يقول الإمام العلامة ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه "الروح": (الرؤيا الصالحة أقسام) (٣) ثم عدد ﵀ خمسة أقسام وهي:
_________________
(١) فح الباري (١٢/ ٣٥٥).
(٢) انظر: فتاوى ابن الصلاح المطبوع ضمن مجموع الرسائل المنبرية (٤/ ٣).
(٣) الروح (٢٩).
[ ١٢٥ ]
(١) منها إلهام يلقيه الله ﷾ في قلب العبد:
وهو الكلام يكلم به الرب عبده في المنام، كما قال عبادة بن الصامت وغيره.
وهذا القسم من الرؤيا الصالحة يمكن أن يستدل له بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الوحي هو الإعلام السريع الخفي، إما يقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) كما ثبت عن النبي - ﷺ - في الصحاح وقال عبادة ويروى مرفوعًا «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام » فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظة ومنامًا. (١)
ويقول الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم (٢) ﵀ في كتابه السنة: "باب ما ذكره عن النبي - ﷺ -: أن الله تعالى يكلم عبده المؤمن في منامه، ثم ذكر حديث
_________________
(١) رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حول كلام الله، ضمن مجموع الفتاوى له (١٢/ ١٢٩).
(٢) هو الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (٢٠٦ - ٢٨٧هـ) محدث له مصنفات في الحديث كثيرة، منها كتاب السنة في أحاديث الصفات على طريق السلف ولي قضاء أصبهان بعد صالح ابن أحمد. انظر: ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٤٣٠، ٤٣٩) والبداية والنهاية (١١/ ٥٨) مع ملاحظة أن كتاب السنة له المطبوع في المكتب الإسلامي الطبعة الثانية (١٤٠٥هـ) وقع خطأ في اسمه على ظهر المجلد فنسب الكتاب إلى أبيه وبقيت كنيته مع وجود اسمه صحيحًا داخل الكتاب في سنده (ص٦).
[ ١٢٦ ]
عبادة بن الصامت يرفعه إلى النبي ﵌ (١) ويمكن أن يستدل أيضًا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في كتابه السنة (١/ ٢١٣) باب: ما ذكر*٩/ عن النبي - ﷺ - أن الله تعالى يكلم عبده المؤمن في منامه من طريقين: الطريق الأول: عن عمرو بن عثمان، ثنا أبي، ثنا محمد بن مهاجر الأنصاري، عن جنيد بن ميمون أبي عبد الحميد، عن حمزة بن الزبير يرفع الحديث إلى عبادة بن الصامت أن النبي - ﷺ - قال: «رؤيا المؤمن من كلام يكلم به العبد ربه، ﵎، في المنام». قال الألباني حفظه الله في "ظلال الجنة في تخريج السنة" "إسناده ضعيف" وقال الهيثمي ﵀ في "مجمع الزوائد" (٧/ ٧٧) "رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه" وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري (١٢/ ٣٥٤) (وذكر ابن القيم حديثًا مرفوعًا غير معزو: أن رؤيا المؤمن كلام يكلم به العبد ربه في المنام، ووجد الحديث المذكور في نوادر الأصول للترمذي من حديث عبادة بن الصامت، وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبي عمر، وهو واه جدًا وفي سنده جنيد بن ميمون عن جمرة بن الزبير عن عبادة). وانظر: "نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول" للحكيم الترمذي (١/ ٥٠١) تحقيق الدكتور أحمد السايح والدكتور الجميلي دار الريان، الطبعة الأولى (١٤٠٨هـ). الطريق الثاني: قال ابن أبي عاصم، حدثنا الحوطي، ثنا إسماعيل بن عباس، ثنا صفران بن عمرو بن حميد بن عبد الرحمن أن رجلا سأل عبادة عن قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فقال عبادة: سألت عنها رسول الله ﵌ فقال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو يُرى له، وهو كلام يكلم به ربك عبده في المنام» قال الألباني حفظه الله عن هذا الحديث (١/ ٢١٤) إسناده صحيح إن كان في الأصل حميد بن عبد الرحمن محفوظًا، وهو حميد بن عبد الرحمن من رجال الشيخين ثم قال: لكني في شك من ذلك لأمور:
(٢) أن ابن عبد الرحمن هذا لم يذكروه في شيوخ صفوان بن عمرو.
(٣) أن السيوطي أورده في "الدر المنثور" (٣/ ٣١٣) من رواية الحكيم الترمذي وابن مردويه عن حميد بن عبد الله.
