دلت الأحاديث السابقة على أن رؤية النبي - ﷺ - في المنام حق، وأن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل به ﵊، ولكن يبقى السؤال هل كل من ادعى أنه رأى النبي - ﷺ - في المنام تكون رؤياه حقًا؟
الجواب: أن في هذه المسألة خلافًا بين العلماء.
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على أن من رأى النبي - ﷺ - على صورته التي ثبتت في السنة أن تلك الرؤيا حق، لأن الشيطان لا يتمثل به، واختلفوا فيمن رآه على غير صورته هل رؤياه حق أو لا؟
وسبب الخلاف بينهم هو: هل للشيطان أن يتمثل في غير صورة النبي ويدعي أنه النبي - ﷺ - أو لا؟ أو بمعنى هل يمكن أن يرى النبي - ﷺ - على غير صورته؟ اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إن رؤيته ﵊ في المنام صحيحة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها.
وبهذا قال الإمام النووي (٢) ﵀، وأبو العباس القرطبي ﵀ حيث
_________________
(١) سنن ابن ماجة (٢/ ١٢٨٤).
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٥).
[ ٣٥٦ ]
قال: "من المعلوم أن النبي - ﷺ - يرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به، وتقع تلك الرؤيا حقًا ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه، أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بي» فالأولى أن تنزه رؤياه، وكذا رؤيا شيء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك، فهو أبلغ في الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته".
قال: "والصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حال ليست باطلة ولا أضغاثًا بل هي حق في نفسها ولو رؤي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان: بل هو من قبل الله" (١).
القول الثاني: قالوا إن رآه على صفته تكون رؤيا حق، ولو رآه على غير صفته تكون رؤيا مثال.
وبهذا قال أبو بكر بن العربي، والقاضي عياض رحمهما الله.
قال أبو بكر بن العربي: "أما رؤية النبي - ﷺ - فمن رآه في المنام بصفة معلومة فهو إدراك الحقيقة، وإن رآه على غير صفته فهو إدراك المثال" (٢).
وقال القاضي عياض: "يحتمل أن يكون قوله - ﷺ -: «فقد رآني» المعرفة له في حياته، فإن رؤي على خلافها كانت رؤيا تأولًا لا رؤيا حقيقة".
قال النووي ﵀ معقبًا على كلام عياض: "وهذا الذي قاله القاضي عياض ضعيف؛ بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها" (٣).
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٣٨٣).
(٢) عارضة الأحوذي (٩/ ١٣٠).
(٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٥).
[ ٣٥٧ ]
وقد تعقب الحافظ ابن حجر كلام النووي فقال: "لم يظهر لي من كلام القاضي ما ينفي ذلك: "بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في الحالين، لكن في الأولى مما لا يحتاج إلى تعبير، والثانية مما يحتاج إلى تعبير" (١).
وحجة أصحاب هذا القول والذي قبله، هي ما فهموه من عموم قوله - ﷺ -: «فإن الشيطان لا يتمثل بي» وقوله: «من رآني فقد رآني الحق».
قال النووي: "قال القاضي عياض قال بعض العلماء، خص الله تعالى النبي - ﷺ - بأن رؤية الناس إياه صحيحة، وكلها صدق، ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم، كما فرق الله تعالى العادة للأنبياء ﵈ بالمعجزة وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة، ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل، ولم يوثق بما جاء به مخافة من هذا التصور فحماها الله من الشيطان ونزغه ووسوسته وإلقائه وكيده (٢).
القول الثالث: أن رؤيته ﵊ في المنام حق إذا كانت على صفته المعروفة، أما إذا كانت على غير صفته، فليست كذلك.
وهذا قول ابن عباس ﵄.
وبهذا قال كثير من العلماء المحققين، وأشار إلى ذلك الإمام البخاري ﵀ في كتابه "الجامع الصحيح" حيث قال في أثر رواه معلقًا بعد حديث أبي هريرة ﵁: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي» قال أبو عبد الله "يعني نفسه" قال ابن سيرين "إذا رآه على صورته" (٣).
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٣٨٣).
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٢٥).
(٣) صحيح البخاري، كتاب التعبير، ١٠ - باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام.
[ ٣٥٨ ]
قال الحافظ ابن حجر ﵀ على الأثر السابق: "وقد رويناه موصولا من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب وهو من شيوخ البخاري عن حماد بن زيد عن أيوب قال: "كان محمد -يعني ابن سيرين- إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي - ﷺ - قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره" وسنده صحيح (١).
ويؤيد ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي في الشمائل والحاكم من طريق عاصم بن كليب، قال: حدثني أبي أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» قال عاصم: قال أبي: فحدثنيه ابن عباس فأخبرته أني قد رأيته، قال: رأيته؟ قلت: أي والله لقد رأيته، قال: فذكرت الحسن بن علي، قال: إني والله قد ذكرته ونعمته في مشيته، قال: فقال ابن عباس: إنه كان يشبهه (٢).
