الرؤيا التي يجوز تعبيرها هي الرؤيا الصحيحة التي جاء وصفها في حديث أبي هريرة ﵁ بأنها رؤيا حق، وجاء وصفها في حديث أبي قتادة ﵁ بأنها الرؤيا الصالحة، وأنها من الله، وهذه الرؤيا نوعان:
أحدهما: ما هو ظاهر لا يحتاج إلى تأويل.
والثاني: ما هو من ضرب الأمثال للنائم، وهذا النوع هو الأكثر والغالب على الرؤيا وهو الذي يحتاج فيه إلى التأويل.
والأصل في رؤيا المنام أنها لا تحمل دائمًا على ظاهرها، بل تحتاج إلى تعبير، لكن قد يقع بعضها مطابقًا لا يحتاج إلى تعبير.
_________________
(١) انظر: التدمرية ص (٩١ - ٩٣) والدليل في المتشابه والتأويل، ص (٢٨، ٢٩) الطبعة الثانية السلفية.
(٢) انظر معجم مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (٣٣٢) دار الفكر.
[ ٣٩٣ ]
فمن أمثلة الرؤيا التي تقع على ظاهرها رؤيا إبراهيم ﵇.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥].
ومن ذلك رؤيا النبي - ﷺ - لعائشة في المنام، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أُريتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة من الحرير، فيقول: هذه امرأتك فأكشفها فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه» (١).
ومن ذلك رؤيا عبد الله بن عمر ﵄ (٢) ورؤيا الصحابة ليلة القدر (٣).
قال ابن بطال في حديث عبد الله بن عمر: "في هذا الحديث أن بعض الرؤيا لا يحتاج إلى تعبير، وعلى أن ما فسر في النوم فهو تفسيره في اليقظة لأن النبي - ﷺ - لم يزد في تفسيرها على ما فسرها الملك".
قال الحافظ ابن حجر معقبًا على كلام ابن بطال: "يشير إلى قوله - ﷺ - في آخر الحديث «إن عبد الله رجل صالح» وقول الملك قبل ذلك «نعم الرجل أنت لو كنت تكثر من الصلاة» ووقع في الباب الذي بعده أن الملك قال له: «لم تُرع إنك رجل صالح» وفي آخره قال النبي - ﷺ -: «إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل» " (٤).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) فتح الباري (١٢/ ٤١٩).
[ ٣٩٤ ]
أما النوع الثاني: فهو الذي تحمل عليه الرؤيا دائمًا ويحتاج إلى تعبير.
ومن ذلك رؤيا يوسف ﵇ الكواكب والشمس والقمر له ساجدين، فكان تأويلها سجود إخوته وأبويه له.
وهذا النوع هو الذي يتكلم العلماء في تأويله، ووضعوا له بعض القواعد التي يمكن بها معرفة تأويل الرؤيا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وعبارة الرؤيا هو العبور من الشيء إلى مثاله ونظيره، وهو حقيقة المقايسة والاعتبار، فإن إدراك الشيء بالقياس والاعتبار الذي ألفه الإنسان واعتاده أيسر من إدراك شيء على البديهة من غير مثال معروف.
ثم المرئي في هذا الوجه، هو موجود في قلب الإنسان ونفسه، وإن كان مثلًا للحقيقة وواسطة لها" (١).
وقال ﵀ في موضع آخر: "ذكرت في مواضع شيئًا من الصدق والعدل وموقعهما من الكتاب والسنة، ومصالح الدنيا والآخرة فإذا عرف أن مادة العدل والتسوية، والتمثيل، والقياس، والاعتبار والتشريك والتشبيه، والتنظير من جنس واحد فيستدل بهذه الأسماء على القياس الصحيح العقلي والشرعي، ويؤخذ من ذلك تعبير الرؤيا، فإن مداره على القياس والاعتبار والمشابهة التي بين الرؤيا وتأويلها" (٢).
_________________
(١) قاعدة في المعجزات والكرامات مطبوع ضمن مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٦٣٨).
(٢) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٢٠/ ٨٢).
[ ٣٩٥ ]
ويؤكد ذلك ابن القيم ﵀ حيث قال: "قد ضرب الله سبحانه الأمثال وصرفها قدرًا وشرعًا ويقظة ومنامًا، ودل عباده على الاعتبار بذلك، وعبورهم من شيء إلى نظيره واستدلالهم بالنظير على نظيره؛ بل هذا أهَّل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ونوع من أنواع الوحي، فإنها مبنية على القياس والتمثيل، واعتبار المعقول بالمحسوس" (١).
ويقرر هذا الأصل الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ حيث قال في عبارة الرؤيا: "إنَّ أغلب ما تبنى عليه، المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة" (٢).
فالحاصل من كلام هؤلاء العلماء الأئمة، أن تعبير الرؤيا يعتمد على القياس والاعتبار والمشابهة في الاسم والصفة بين الرؤيا التي تمثل جانب المعقول وبين تأويلها الذي يمثل جانب المحسوس.
وسوف تأتي الأمثلة، إن شاء الله، لتوضيح وجه المناسبة والمشابهة بين الاسم والصفة.
والذي يستقرئ الرؤى الواردة في الكتاب والسنة يجدها تؤيد هذا الأصل، وقد ذكر ابن بطال ﵀ أن الوارد عن الأنبياء، وإن كان أصلًا فلا يعم جميع المرائي، فلا بد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره فيرد ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل، ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة فيجعل أصلًا يلحق به غيره كما يفعل الفقيه في فروع الفقه (٣).
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ٢٩٠) وانظر: ص (١٩٥).
(٢) تفسير السعدي (٤٥/ ٦٦).
(٣) انظر: فتح الباري (١٢/ ٤١٩).
[ ٣٩٦ ]