وتعريفه، فقال ابن خلدون: إن نشأته كانت في القرن الثاني عندما أقبل الناس على الدنيا، وانصرف أناس للزهد والعبادة فسموا بالصوفية (٣).
وذهب إلى هذا ابن الجوزي ﵀ (٤) وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن نشأة التصوف كانت في أوائل القرن الثاني، وأنه لم يكن مشهورًا إلا بعد القرن الثالث (٥).
_________________
(١) هو أبو بكر، محمد بن موسى الواسطي (توفي سنة ٣٢٠هـ) من أصحاب الجنيد انظر ترجمته في طبقات الصوفية (ص٣٠٢).
(٢) الرسالة القشيرية (٢/ ٥٥٥).
(٣) مقدمة ابن خلدون (ص٤٦٧).
(٤) انظر: تلبيس إبليس (ص٢٠١).
(٥) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٥ - ٧).
[ ٢٨٥ ]
والصوفية أنفسهم مختلفون في نشأة التصوف وظهوره، فيرى أبو نصر السراج الطوسي أن أول نشأة التصوف كانت في الجاهلية قبل الإسلام (١)، بينما يقول القشيري أن هذا الاسم اشتهر قبل المائتين من الهجرة (٢).
وسبق الإشارة إلى قول البيروني أن أصل التصوف ديانة قديمة معروفة لدى الهنود واليونان القدماء، جاءت وتغلغلت في الإسلام باسم الزنادقة فالزنادقة هم الذين أدخلوها في الإسلام باسم التصوف وباسم الزهد والتعبد، وقد ربط البيروني بين أقوال الصوفية وأقوال النصارى (٣).
وقال بعض العلماء إن أول من أسس التصوف هم الشيعة (٤).
وحاصل الأقوال أن الجميع متفقون على حداثة الاسم، وعدم وجوده في عهد الرسول - ﷺ - وأصحابه والسلف الصالح.
وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الأطوار التي مر بها التصوف، وحاصلها.
الطور الأول: نزعة الزهد والورع والمبالغة في ذلك مع فقه في الدين، وهذا الطور كان من نهاية القرن الأول إلى منتصف القرن الثاني.
وهذه المظاهر وجدت عند بعض التابعين، لكن لم يكن يصحبها شيء من الانحراف، لا في العقائد ولا في السلوك، إنما كان تشديدًا على النفس.
وحينما نتذكر هذا الطور، لا نقول بأنه الأصل في التصوف، لكن المتصوفة
_________________
(١) انظر: اللمع (ص٢٢).
(٢) انظر: الرسالة القشيرية (ص٦، ٧).
(٣) انظر: تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة (ص٢٤، ٢٥).
(٤) انظر كتاب التنبيه والرد للملطي، وكتاب التصوف والمنشأ والمصدر (ص١٣٧ - ٢٧٥).
[ ٢٨٦ ]
اتخذوه تكأة وزعموا أن منهم الصحابة والتابعين، لأنهم أخذوا أمثلة من التابعين ممن كانوا يشددون على أنفسهم وزعموا أنهم قدوة لهم، وهناك بعض نزعات السلوك عند بعض التابعين أظهرها الصوفية بشكل أكبر مثل شدة البكاء، والصعق عند سماع القرآن، وهذه اتكأ عليها الصوفية واتخذوها مسلكًا وطريقة.
ولذلك أرخ كثير من المؤرخين للتصوف بهذه المرحلة، وهذا خطأ، لأن المتصوفة الذين بدؤوا التصوف البدعي انتسبوا إلى زهاد التابعين وليسوا امتدادا لهم.
فينبغي عندما نؤرخ للصوفية أن نستبعد جميع الزهاد في القرن الأول الهجري.
الطور الثاني: ظهور النزعات الفردية، وتاريخ هذا الطور من منتصف القرن الثاني إلى القرن الثالث.
فظهر قوم يتعبدون بأذواقهم وأهوائهم دون استناد إلى أصول شرعية.
الطور الثالث: تحول الصوفية إلى اتجاهات وطرق، وبداية ظهور المؤثرات الخارجية من اليهودية والنصرانية والمجوس والديانات الهندية وغيرها.
وهذه مرحلة الغموض والمصطلحات، وكانت هي الطريقة إلى الخروج إلى عالم الإلحاد وهذا الطور في القرن الرابع.
الطور الرابع: ظهور التصوف الغالي، وامتزاج التصوف بالباطنيين، وهذا الطور الذي استقرت الصوفية بدأ تقريبًا من منتصف القرن الرابع، فبدأت الطرق والمشيخة، وامتزاج الصوفية بالإلحاد والحلول ووحدة الوجود
[ ٢٨٧ ]
وبهذا صارت الصوفية مسالك شتى لا ينظمها عقيدة واحدة ولا اتجاه واحد لا في العبادة ولا في السلوك، وإنما يجمعها وصف الطريقة (١).