وكذلك ما أخرجه الإمام أحمد، والترمذي في الشمائل، وابن أبي شيبة، عن يزيد الفارسي قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في النوم زمن ابن عباس ﵄ وكان يزيد يكتب المصاحف، قال: فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله - ﷺ - في النوم، قال ابن عباس: فإن رسول الله - ﷺ - كان يقول: «إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني» فهل تستطيع
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٣٨٣).
(٢) مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٤٢) والشمائل المحمدية للترمذي ص (٣٢١) تعليق محمد عفيف الزغبي، وصححه الألباني في مختصر الشمائل المحمدية ص (٢٠٨) والحاكم في مستدركه (٤/ ٣٩٣) كتاب التعبير وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا السياق، ووافقه الذهبي وقال الحافظ في الفتح (١٢/ ٣٨٣) وسنده جيد.
[ ٣٥٩ ]
أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت؟ قال: قل: نعم، رأيت رجلًا بين الرجلين جسمه، ولحمه أسمر إلى البياض، حسن المضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته من هذا إلى هذه حتى كادت تملأ نحره، قال: فقال ابن عباس ﵄: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا (١).
وممن رجح هذا القول أيضًا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ حيث قال في مجموع الفتاوى له، بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في رؤيته - ﷺ - في المنام ثم قال: "وقد دلت كلها على أن عدو الله الشيطان قد حيل بينه وبين أن يتمثل في صورة النبي - ﷺ - إذا رآه في صورته التي هي معروفة عند أهل العلم، وهو ﵊ ربعة من الرجال، حسن الصورة، أبيض، مشرب بحمرة، كث اللحية، سوداء، وفي آخر حياته حصل فيها شعرات قليلة من الشيب ﵊ فمن رآه على صورته الحقيقية فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل به ﵊ (٢).
وبهذه الآثار يرد أصحاب القول الأول والثاني، قال القرافي ﵀: قال العلماء: إنما تصح رؤية النبي - ﷺ - لأحد رجلين أحدهما صحابي رآه فعلم
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (١/ ٣٦١، ٣٦٢) وله رواية أخرى في المسند (١/ ٣٧٩) والشمائل المحمدية للترمذي ص (٣٢٢) وحسنه الألباني في مختصر الشمائل ص (٢٠٨).
(٢) مجموع فتاوى مقالات متنوعة لابن باز (٤/ ٤٤٥). وانظر: صفات النبي - ﷺ - في صحيح البخاري كتاب المناقب ٣٣ - باب صفة النبي - ﷺ - ذكر فيه البخاري ﵀ سبعة وعشرين حديثًا (٣٥٤٢ - ٣٥٦٨) (٤/ ٥١٤ - ٥١٩) وصحيح مسلم كتاب الفضائل بعد، كتاب الرؤيا ٣ - باب صفة النبي ص (٤/ ١٨٢٤).
[ ٣٦٠ ]
صفته فانطبع في نفسه مثاله، فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان، فينتفي عنده اللبس والشك في رؤيته ﵊.
وثانيهما رجل تكرر عليه سماع صفاته المنقولة في الكتب حتى انطبعت في نفسه صفته ﵊، كما حصل ذلك لمن رآه، فإذا رآه جزم برؤية مثاله ﵊ كما يجزم به من رآه فينتفي عنه اللبس في رؤيته ﵊.
وأما غير هذين فلا يحصل له الجزم، بل يجوز أن يكون رآه ﵊ بمثاله، ويحتمل أن يكون من تخييل الشيطان، ولا يفيد قول المرئي لمن يراه أنه رسول الله - ﷺ - ولا قول من يحضر معه هذا رسول الله؛ لأن الشيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره، فلا يحصل الجزم (١).
وبهذا تعرف أهمية دراسة شمائل النبي - ﷺ - وصفاته الخلقية، فإذا رآه على صورته يأمر بالحق فليستقم، ومن رآه ينهي عن الشر فلينته، أما إذا أمره بباطل هذا من القرائن على عدم رؤيته.
وقد سبق قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان المراد بقولنا «رآه حقًا».
حيث قال: قول النبي - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» هو كما قال - ﷺ -: «رآه في المنام حقًا».
فمن قال: ما رآه حقًا فقد أخطأ.
ومن قال: إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة كالرؤية المقيدة بالنوم فقد أخطأ ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير دون ذلك (٢).
_________________
(١) الفروق (٤/ ٢٤٤، ٢٤٥).
(٢) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٢/ ٢٧٨).
[ ٣٦١ ]