(٤) أن حميد بن عبد الله المدني لما ترجمه ابن أبي حاتم (١/ ٢/٢٤٤) ذكره في الرواة عنه صفوان بن عمرو، ولم يذكره في الرواة عن حميد بن عبد الرحمن.
(٥) أن ابن جرير الطبراني أخرجه (١١/ ٩٤) من طريق عمر بن عمرو بن عبد الله الأحموسي بن عبد الله المزني قال: أتى رجل عبادة بن الصامت الحديث، دون قوله (هو من كلام) ثم أخرجه (ص٩٦) من طريق أبي المغيرة قال: ثنا صفوان قال: ثنا حميد بن عبد الله أن رجلًا سأل عبادة بن الصامت الحديث دون زيادة. قال الألباني: فهذا كان يؤكد أن الراوي لهذا الحديث إنما هو حميد بن عبد الله، وأن حميد بن عبد الرحمن خطأ من ناسخ الكتاب، ثم قال الألباني: (وإذا كان كذلك فما حال ابن عبد الله هذا؟ فذكر ما قيل فيه، ثم قال: وجملة القول: أن الرجل مستور الحال، والنفس تطمئن للاحتجاج بحديث أمثاله من مستور التابعين، وعلى ذلك جرى كثير من المحققين لكن في النفس شيء من ثبوت الزيادة المذكورة لعدم ورودها في طريق الأحموسي، ولا في طريق أخرى للحديث عن عبادة بن الصامت، وقد أخرجها ابن جرير وغيره، وكذلك لم ترد في حديث غيره من الصحابة، وقد خرجته في الصحيحة (١٧٨٦). قلت: ومع تقديري واحترامي للعلامة الألباني حفظه الله إلا أن هذا التشكيك في الحديث فيه نظر لما يلي. أولا: إن كان الراوي في الإسناد هو حميد بن عبد الرحمن فقد صحح الشيخ الألباني إسناده؛ لأن حميد بن عبد الرحمن ثقة من رجال الشيخين. ثانيًا: إن كان الراوي هو حميد بن عبد الله، فالشيخ الألباني يحتج بحديثه لأنه عنده من مستوري التابعين. ثالثًا: عدم ورود الزيادة في طرق الحديث الأولى، هذا ليس بقدح لأنها زيادة من ثقة، وزيادة الثقاة يحتج بها. رابعًا: أن الأمور التي ذكرت في التشكيك في حميد بن عبد الرحمن في ظني أنها لا تقوم، لما يلي:
(٦) كونهم لم يذكروا حميد بن عبد الرحمن في شيوخ صفوان بن عمرو، هذا ليس بشرط لأنهم لم يريدوا الحصر.
(٧) أن السيوطي أورد الحديث من رواية الحكيم الترمذي وابن مردويه عن حميد بن عبد الله، وذكر هذه الزيادة الدر المنثور (٤/ ٣٧٧).
(٨) كونهم لم يذكروا صفوان بن عمرو في تلاميذ حميد بن عبد الرحمن، فهذا ليس بشرط أيضًا لأنهم لم يريدوا الحصر.
(٩) كون ابن جرير أخرج الحديث من طريق حميد بن عبد الله، دون الزيادة، فهذا كذلك ليس بقادح في حديث حميد بن عبد الرحمن، والله أعلم بالصواب. وانظر: أعلام الموقعين (١/ ١٩٥) ومدارج السالكين (١/ ٦٣) والروح (٢٩،٣٠، ٣٢) وشرح السنة (١٢/ ٢١١) وأحكام القرآن (٣/ ١٠٧٤).
[ ١٢٧ ]
[ ١٢٨ ]
لهذا النوع من الرؤيا الصالحة، بقول النبي - ﷺ - كما في حديث أبي قتادة ﵁: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» وغيره من الأحاديث التي تبين أن هناك نوعًا من الرؤيا يكون من الله.
(٢) ومنها: مثل يضربه له ملك الرؤيا الموكل بها:
أما كون الرؤيا عبارة عن أمثال: فقد سبق لنا بيان ذلك عند الحديث عن حقيقة الرؤيا.
أما مسألة ملك الرؤيا الموكل بها، فقد قال به جماعة من العلماء من المتقدمين والمتأخرين.
يقول عياض ﵀: "وقال كثير من العلماء إن للرؤيا ملكًا وكل بها يرى الرائي من ذلك ما فيه تنبيه على ما يكون له أو يقدر عليه من خير أو شر (١).
وكذا ذكرها ابن القيم ﵀ في أكثر من كتاب وابن العربي وابن حجر ﵏ (٢).
ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: "رؤيا المؤمن تقع صادقة لأنها أمثال يضربها الملك للرائي (٣).
ويرى بعض أهل العلم التوقف في إثبات ملك الرؤيا؛ لأنه يحتاج إلى دليل شرعي كما قال القرطبي ﵀ (٤).
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٣٥٣).
(٢) وانظر: أعلام الموقعين (١/ ١٩٥) ومدارج السالكين (١/ ٦٣) والروح (٢٩، ٣٠، ٣٢) وشرح السنة (١٢/ ٢١١٩ وأحكام القرآن (٣/ ١٠٠٧٤).
(٣) المجموع الثمين في فتاوى ابن عثيمين (٢/ ٢٠٥).
(٤) المفهم (٤/ ١٢١٧).
[ ١٢٩ ]
ويمكن أن يستدل للقائلين بوجود ملك موكل رؤيا بالنصوص العامة التي ثبت حفظ الملائكة لنبي آدم، وأن للملك لمة وهي إيعاد الخير، فمن ذلك.
(أ) ما أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان وابن جرير (١) من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد الشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]» الآية.
(ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه والدارمي في سننه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من
_________________
(١) جامع الترمذي في التفسير (٢٩٩١) وقال حديث حسن غريب، وفي بعض النسخ، حسن صحيح غريب، والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٠٥) وموارد الظمآن في زوائد ابن حبان (٤٠) وابن جرير في تفسيره (٦١٧٠) من قول ابن مسعود موقوفًا وسند الطبري صحيح وانظر تخريج زاد المعاد (٢/ ٤٦٠). وضعفه الألباني كما في مشكاة المصابيح (٧٤) وضعيف الجامع الصغير (١٩٦٣) وفي سنده عطاء بن السائب وقد رُمي بالاختلاط في آخر عمره فمن سمع منه قديمًا فحديثه صحيح وقد استظهر أحمد شاكر ﵀ من مجموع كلام أئمة الجرح والتعديل أن اختلاطه كان من حين قدم البصرة، وعطاء كوفي والراوي عنه في هذا الحديث أبو الأحوص كوفي أيضًا، فالظاهر أنه سمع منه قبل الاختلاط، وانظر الكواكب النيرات (ص٦١) والتهذيب (٧/ ٢٠٣) وجامع الأصول (٢/ ٥٨).
[ ١٣٠ ]
الملائكة» قال: يا رسول الله وإياك؟ قال: «وإياي إلا إن الله أعانني عليه فأسلم (١) فلا يأمرني إلا بخير» (٢).
(٣) ومنها: التقاء روح النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم:
كما ذكرنا (٣).
وقد ذكرت ذلك بحمد لله، في مسألة تلاقي أرواح الأحياء والأموات، وأقوال أهل العلم في هذه المسألة.
(٤) ومنها: عروج روحه -أي النائم- إلى الله سبحانه وخطابها له (٤):
واستدل ابن القيم ﵀ على هذا القسم من الرؤيا بحديث عمر بن
_________________
(١) قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم (١٧/ ١٥٧) فاسلم بضم الميم وفتحها وهما روايتان مشهورتان فمن رفع قال معناه أسلم من شره وفتنته، ومن فتح قال إن القرين أسلم من الإٍسلام وصار مؤمنًا لا يأمرني إلا بخير، واختلفوا في الأرجح منهما، فقال الخطابي: الصحيح المختار الرفع ورجح القاضي عياض الفتح وهو المختار بقوله - ﷺ - فلا يأمرني إلا بخير، واختلفوا على رواية الفتح قيل أسلم بمعنى استسلم وانقاد وقد جاء هكذا في غير صحيح مسلم فاستسلم وقيل معناه صار مسلمًا مؤمنًا وهذا هو الظاهر قال القاضي عياض واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي ﵌ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه.
(٢) مسند الإمام أحمد (١/ ٣٨٥، ٣٩٧، ٤٠١، ٤٦٠) (٤/ ٩٢) (٥/ ٢٣٥، ٢٩٣، ٣٠٦) تحقيق أحمد شاكر من حديث ابن عباس وابن مسعود، ومسلم بشرح النووي (١٧/ ١٥٧) من حديث ابن مسعود وعائشة ﵂ والدارمي في سننه (٢/ ٣٩٦).
(٣) الروح لابن القيم ﵀ (ص٣٠) وسر الروح للبُقاعي (ص١٥٩).
(٤) الروح لابن القيم ﵀ (ص٣٠) وسر الروح للبقاعي (١٥٩) وقواعد الأحكام (٢/ ١٩٧).
[ ١٣١ ]
الخطاب ﵁ أنه لقي عليًا فقال يا أبا الحسن ربما شهدت وغبنا، وشهدنا وغبت ثلاث أسألك عنهن فهل عندك علم؟
ثم ذكر الثالثة فقال: (والرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب، فقال نعم: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من عبد ينام يمتلئ نومًا إلا عرج بروحه إلى العرش فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والذي يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب» (١).
قال ابن منده (٢) - ﵀ - هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره.
وقال أبو عبد الله بن منده أيضًا: وروي عن أبي الدرداء قال: (إذا نام الإنسان خرج بروحه حتى يؤتى بها العرش قال: فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود، وإن كان جنبًا لم يؤذن لها بالسجود، رواه زيد بن الحباب وغيره) (٣).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٩٦) والطبراني في الأوسط والعقيلي وابن حاتم، وابن منده في كتاب الروح والنفس (شرح حديث النزول (٥/ ٤٠٥) قال في مجمع الزوائد: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه أزهر بن عبد الله، قال العقيلي: حديثه غير محفوظ عن ابن عجلان وهذا حديث منكر لم يصححه المؤلف ولعل الآفة من الراوي عن ابن عجلان. قال الحافظ في الفتح (١٢/ ٣٥٤ أزهر بن عبد الله الأزدي الخرساني: وذكر العقيلي في ترجمته وقال: إنه غير محفوظ، ثم ذكره من طريق أخرى عن إسرائيل عن ابن إسحاق عن الحارث عن علي ببعضه، وضعفه العراقي في كتابه المغني عن حمل الأسفار (١/ ٤٠٦) المطبوع مع إحياء علوم الدين وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١/ ٣٦) (١٤١١).
(٢) هو الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيي بن منده (٣١٠ - ٣٩٥هـ) صاحب كتاب الإيمان والتوحيد وغيرهما، انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٢٨) والبداية والنهاية (١١/ ٣٣٦).
(٣) نقل عنه ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه شرح حديث النزول، المطبوع ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٤) وابن القيم في كتاب الروح (ص٣٠).
[ ١٣٢ ]
وروى البيهقي عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: (تعرج الأرواح في منامها فما كان منها طاهرًا سجد أمام العرش، وما كان غير طاهر سجد قاصيًا) (١).
وفي مراسيل الحسن (٢) ﵀ قال: (إذا نام العبد وهو ساجد، باهى الله به الملائكة يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي جسده في طاعتي وروحه عندي) (٣).
وسبق البحث في أن روح النائم تفارق جسده من وجه دون وجه كما قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
لكن مسألة السجود تحت العرش وعروج روح النائم إلى الله سبحانه تحتاج إلى دليل أصح وأصرح من هذه الآثار التي يعتريها بعض الضعف.
(٥) منها: دخول روحه- أي النائم - إلى الجنة ومشاهدتها وغير ذلك (٤):
وهذا القسم يمكن أن يستدل له بحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ -، قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل
_________________
(١) شعب الإيمان (٩/ ١٣) وفي سنده ابن لهيعة صدوق خلط بعد احتراق كتبه.
(٢) هو أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، من كبار التابعين توفي سنة (١١٠هـ) انظر ترجمه في وفيات الأعيان (٢/ ٧١، ٧٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٣).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في كتاب الزهد (٢٨٠) بنحوه عن الحسن من كلامه ولم يرفعه وإسناده صحيح انظر: اختيار الأَوْلى (ص٤٠).
(٤) الروح: (ص٢٩).
[ ١٣٣ ]
عملته في الإسلام، فإني سمعت الليلة دف (١) نعليك بين يدي في الجنة» قال بلال: (ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) (٢).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: قول: (عند صلاة الفجر) فيه إشارة إلى أن ذلك في المنام لأن عادته أنه كان يقص ما رآه ويعبر ما رآه أصحابه بعد صلاة الفجر (٣).
وقال الكرماني: "ظاهر الحديث أن السماع المذكور وقع في النوم، لأن الجنة لا يدخلها أحد إلا بعد الموت (٤)، ويحتمل أن يكون يقظة، لأن النبي - ﷺ - دخلها ليلة المعراج، وأما بلال فلا يلزم من هذه القصة أنه دخلها، لأن قوله (في الجنة) ظرف للسماع ويكون الدف بين يديه خارجًا عنها (٥).
_________________
(١) دف: قال البخاري ﵀: دف نعليك، يعني تحريك" صحيح البخاري (١/ ٣٥٧).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التهجد ١٧ - باب فضل الطهور بالليل والنهار، وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار، الحديث (١١٤٩) (١/ ٣٥٧) ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة ٢١ - باب فضائل بلال (٤/ ١٩١٠) وأحمد في مسنده (٢ - ٣٣٣، ٤٣٩).
(٣) فتح الباري (٣/ ٣٤).
(٤) قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قول الكرماني: لا يدخل أحد الجنة إلا بعد موته، مع قوله إن النبي ﵌، دخلها ليلة المعراج وكان المعراج في اليقظة على الصحيح ظاهرهما التناقض، ويمكن حمل النفي إن كان ثابتًا للأنبياء، أو يخص في الدنيا بمعنى خرج عن عالم الدنيا ودخل عالم الملكوت وهو قريب مما أجاب به السهيلي عن استعمال طست الذهب ليلة المعراج، فتح الباري (٣/ ٣٥).
(٥) فتح الباري (٣/ ٣٥).
[ ١٣٤ ]
قال الحافظ ابن حجر ﵀ معقبًا على كلام الكرماني: (ولا يخفى بعد هذا الاحتمال لأن السياق مشعر بإثبات فضيلة بلال، لكونه جعل كسب الذي بلغه إلى ذلك ما ذكره من ملازمة التطهر والصلاة، وإنما ثبت له الفضيلة بأن يكون رؤي داخل الجنة لا خارجًا عنها) (١).
وما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جنب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرتك فوليت مدبرًا» وعمر حين يقول ذلك رسول الله - ﷺ - جالس عنده مع القوم فبكى عمر حين سمع ذلك من رسول الله ﵌ وقال: (أعليك بأبي أنت وأمي أغار يا رسول الله) (٢).
وحاصل هذه الأحاديث أن النبي ﵌ رأى ذلك في المنام.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله (رأتني في الجنة) هذا وإن كان منامًا لكن رؤيا الأنبياء حق، ومن ثمَّ أعمل حكم غيرة عمر حتى امتنع من دخول
_________________
(١) فتح الباري (٣/ ٣٥).
(٢) مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٣٩) وصحيح البخاري في مواضع متعددة كتاب بدء الخلق ٨ - باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة الحديث (٣٢٤٢) (٢/ ٤٣١) وكتاب فضائل الصحابة باب مناقب عمر بن الخطاب (٣٦٨٠) (٣/ ١٤) وكتاب النكاح باب الغيرة الحديث (٥٢٢٧) (٣/ ٣٩٤) وكتاب التعبير ٣١ - باب القصر في المنام الحديث (٧٠٢٣) (٤/ ٣٠٥) ٣٢ - باب الوضوء في المنام الحديث رقم ٧٠٢٥، ٤/ ٣٠٥ صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، ٢ - باب فضائل عمر ﵁ الحديث (٢٣٩٥) (٤/ ١٨٦٣).
[ ١٣٥ ]
القصر، وقد روى أحمد من حديث معاذ قال: «إن عمر في الجنة» وذلك أن النبي - ﷺ - كان ما يرى في يقظته أو نومه سواء، وأنه قال: «بينما أنا في الجنة: إذ رأيت فيها جارية، فقلت لمن هذا؟ فقيل لعمر بن الخطاب» (١).
ولهذا ذكر البخاري ﵀ هذا الحديث في صفة الجنة (٢).
وقال الحافظ: قوله «تتوضأ» يحتمل أن يكون على ظاهره ولا ينكر كونها تتوضأ حقيقة لأن الرؤيا وقعت في زمن التكليف، والجنة وإن كان لا تكليف فيها فذلك في زمن الاستقرار، بل ظاهر قوله «تتوضأ جانب القصر» أنها تتوضأ خارجة منه، أو هو على غير حقيقة، ورؤيا المنام لا تحتمل على الحقيقة بل تحتمل التأويل دائمًا، وقد ترجم عليه البخاري في كتاب التعبير باب الوضوء في المنام (٣).
وأخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث بريدة ﵁ قال: (أصبح رسول الله - ﷺ - فدعا بلالًا فقال: «يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنة، ما دخلت الجنة قط، إلا سمعت خشخشتك (٤) أمامي، وإني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرف، فقل: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب، قلت: أنا عربي، لمن هذا القصر، قالوا لرجل
من المسلمين من أمة محمد، قلت: فأنا محمد. لمن هذا القصر؟ قالوا:
_________________
(١) فتح الباري (٦/ ٣٢٣) والحديث في مسند الإمام أحمد (٥/ ٢٤٥).
(٢) صحيح البخاري (٤/ ٣٠٥).
(٣) فتح الباري (٧/ ٤٥) وانظر: كذلك (٣/ ٣٥) (١٢/ ٤١٦).
(٤) قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (٢/ ٣٣) الخشخشة حركة لها صوت كصوت السلاح.
[ ١٣٦ ]
لعمر بن الخطاب» فقال رسول الله ﵌: «لولا غيرتك يا عمر لدخلت القصر» فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك، وقال لبلال: «بم سبقتني إلى الجنة» قال: ما أحدثت إلا وتوضأت وصليت ركعتين فقال رسول الله ﵌ «بهذا» (١).
قال الترمذي: "ومعنى هذا الحديث؛ أني دخلت البارحة الجنة، ويعني في المنام كأني دخلت الجنة، هكذا روي في بعض الأحاديث، ويروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال - ﷺ -: «رؤيا الأنبياء وحي» (٢).
ويؤيد كون هذا الدخول وقع في منام، ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث جابر ﵄ قال: قال النبي ﵌: «رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خَشْفة (٣) فقلت، من هذا فقال: هذا بلال » الحديث (٤).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٥٤، ٣٦٠) وهذا لفظ إحدى الروايتين عنده وجامع الترمذي (٥/ ٦٢٠) كتاب المناقب (١٨) باب في مناقب عمر بن الخطاب ﵁ (٣٦٨٩). وقال الترمذي: وفي الباب عن جابر، ومعاذ، وأنس، وأبي هريرة أن النبي ﵌ قال: «رأيت في الجنة قصرًا من ذهب، فقلت لمن هذا؟ فقيل لعمر بن الخطاب» وقال الترمذي هذا الحديث حسن صحيح غريب.
(٢) جامع الترمذي (٥/ ٦٢٠) وأثر ابن عباس سوف يأتي تخريجه إن شاء الله.
(٣) الخشفة: الصوت ليس بالشديد، وانظر: غريب الحديث لأبي عبيد القاسم (١/ ١٤٥) دار الكتاب العربي (١٣٩٦ هـ).
(٤) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٧٢) وصحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب (٣٦٧٩) (٣/ ١٤).
[ ١٣٧ ]
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﵌ قال: «دخلت الجنة، أو أتيت الجنة، فأبصرت قصرًا، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب» الحديث (١).
وما أخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش » الحديث (٢).
وما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي فقلت: ما هذا؟ قالوا: الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك» (٣).
وما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: «نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت: من هذا؟ فقالوا: حارثة بن النعمان» فقال رسول الله ﵌ «كذلك البر، كذلك البر» وكان أبر الناس بأمه (٤).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٠٩) والبخاري في موضعين، كتاب النكاح ١٠٧ - باب الغيرة الحديث (٥٢٢٦) (٣/ ٣٩٤) كتاب التعبير ٣١ - باب القصر في المنام، الحديث (٧٠٢٤) (٤/ ٣٠٥) وصحيح مسلم (٤/ ١٨٦٢).
(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ١٠٧، ١٩١، ١٦٣) وجامع الترمذي، كتاب المناقب ١٨ - باب في مناقب عمر بن الخطاب ﵁، الحديث رقم (٣٦٨٨) (٥/ ٦١٩) وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
(٣) مسند الإمام أحمد (٣/ ١٠٦، ١٢٥، ٢٣٩، ٢٦٨) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة ١٩ - باب من فضائل أم سليم، (٢٤٥٦) (٤/ ١٩٠٨).
(٤) مسند الإمام أحمد (٦/ ٣٦، ١٥١، ١٦٧) وأخرجه الحاكم في مستدركه (٣/ ٥٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[ ١٣٨ ]
فلعل هذه الأحاديث تكون دليلًا لمن قال بدخول روح النائم إلى الجنة، وإن كان الدليل فيها محتملًا، لأن رؤية النائم قد تكون عبارة عن ضرب أمثال للنائم، ولكن كون الذي رآها النبي ﵌، وقد استدل البخاري بها على صفة الجنة، فإن هذا مما يقوي ما ذكره ابن القيم ﵀ وإن كانت المسألة تحتاج إلى دليل صريح، والله أعلم بالصواب.